خطّة “شي” الأًممية في الإقليمين العربي والإسلامي (الجزء الأول)

0

marwan-yelena-xi1

موقع الصين بعيون عربية ـ
الأكاديمي مروان سوداح*
م. يلينا نيدوغينا*:
نفّذ رئيس جمهورية الصين الشعبية، الصديق شي جينبينغ، زيارته التاريخية الأُولى الى “الإقليمين العربي – الإسلامي”، في النصف الثاني للعام الحالي 2016م، وشملت بالترتيب ثلاث دول هي المملكة العربية السعودية، و جمهورية مصر العربية، و الجمهورية الإسلامية في إيران. وتمخّض عن الزيارة توقيع إتفاقيات وإطارات تفاهم كثيرة، والشروع بتوظيف إستثمارات صينية، فورية وأُخرى متدرّجة، بعشرات المليارات، إن لم يكن بمئات المليارات من الدولارات في بلدان الإقليمين التي تتميز بدور سياسي واقتصادي وديني كبير و/ أو محوري في منطقة جنوب غرب أسيا وشمال أفريقيا، ويَمتد تأثيرها الى رياح عديدة في القارتين الآسيوية والأفريقية والعالم.
ـ ـ في إعتقادنا الشخصي، ان الصين إذ تندفع مُجدّداً للمنطقتين العربية والإسلامية، تتلمس بدايات الاستقرار ونجاحات مشاريع التنمية والتقدم المفضي الى ازدهار في عملية المساهة الصينية في بعث المنطقة العربية وتخومها، وإيران على وجه التحديد هي أول تلك الدول التي تقع على “التخوم” العربية وأهمها. والصين هي الدولة الوحيدة في العالم القادرة والراغبة بالاستثمار في تلكم المنطقتين لنقلهما الى مكانة لائقة لشعوبهما، سيّما وان المساعدة الصينية ستكون خالية من الفساد والإفساد، والصين دولة تحترم تعهداتها كافة، وتنفذها فوراً حال توفر رغبة الطرف الاخر المتعاون معها، إذ لا تتخذ الصين أية خطوة دون دراسة مُعمّقة وشاملة ومدروسية على مختلف المستويات الصينية.
ـ ـ ما نشهده اليوم هو مشروع نهضوي صيني دولي فاعل، للمنطقة العربية أولوية فيه، ويَشمل كل المكونات الاجتماعية العربية وقِواها دون استثناء.
ـ ـ الصين تنأى بنفسها عن المعارك الجانبية، والدخول في الصراعات والنزاعات العربية – العربية والعربية – الاسلامية، وعدد كبير منها حروب ومعارك مُفبركة ووهمية وتعمل لصالح قوى الشّد العكسي العالمية والغربية. لذا، من الضروري للعالم العربي حكومات وشعوباً، تفهم وجهة النظر الصينية هذه، وان يَنبروا للتعلم والاستزادة من خبرات الصين التي تمتد لأُلوف السنين، ذلك ان الصراعات العربية – العربية تعمل على تخلف العرب، وفي محصلتها لا يحصد العرب سوى التراجع وتدمير أرثهم الحضاري والثقافي والمادي والمعنوي، وعليهم ان يدركوا ان “الصديق” الامريكي لم يعد قادراً على تكريس آسيا له لوحده، وبأن الصين وروسيا لن تسمحا بذلك أبداً بعد خمس سنوات من الحرب في سورية، وبأن مختلف الأحداث الحارة الدائرة اليوم في مركز أسيا السياسي والفكري، تؤكد السعي لانعتاق القارة عسكرياً وسياسياً وثقافياً وحضارياً وفي غيرها من الوجوه.

لذا، يتوجب على العرب، وفي صالحهم، التعلّم من الصين نموذج العمل والانضباطية والتفوّق، وكذلك التعلم من الواقع وتغييره وتحويله بحدّة. ولعل المشروع النهضوى الصيني يتوافق مع ماتوقعه المؤرخ العلامة ارنولد توينبي، من ان الغرب السياسي والثقافي لن يكون بمقدوره تجاهل أفكار الشرق، والشرق بمفهومه الكبير، وسيتعين على الغرب حتماً التسليم بوجود ثقافات اخرى ليست غربية، متعددة وقديمة ومتجددة ضمن الحضارة العالمية، وفاعلة على مدار التاريخ، وقادرة على ان تتعامل معه بندّية كاملة. لذلك نرى كيف ان بيجين تحاول اليوم وبأبّهة وكبرياء وثقة بالنفس وبقواعدها كافة، تمثيل أسيا في علاقاتها مع الغرب السياسي، والدفاع عنها وعن حضارتها ومكانتها وقياديتها السلمية والحضارية.
