موقع متخصص بالشؤون الصينية

عيد الربيع.. ربيع الحَضرنة الأبدية (العدد 51)

0

“نشرة الصين بعيون عربية” ـ
الأكادِيمي مروان سوداح*:

خلال خمسين سنة من حياتي قضيتها في التعرّف على ثقافات مختلف الشعوب والبلدان، لم أعرف شعباً غير الشعب الصيني يَحتفل بصورٍ هي الأبهى وعلى نطاق محلي شامل وعالمي، بأعياده الكثيرة المختلفة، وعلى رأسها عيد الربيع.
عيد الربيع الصيني هو العيد الصيني الأول الذي تَحتفل به الصين على نطاق أُممي شامل، وتشاركها الاحتفال به شتى الأُمم والألسن. وبِهدف التأكيد على فرادته وبُعدهِ الحضاري المَعنوي قبل المادي، تُشرك الصين الأُمم والشعوب في الفعاليات الإحتفائية به فيغدو أجمل وأحلى وأطيب.
لذلك نرى بجلاء، كيف أن الصين تحرص على تقديم هذا العيد للعالم كما هو في جذوره الاولى، حين يترافق بعروض ثقافية وفنية راقية، تتشارك فيها مختلف الثقافات القومية للأمم والشعوب الصينية، تأكيداً على أن الأعياد الصينية مُوحِّدةُ وتشمل بمباهِجِها جميع الألسن والسِّحن.
وتُشرك الصين كذلك الشعوب الأجنبية بأحتفالاتها. ولهذا، ولجعل الإحتفالات بالعيد في البلدان الاجنبية عملية ميسورة، تقدّم الصين شتّى أشكال الدعم الدبلوماسي والمالي والمعنوي.
فهي ترسل فرقها الفنية للدول الصديقة، وتعتمد فنانيها لإحيائه، وتحشد لإنجاحه رجالات الثقافة والفنون، والإعلاميين والأوساط الشعبية، والاجتماعية والدولتية. وفي هذا الإحياء والاحتفال تبرز أهمية الصين ثقافياً، وتتعزّز مكانتها الحضرية، وتواصلها النافع مع الآخر الإنساني، وتتعزّز الثقة ما بينها والبشرية وأصحاب مختلف التوجهات السياسية والطبقية والإجتماعية.
ولعل الأهم في الاحتفالات بعيد الربيع الصيني هو استعادته السنوية لتاريخه المجيد منذ طريق الحرير الشهير، الذي ربط الصين بالعرب بعُروةٍ وُثقىَ ووثيقة، فقد غدا عندهم مَعبراً ثقافياً واجتماعياً، إذ لم تتوقف شؤون طريق الحرير على سُبل التجارة بين الأمم والشعوب السابقة، لكنها تجاوزتها الى ترسيخ مفهوم الاقتصاد العالمي بآفاقه الإنسانية والسلمية، وازدهرت به وفيه التبادلات والأفكار والثقافات والعقائد وحتى الديانات، ومارس تأثيراً عميقاً في الأقاليم والمناطق التي مرَّ بها، فترسّخ به واقع المُجتمعات السلمية، والكسب المشترك، وديمومة تعاون الثقافات الإنسانية، كمِيزة لم يَسبق لها مَثيل على وجه البسيطة وطوال تاريخ الإنسان العاقل.
وهذا العيد وأصحابه لم يَألوا جُهداً للتعريف بسلام الصين على جنباته وفي علاقاته الشفافة، فغدا هذا السلام الاقتصادي والإنساني ومذ تلكم الأزمنة ربيعاً أبدياً لا يَخبو بريقهُ، ومِثالاً صِينياً يُحتذى عالمياً، وها هو يُعاود الإنتشار بفعالية وبدعم صيني رسمي في حُلّةٍ جديدة موصوفة بـ “حزامٍ وطريق”، منذ أن دعا إليـه الرفيـق العزيـز والقائـد الفذ “شي جين بينغ”، في عام 2013م.
قبل أيام أربعة من صدور نشرتنا الأُسبوعية هذه، أحيت سفارة جمهورية الصين الشعبية لدى الاردن، الإحتفال الأول الكبير بعيد الربيع الصيني والذكرى الأربعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية مابين الصين والاردن، واعتراف الأردن بوحدانية التراب الصيني وتمثيل جمهورية الصين الشعبيـة لكامـل الصين وكـل الصينييـن.
وحضر الاحتفال جَمعٌ ضخمٌ من الاردنيين والصينيين، وتعرّفنا خلاله على ألوان مُفعمة بالمعاني الإنسانية التي تَختزنها الثقافات المُتعايِشة سلمياً في الصين، والتي تقبّلها الحضور الأردني برحابة صدرٍ وتصفيق حارٍ ومتواصل، ما يدلُ على سهولة إدراك الاردنيين وفهمهم للثقافة الصينية، وقُرب هذه الثقافة مِن مكوّناتهم الثقافية والقومية والوطنية، منذ مرور قوافل طريق الحرير القديم بمدن الأردن، ومنها البترا، وربّة عمّون (عَمّان)، وأرابيلا (إربد)، وزيزيا (الجيزة)، فالتقت الثقافتان الصينية والعربية الأردنية بسهولةٍ ويُسر، مما أكد مَقولة وحدة الثقافات الإنسانية ذات الألوان المختلفة، وألق الثقافة الصينية في العالم وفي شعوب وقوميات الشرق وآسيا على وجه الخصوص.
*رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء الصين – الاردن.
** المقال خاص بنشرة ”الصين بعيون عربية“

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.