ويبدو أن أسيا سلّمت كل اوراقها للصين كي تنتزع اعترافاً تاريخياً من الولايات المتحدة الامريكية يقول بأن أراضيها ودولها تتسع – في الوقت الراهن – لدولتين عظميين، ولا تتسع لأمريكا بنظرتها الإحتكارية للآخر في المستقبل، ولتلقي التزام من واشنطن بتغيير نمط قيادتها للنظام الدولي، بحيث تكون أكثر استعداداً للتعامل مع القطبين الصيني والروسي الصاعدين، بالتساوي والاحترام المتبادل. وفي خضم ذلك، تسعى الصين لإبعاد أمريكا عسكرياً واقتصادياً عن حدودها البرية والبحرية، وتفشيل خطة واشنطن لِ: 1/ استبعادها من الشراكة عبر الباسيفيك؛ 2/ وتقصير زمن الضربة الامريكية التدميرية الاولى للمراكز الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية الصينية، سيّما من ناحية الشرق الجغرافي الأقرب للصين: (اليابان + تايوان) والجنوب الشرقي (كوريا الجنوبية). وفي هذا المجال الحيوي، نرى كيف بدأت الصين تتغلّب في منطقة الباسيفيك على القوة الامريكية، المتراجعة والمنحدرة تدريجياً على نطاق عالمي شامل، خاصة بعد إعلانها عن تأسيس البنك الاستثماري الدولي ومقره الصين التي لا تكل ولا تمل تعلن رسمياً عن انها تلتزم بالهدف الاشتراكي. والمصرف المذكور دولي ويسعى للتنمية الاقتصادية عالمياً، ويُقدِّم نفسه كنموذج اول في العالم الغير الغربي القادر على إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد، والبديل الواقعي لصندوق النقد الدولي – الذي هو الذراع الاستعماري لأمريكا في الكون.
في حِراكات الصين وهي حِراكات ناعمة وثابتة في أن واحد، مِثال يُحتذى سياسياً واقتصادياً وفكرياً، ويَصح تطبيقه في رياح الكرة الارضية ، والأخذ بها في الأنظمة السياسية والفكرية المختلفة – الآسيوية والغير الآسيوية -، وجُل هذا المِثال نجاحات متصلة في نشر فكرة وتطبيقات العدالة الاجتماعية، والتوفيق المُبدع بين التمنيات والواقع الاجتماعي والسياسي للآخر الغير الصيني، مايَحفظ للأنظمة المختلفة سيادتها واستقلاليتها السياسية والاقتصادية، وهو مايجب، بل ومن الضرورة، ان يفهمه العرب ويدركوه عميقاً قبل فوات أوانهم في خضم الحرب على الارهاب، وحرب الارهاب الدولي المدعوم رجعياً عليهم.
في مسار موازٍ، وبحسب المصادر السياسية والإعلامية الصينية، فقد كانت “مبادرة الحزام والطريق” موضوعاً رئيسياً خلال زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى السعودية ومصر وإيران، ما بين 19 و 23 يناير / كانون الثاني.
وتضم المبادرة التي اقترحها الرئيس شي في عام 2013 “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الـ21″، مع تطلعات شاسعة لربط دول من آسيا وأوروبا وإفريقيا، بشكل أوثق، ودعم التعاون متبادل النفع.
ويَمر الحزام والطريق عَبر قارات آسيا و أوروبا و أفريقيا، ويربطان دائرة شرق آسيا الاقتصادية الحيوية، من ناحية، ودائرة أوروبا الاقتصادية المتطورة، من الناحية الأخرى.

مدخل: البُنية الأساسية هي الأولوية
يقول تشانغ شو يو، الباحث في جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية في الصين، ان “التواصل يُمثل شريان لطرق الحرير الأرضية والبحرية” التي تبلغ مسافتها ألف ميل، و.. “يجب أن تبدأ الصين بالبُنية الأساسية لوسائل النقل من أجل بناء تواصل مع دول الشرق الأوسط.”
ويُلقي تشانغ الضوء على أهمية وتناغم التعاون بين الصين والشرق الأوسط، في البُنية الأساسية لوسائل النقل، مُشيراً إلى أن التجارة لا يمكن ان تكون سهلة من دون وسائل نقل مناسبة.
وتمتلك الصين مِيزة تنافسية قوية، في مجالات من بينها، السكك الحديدية والكهرباء ووسائل الاتصال والهندسة الميكانيكية، وعلم المعادن ومواد البناء، التي يحتاج إليها الشرق الأوسط.
وخصّصت الصين أكثر من40 مليار دولار أمريكي لتأسيس صندوق طريق الحرير في عام 2014 من أجل دعم مشاريع التعاون في البلاد الواقعة على طول الحزام والطريق.
كما وأسست الصين بُنية أساسية مهمة، لكنها مجرد جزء من خطة التعاون الكبرى في إطار “1+2+3” الذي اقترحه شي في عام 2014، خلال مؤتمر وزاري في منتدى التعاون بين الصين والدول العربية، في بيجين.
ويُشير رقم “1” في إطار العمل إلى التعاون في الطاقة كمحور أساسي، بينما يُشير “2” إلى بناء البُنية الأساسية ووسائل التجارة والاستثمار، ويرمز رقم “3” إلى التقدم الذي يجب تحقيقه في مجالات تكنولوجية عالية من بينها، الطاقة النووية والأقمار الفضائية الصناعية والطاقة الجديدة.
ووقعت ست دول عربية، من بينها السعودية، اتفاقية مع الصين وفقاً لإطار العمل. بينما أعلنت شركة السكك الحديدية الصينية المحدودة، أن هذه الشركة وشركة أفيك الصينية، وقعّتا عقداً بقيمة 1.5مليار دولار أمريكي لبناء خط سكك حديد مع مصر.
وقال ماجيدرزا هاريري، نائب رئيس الغرفة التجارية والصناعية الإيرانية، إنه يرحب بمشاركة الشركات الصينية في تنمية البُنية الأساسية الإيرانية التي دُمّرت خلال زمن الحرب. وأردف، إن صناعات النفط والغاز والمواد البتروكيميائية، هي أول شيئ نفكر فيه للتعاون الاستثماري والتجاري ما بين الصين وإيران.

إمكانية تجارية هائلة
ونوّه صادق أكباري، المدير العام لمنظمة الاستثمار الاقتصادي والمساعدة التقنية الإيرانية في مقال نشرته صحيفة ((تشينا ديلي)) إلى أنه “ببناء وتنمية البُنية الأساسية.. مهّدت الصين وإيران الطريق لروابط أعظم على طريق الحرير الإقتصادي”.
ووعدت الصين بتشجيع شركاتها على استيراد منتجات غير بترولية من دول “الشرق الأوسط”، من أجل تحسين التجارة ورفع مستواها بين الجانبين، من240 مليار دولار أمريكي في عام 2013، إلى600 مليار دولار أمريكي خلال العشرة أعوام القادمة.
وكان حجم التجارة بين الصين والدول العربية قد إزداد الى251 مليار دولار أمريكي في عام 2014، لتصبح الصين ثاني اكبر شريك تجاري للدول العربية. وفي الوقت نفسه، وقّعت الصين حديثاً مشاريع مقاولات هندسية مع الدول العربية بقيمة 46.4 مليار دولار أمريكي، وخلال الدورة الثانية “للمعرض الصيني – العربي”، تم التوقيع على مشروعات بقيمة 183 مليار يوان صيني، ليُصبح هذا الحِراك علامة هامة في التشاركية الصينية – العربية في بناء “الحزام والطريق”.
وبالنسبة للتبادل الاقتصادي والتجاري بين الصين وايران، فقد قفز حجم التجارة الثنائية من عشرات الملايين من الدولارات في سبعينيات القرن الماضي، الى 51.8 مليار دولار في 2014، وبالتالي، فقد أًصبحت الصين أكبر شريك تجاري لإيران لست سنوات مُتتالية، وثاني أكبر شريك تجاري للسعودية.
يقول المتحدث بإسم وزارة التجارة الصينية، شن دان يانغ، أن انخفاض أسعار النفط أدى إلى تقلص معدل تجارة الصين مع إيران والسعودية في عام 2015، إلا ان إمكانية النمو مازالت في حاجة إلى ان يتم إكتشافها. وتُعد السعودية أكبر مصدر للنفط الخام بالنسبة للصين. وتُعد إيران أيضا مصدر كبير للنفط، واسهمت بثمانية في المئة من إجمالي واردات النفط الخام في الصين خلال الأشهر الـ11 الأولى من العام الماضي.
وظلت تجارة الصين مع مصر قوية في عام 2015. وخلال الأشهر الـ11 الأولى ارتفعت الصادرات الصينية لمصر بنسبة 12.2 في المئة، حيث وصلت إلى 10.75 مليار دولار، بينما ارتفع إجمالي حجم التجارة بنسبة 10.4 في المئة، حيث وصل إلى 11.64 مليار.
وشجّعت الصين شركاتها أيضاً على الاستثمار في مجالات من بينها، الطاقة والبتروكيماويات والزراعة والتصنيع والخدمات في دول الشرق الأوسط.
وتعتقد القيادة السياسية الصينية، أنه و “تماشياً” مع تفشّي الأفكار الإرهابية والمتطرفة في “الشرق الأوسط”* والعالم، يُفضّل لبيجين أن تولي اهتماماً أكبر لتعزيز تعاونها مع البلدان العربية والاسلامية. لذا، نراها اليوم بالذات، وليس في يوم آخر، تشرع بطرح مسألة تعميق التنسيق في ملفات التنمية ومكافحة الإرهاب، كما وترى الصين ضرورة ولزوم معارضة ربط الإرهاب بعرق أو دين.
وكان الرئيس الصيني شي، قد طرح فكرة التعاون الصيني الأوسع مع العوالم المختلفة، وبضمنها العربي والاسلامي، منذ انتخابه رئيساً على الحزب الشيوعي الصيني وجمهورية الصين الشعبية، وهي فكرة إبداعية تشمل التشاركية في بناء “الحزام والطريق”. وقد نوّه الرئيس خلال الاجتماع الوزاري السادس لمنتدى التعاون الصيني – العربي الذي عقد في بيجين في حزيران / يونيو عام 2014، الى أنه تم التوصل إلى إتفاقية التشارك في بناء “الحزام والطريق” بين الصين و6 دول عربية، وانضمت سبع دول عربية الى بنك الاستثمار الآسيوي للبُنية التحتية كأعضاء مؤسسين، وهو البنك الذي إفتتح مؤخراً، ويُعد منافساً لصندوق النقد الدولي وصديقاً صدوقاً للدول النامية والفقيرة.
وقبيل الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني الى منطقة الشرق الاوسط، تحدّث في عدة مناسبات عن الخطة الخمسية الجديدة للصين والمملكة العربية السعودية، وبناء ممر قناة السويس المصرية، والعاصمة الادارية الجديدة، فضلاً عن الخطة الخمسية السادسة للتنمية الاقتصادية في ايران وغيرها من رؤى واستراتيجيات مفصلية، وربط التنمية ببعضها البعض، من اجل تحقيق “الالتحام” بين الطاقة الانتاجية ورأس المال والتكنولوجيا والموارد وغيرها من المجالات الاخرى.
ويتبّدى للمتابع، أن الرئيس شي جهد في جولته العربية – الاسلامية الاولى الى تقديم لغة الحوار المُعزِّز لمكانة تلك الدول، على أية لغة أخرى، وكوسيلة لتسوية الخلافات في “الشرق الأوسط”، وقد تابعهُ العالم وهو يتقدّم ببرامج مساعدات جديدة وفلكية لتسهيل (التنمية الفعلية والواقعية) في تلك البلدان. إذ يعتبر الرئيس شي، ان المساعدات هي العامل الرئيس والأهم للتغلّب على الصعوبات التي تؤزّم الاوضاع بالمنطقة. وفي الوقت نفسه، أوضح الرئيس الصيني أن بيجين لا تبحث عن وكلاء و لا تحاول ملء أي “فراغ” في منطقة “الشرق الأوسط”.
وكانت الدوائر الصينية الرسمية والإعلامية قد أعلنت قُبيل زيارة الرئيس شي للدول الثلاث وبصراحة ومباشرة عن: أن التبادل والتعاون مع دول “الشرق الأوسط” “سيزيد من التواجد السياسي والاقتصادي والثقافي خاصتها في المنطقة”، و “سيُعدُ تعزيز هذا التواجد نتيجة طبيعية تخدم مصلحة الأطراف كافة”. وتُشير بيجين الى أنه “عندما نستعرض التبادل والتعاون بين الصين والدول الأخرى في مختلف أنحاء العالم، نجد أن الصين لم تسعَ الى السيطرة على الآخرين، بل نجحت في “تحقيق الفوز المشترك للجميع”.
وتأكيداً على ذلك، قال الرئيس شي: “نعمل على النصح بالتصالح والحث على التفاوض ولا نقوم بتنصيب الوكلاء؛ ونبذل الجهود لتكوين دائرة أصدقاء للحزام والطريق التي تغطي الجميع ولا ننتزع ما يُسمّى بـ”مجال النفوذ” من أي واحد؛ وأكد أن الصين “تطمح لبناء “شبكة من الشراكات التي تُحقـّق المَنفعة المُتبادلة والكسب المُشترك ولا تنوي ملء الفراغ”.
ولاحظنا أن الاتفاقيات التي وقّعتها الصين مع الدول الثلاث، تغطي شتى الجوانب الإقتصادية والسياسية والثقافية، مما سينعكس إيجاباً على الجوانب البحثية والمعرفية، وعلى قطاعي الطاقة والتصنيع العربيين، ولم تغفل هذه الاتفاقيات الجانب السياحي، والى جانبها مذكرات التفاهم حِيال تعزيز التعاون المشترك في مَسار مبادرة “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير” و “مبادرة طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين”، والتعاون في الطاقة الانتاجية التي تؤدي إلى زيادة التدفق المالي ما بين الصين وتلك البلدان.
ويَجب الاعتراف أن شعوب العَالم سجلت تأييدها خلال ألفي سنة ونيّف، لطريق الحرير البري والبحري القديم، من خلال التعامل النشط معه، كما بدأت شعب اليوم بتأييد مبادرة “الحزام والطريق” الكونية التي تقدّم بها الرئيس شي، لكونها تتلاقى مع أمانيها وأمالها وطموحاتها ومصالحها.
يَعود تاريخ “طريق الحرير” القديم إلى ما قبل القرن الثاني قبل الميلاد، وهو عبارة عن مجموعة سُبل مترابطة تسلكها القوافل، بهدف نقل البضائع التجارية بين الصين والعالم القديم، وبخاصة بينها وبين آسيا الوسطى وبلاد فارس والعرب وآسيا الصُغرى وأوروبا، وكان من أهم هذه البضائع التي حملها الطريق: الحرير والخزف والزجاج والأحجار الكريمة والتوابل والعطور والعقاقير الطبية.
وبشأن طريق الحرير البحري، فهو مجموعة الطرق التجارية البحرية التي ازدهرت متزامنة تقريباً مع طريق الحرير البري، وكانت تربط بين الصين ومناطق في (الخليج) وآسيا وإفريقيا ومنها كانت تسلك إلى أوروبا.
وفي أسباب الترحيب الأممي بمبادرة طريق الحرير الجديد (الحزام والطريق)، التي أعلن الرئيس “شي” عنها، أنها تشمل أكثر من60 دولة في قارات آسيا وأوروبا وإفريقيا، يبلغ عدد سكانها مُجتمعة 4.4مليارات نسمة، أي ما يعادل63% من سكان العالم، ويبلغ حجم إقتصاداتها21 تريليون دولار، أي29% من الاقتصاد العالمي الحالي.
ويتكئ “الحزام الاقتصادي” لطريق الحرير الذي تسعى الصين لتطبيقه، على ثلاثة خطوط رئيسة لوثيقة «تطلعات وأعمال حول دفع البناء المشترك للحزام والطريق»، وتشمل بحسب المراجع الصينية:
أ/ ربط بين الصين وأوروبا مروراً بآسيا الوسطى وروسيا؛
ب/ يَمتد من الصين إلى منطقة الخليج والبحر الأبيض المتوسط، مروراً بآسيا الوسطى وغربي آسيا؛
ج/ كما يبدأ من الصين ويَمر بجنوب شرقي آسيا وجنوب آسيا والمحيط الهندي.
ولإلقاء الأضواء على توقيت ومدى وطبيعة الحِراك الصيني في المنطقتين حالياً وفي المدى المنظور، وملاحظة سير العلاقات الصينية – العربية في العقدين المقبلين على أقل تقدير، تمكّنا إحصاء عددٍ من المُنجزات الصينية مع البلدان الثلاثة.
“الحزام والطريق – ثقافياً وحضارياً و.. إرهابياً”
ـ ـ في تقييمها لمبادرة الحزام والطريق، صرحت المُستشارة الإعلامية المصرية في الصين، الدكتورة هدى جاد الله، لمراسل وكالة شبكة شينخوا الإعلامية الرسمية الصينية، أن المبادرة “لا تهتم بالجوانب الاقتصادية والتجارية فقط، بل تهتم بالجانب الثقافي والحضاري والاجتماعي أيضاً”.
وترى جاد الله ان مصر والصين حضارتان قديمتان وهناك فرصة كبيرة للتبادل الثقافي بينهما، ولدى كل منهما تراث حضاري كبير يمكن أن يُثري المناخ الثقافي في الدولة الأخرى وفي مختلف الدول الواقعة على طريق الحرير.
وتستنتج جاد الله: أن زيارة الرئيس شي “للشرق الاوسط”: مهمة لتعزيز الدور الصيني كلاعب مهم في المنطقة، حيث ترغب الصين في بذل جهد أكبر في تهدئة الأزمات في المنطقة، بما يتفق مع مبادىء السياسة الخارجية الصينية وفي إطار مبادئ الأمم المتحدة، ومصر ترحب وتؤيد قيام الصين بهذا الدور الذي يساعد على التوازن وتحقيق الاستقرار.
ـ ـ من جانبه يصف الدكتور أحمد قنديل في الاهرام المصرية زيارة الرئيس شي بأنها “نقلة نوعية”، ويقول بانها
كشفت عن حدوث نقلة نوعية مهمة في تطوّر العلاقات المصرية – الصينية على أكثر من مستوى، لعل من أبرزها المستويات الخمسة التالية:
أولا، أن بيجين لن تبقى في موقف المتفرج على ما يجرى في منطقة الشرق الأوسط، وأنها ستكون رقماً مهماً في المعادلات المستقبلية لتوازن القوى في المنطقة، بالتعاون مع مصر، من أجل تحقيق السلام والتنمية. فالمصالح الصينية سواء الأمنية (المتمثلة في إمكانية امتداد الأذرع الاخطبوطية لتنظيم داعش الإرهابي لأراضيها أو على الأقل لدول الجوار القريبة منها) أو الاقتصادية (المتمثلة في تهديد مصالحها التجارية والاستثمارية الضخمة في المنطقة)، أصبحت تواجه تهديدات كبيرة نتيجة استمرار الفوضى وعدم الاستقرار في دول الشرق الأوسط.
ويَزيد قنديل: وفي هذا الإطار، كشفت الزيارة عن أن بيجين وهي توجّه عينيها صوب منطقة الشرق الأوسط، لن تجد أهم من مصر، التي هي بالنسبة لها ـ أولاً ـ أمة ذات تاريخ عريق مثلها مثل الصين، وهي ثانياً ـ تلعب دوراً بارزاً (بل وربما الأبرز) في إقليمها العربي، سياسياً واقتصادياً وثقافياً وحضارياً. وربما يكون في هذا التوجّه الصيني تأكيداً على خطأ الوهم الذي ساد في عدد من العواصم العالمية والعربية في السنوات الأخيرة، حيث تصوّر البعض أن مصر ضَعفت وتراجع دورها ومكانتها.
ويرى قنديل: ان الجانبين المصري والصيني يدينان بشدة الهجمات والأعمال الإرهابية التي وقعت في الجانب الآخر، ودعمهما لإجراءات الجانب الآخر لمكافحة الإرهاب. وفي هذا السياق، اتفق الجانبان على تعزيز التواصل والتعاون على المستويين الثنائي والمتعدد الأطراف لمكافحة الإرهاب والتطرف وملاحقة أعضاء الجماعات والمنظمات الإرهابية في البلدين ومعاقبتهم، وتجفيف منابع تمويل الجماعات والمنظمات الإرهابية، مع إجراء أكبر قدر من التعاون في تبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالإرهاب والتحقيق وجمع الأدلة وملاحقة وإعادة المشتبه بهم.
ويقول: “تجدر الإشارة إلى أن الصين بدأت تعاني من وصول الأذرع الاخطبوطية لتنظيم داعش، حيث تنامت في الشهور الأخيرة الاعمال الإرهابية التي تقوم بها «الذئاب المنفردة» التي يقدّر عددها بحوالي 500 شخص من الاقلية المسلمة التي تسكن إقليم شينجيانغ وتطالب بالانفصال عن الصين”.
ويتطرق قنديل الى قضية هامة في علاقات مصر بالصين، ربما لم يتطرق إليها أحد من قبل، وهي:
“رعاية أجيال جديدة من الباحثين الشباب في الجانبين، ليكونوا ذخيرةً “حَيّةً” لتعزيز التعاون في المستقبل، خاصة فيما يتعلق بالتعرف على الدروس المستفادة من الخبرات الصينية في مجالات توعية المجتمع بأهمية وضرورة الإيمان والولاء الكامل للوطن، والحرص على العمل وإجادته، وإدراك الهوية الحضارية للمجتمع، وليس المفاهيم المستوردة من أية دولة أخرى”.
وجهة النظر الامريكية حيال العلاقات الصينية الافريقية:
قبل نحو شهور تسعة من زيارة الرئيس شي للسعودية ومصر وايران، نشرت الولايات المتحدة تقريراً خطيراً، صدر عن مؤسسة قريبة من مراكز صنع القرار في أمريكا، ورد فيه أن توسّع الصين في الاستثمارات في أفريقيا، من شأنه أن يُهدّد نفوذ “أقوى دول العالم ويمس أمنها القومي” (أمريكا). فمراكز صناعة القرار في أمريكا تُدرك إدراكاً تاماً، بأن الاقتصاد هو أداة سياسية، وهو ما ينطبق على حِراكات ومُبادرات الصين ومشاريعها. فالاقتصاد ليس مُجرّداً من السياسية، لأنه يخدم الهدف السياسي تحديداً، في كل دولة من دول العالم، والسياسة بدورها تخدم الاقتصاد، ليكون الاقتصاد مِثالياً على صورة “أكثرُ سياسةً” !
والتقرير الذي صدر في أبريل/ نيسان الماضي (2015م)، عن مؤسسة راند، ووصلت “العربي الجديد” نسخة منه، جاء استجابة لطلب الجيش الأميركي وبتمويل منه أيضاً، وفحص عدة أوجه للمشهد الأمني الدائر والآثار المحتملة على المشروع الأميركي المنخرط في أفريقيا والمسمّى “القوة المسلحة والمصادر المتطلبة لدعم مشروع أفريكوم”.
التقرير، الذي حمل عنوان “توسيع الصين للعلاقات مع أفريقيا وانعكاساته على الأمن القومي للولايات المتحدة”، سلّط الضوء على تأثيرات التمدّد الصيني في القارة السوداء وآثاره على الولايات المتحدة الأميركية.
لكن التقرير خلُص في المحصلة، الى أن الصين لا تمثل تهديداً للأمن القومي الأميركي في أفريقيا (مع ان سياقات التقرير تكشف عن تخوّف امريكي من توسّع الصين اقتصادياً، بالإضافة الى اعتبار هذا التوسّع، – بشكل غير مباشر -، تهديداً للمصالح الامريكية)، ثم يوجّه التقرير عدة توصيات للقيادات الأميركية، منها:
* وضع العلاقات الصينية الأفريقية في سياقها المناسب.
* تجنّب تصعيد المنافسة (ذات المستوى القليل) إلى توتر استراتيجي على المستوى الثنائي فالمصالح المشتركة أكبر، ولا توجد بيئة مشابهة للحرب الباردة.
* الوضع في الاعتبار أن المقاربة الصينية لأفريقيا من المحتمل أن تكون مقاومة للتحولات الكبيرة. فالعلاقات الصينية الأفريقية مَبنية على أسس اقتصادية، وهي بذلك ليست قابلة للتحولات السريعة.
* مُلاحظةُ حدود النفوذ الصيني، فالنفوذ الصيني ليس بلا حدود، فالدول الغربية وعلى الأخص الولايات المتحدة الأميركية لديها القدرة على مساندة الدول الأفريقية في مواجهة التحديات الأمنية بطرق تفتقدها الصين، فالدول الأفريقية لديها روابط سياسية وأمنية وثقافية مع الدول الغربية سوف تدوم.
* تنشيط دبلوماسية الولايات المتحدة والمشاركة الاقتصادية مع أفريقيا بدلاً من التنافس مع “لدى الولايات المتحدة عدة مصالح تجارية ودبلوماسية تتنافس مع المصالح الصينية في أفريقيا” الصين في أفريقيا، فالمستوى الذى وصلت إليه الصين في العلاقات الثنائية مع الدول الأفريقية، يجب على الولايات المتحدة أن لا تحاول مماشاته، بل عليها تعميق روابطها مع الدول الأفريقية على المستوى الرفيع والمتوسط.
* التفريق بين رد الفعل على أزمة جيش التحرير الشعبي وإمكانيات تشكيل الظروف الأمنية، فقيادة أفريقيا (أفريكوم) يجب أن تقيّم بعناية إمكانيات جيش التحرير الشعبي للنمو في أفريقيا في ضوء العمليات المحتملة.
* عزل العلاقات الصينية – الأميركية في أفريقيا عن التوترات الجيوسياسية الأوسع، فصُنّاع القرار الأميركي عليهم أن يجاهدوا لمنع الخلافات حول المصالح الأمنية في أفريقيا، من تعكير العلاقات الأميركية – الصينية الأوسع نطاقاً.
ورغم أن المنافسة شديدة، كما تبدو من سطور التقرير والأرقام، إلا أن حرص الناصحين وصانعي القرار الأميريكي على عدم استعداء أو إغضاب المارد الأصفر واضح وجلي، والتقليل من حجم “الخطر الصيني” (على عكس ما هو معتاد في هذه المواضيع)، ومحاولة استكشاف وصُنع طـُرق جديدة للبقاء في القارة السمراء، دون الدخول في منافسة مع الصين، هي النصيحة الغالبة على التقرير، فـ”الخوف سيد الأخلاق”.
أهمية اهتمامنا بالتقرير الامريكي، أعلاه، أنه والتقارير الاخرى المشابهة، تُمارس تأثيراً واضحاً وجلياً على علاقات العالمين العربي والاسلامي مع الصين، لذلك يُفضّل مُلاحقة رأي المؤسسات الامريكية المختلفة بعلاقات وصِلات العالمين العربي والاسلامي مع جمهورية الصين الشعبية الصديقة والحليفة، نظراً لحساسية الموضوع لدى الدوائر السياسية والأمنية والعسكرية والبحثية الامريكية، وللتأثير الذي تمارسه تلك الدوائر سياسياً وإقتصادياً .
. – See more at: http://www.alaraby.co.uk/economy/2015/6/10/تقرير-توسع-الصين-اقتصاديا-بأفريقيا-يهدد-النفوذ-الأميركي#sthash.u4VVk4dS.dpuf
• الأكاديمي مروان سوداح: رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب حُلفاء الصين ومتخصص بالشؤون الصينية والروسية والسوفييتية.
• م. يلينا نيدوغينا: رئيسة الفرع الاردني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب حُلفاء الصين، ورئيسة تحرير صحيفة “الملحق الروسي” بالاردن سابقاً، ومتخصصة بشؤون الصين وروسيا والاتحاد السوفييتي السابق.
• “الشرق الاوسط”: إضطررنا في المقالة لاستخدام هذا المصطلح الاوروبي الغربي والاستعماري، نقلاً لتصريحات صينية، برغم أنه مصطلح لا يُعبّر عن الواقع الجيوسياسي العربي.
• كان الشعب العربي العُماني السبّاق عربيا ً الى علاقات مباشرة مع الصين في مختلف المجالات، إرتباطاً بطريق الحرير البحري القديم.
• من المراجع المستخدمة في هذه الدراسة: موقع الصين بعيون عربية (في لبنان)/ والمواقع والصحف الالكترونية الصينية الناطقة بالعربية على اختلافها ومنها: إذاعة الصين الدولية/ الفضائية الصينية-CCTV / وكالة شينخوا/ الشعب اليومية الصينية ووزارة الخارجية الصينية؛ والمواقع المصرية ومنها: موقع هيئة الاستعلامات المصرية وهي هيئة حكومية مصرية/ الاهرام/ اليوم السابع؛ والسعودية ومنها: الرياض، الشرق الاوسط،الوطن، البلاد والحياة؛ وعدد كبير من الفضائيات العربية والاجنبية ومنها تالياً: الجزيرة/ العربية/ روسيا اليوم/ قناة المصرية؛ بالاضافة الى مصادر ايرانية ومنها: قناة العالم/ وكالات الانباء الايرانية أرنا ومهر وفارس/ واذاعة ظهران.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.