موقع متخصص بالشؤون الصينية

تعليق: تنامي الدور الصيني البناء في الشرق الأوسط

0

 

صحيفة الشعب الصينية ـ
بقلم هوا إي شنغ، خبير في الشؤون الدولية:

بعد زيارة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى الصين، أدى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو زيارة رسمية إلى الصين أيضا. ويبدو أن ذلك لم يكن من محض المصادفة. فقبل 4 سنوات، أدى كل من الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو زيارة متزامنة إلى الصين، مباشرة بعد تولي القيادة الجديدة الحكم في الصين. وفي بداية العام الماضي، قام الرئيس شي جين بينغ بجولة شرق أوسطية شملت السعودية ومصر وإيران. وتعد الدول المذكورة أطرافا دولا مركزية في الشرق الأوسط، تتميز علاقاتها البينية بقدر كبير من التداخل والتعقد. لكن، جميع هذه الدول تجمعها علاقات طيبة مع الصين، وتستطيع الصين أن تجد لغة الحوار معهم جميعا. وهو ما يعكس الدور البناء الذي تستطيع الصين أن تلعبه في منطقة الشرق الأوسط.

يتجسد الدور الصيني البناء في الجوانب الثلاثة التالية:

أولا، دفع التنمية الإقليمية من خلال التعاون التجاري والإقتصادي. حيث تعود جذور عدة مشاكل في الشرق الأوسط إلى التنمية، وتكمن حلولها النهائية في الإعتماد على التنمية. في هذا الصدد، وفي إطار مبادرة “الحزام والطريق” يمكن للصين أن تساعد دول المنطقة على تنمية إقتصادياتها ورفع مستواها التصنيعي وتحسين بنيتها التحتية. وعلى ضوء هذه الرؤية، عبر القادة الصينيون للجانب السعودي أثناء زيارة الملك سلمان إلى الصين، عن دعم الصين لـ”رؤية السعودية 2030 “، ورحبوا بالسعودية بأن تكون شريكا عالميا للصين في البناء المشترك لمبادرة “الحزام والطريق”، كما أعرب القادة الصينيين عن رغبة الجانب الصيني في أن يكون شريكا عالميا في إطار التنوع الإقتصادي السعودي، وتسريع مفاوضات التجارة الحرة بين الصين ومجلس التعاون الخليجي، ودفع التعاون التجاري والإقتصادي بين الصين ودول المنطقة؛ من جهة أخرى، أعرب الجانب الصيني عن رغبته في تحقيق التكامل مع إستراتيجيات التنمية الإسرائيلية وتعزيز التعاون الصيني الإسرائيلي في مجال الإبتكار ودفع مفاوضات التجارة الحرة بين البلدين.

ثانيا، دعم الإستقرار في الشرق الأوسط. لا تكتفي الصين بدور “المتفرج” في شؤون الشرق الأوسط. بل تعمل الصين حثيثا على دفع السلام والإستقرار في هذه المنطقة، وتطرح مقترحاتها الخاصة للوساطة والمصالحة بين الدول المتنازعة، وتحث الدول المعنية على معالجة الخلافات والنزاعات من خلال المفاوضات والحوار. وفي مايخص القضية الفلسطينية على سبيل المثال، حثّ القادة الصينيون الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على التمسك بالمسار الصحيح لـ “حل الدولتين”، وتقديم تنازلات متبادلة وإستئناف محادثات السلام في أسرع وقت ممكن. كما بذلت الصين الكثير من الجهود لتقريب وجها النظر بين الحكومة السورية والمعارضة. وحظي الدور الصيني البناء في دفع عملية السلام بالشرق الأوسط بتثمين العديد من القادة في الشرق الأوسط.

ثالثا، دفع الحوار والتعلم المتبادل. حيث يبقى الحوار الوسيلة الأنجع لمعالجة الخلافات، وفي هذا الجانب، تسعى الصين إلى تعزيز الحوار والتبادل بين الحضارة الصينية والحضارة العربية الإسلامية وكذلك الحضارة اليهودية. وجعل التبادل البشري يصبح رافدا هاما من راوفد تعزيز العلاقات بين الصين ودول الشرق الأوسط. وفي هذا الصدد، تتمسك الصين بموقف داعم لدول الشرق الأوسط والدول العربية في حماية ثقافتها وتقاليدها، وتعارض كل أشكال الميز والأفكار المسبقة تجاه أمة بعينها أو تجاه دين ما. في ذات الوقت، تطرح الصين مبادئ الأحترام المتبادل والتعايش السلمي بين مختلف الحضارات والثقافات والأديان. وتنظر إلى التنوع الحضاري والثقافي والديني على أنه قوة دفع داخل مختلف المجتمعات وعاملا لتعزيز السلام الإقليمي، وليس فتيلا للنزاعات بين الدول والإضطرابات.

هناك جاجة متبادلة بين الصين ودول الشرق الأوسط. فمن جهة، تمتلك منطقة الشرق الأوسط آفاقا هائلة للنمو، ويلوح في سمائها الآن أمل السلام. وتأمل من الصين أن تلعب دورا أكثر أهمية، وتتعطش إلى تطوير علاقات أكثر متانة مع الصين. في المقابل، تمتلك منطقة الشرق الأوسط، مكانة مركزية في الدبلوماسية الصينية: إستراتيجيا، تمثل منطقة الشرق الأوسط “الجار الكبير” للصين، وتشكل “ملاذا” إستراتيجيا هاما بالنسبة للصين؛ إقتصاديا، تعد منطقة الشرق الأوسط المصدر الأول للطاقة بالنسبة للصين؛ أمنيا، تمثل منطقة الشرق الأوسط، دفّة الجبهة الدولية لمحاربة الإرهاب. ولا شك في أن الصين تحتاج إلى التعاون مع دول الشرق الأوسط في ضرب “القوى الثلاث”(الإرهاب، الانفصالية، التطرف).

إن قدرة الصين على لعب أدور أكثر أهمية في منطقة الشرق الأوسط، تعود إلى المميزات التي تتمتع بها الصين على هذا المستوى. أولا، الصين هي عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، وتتحمل مسؤوليات المحافظة على السلام والإستقرار العالمي، وتدعم جهود الوساطة التي تقوم بها الأمم المتحدة في قضايا الشرق الأوسط. ثانيا، تركز الصين على قضايا التنمية، وترى في أن مفتاح معالجة قضايا الشرق الأوسط يكمن في تسريع التنمية. وفي هذا الجانب، ترغب الصين في تقديم مسهاماتها في تحقيق التنمية بالشرق الأوسط، من خلال دفع التعاون والفوز المشترك. ثالثا، لا تتعامل الصين بمنطق الإقصاء في الشرق الأوسط، ولا تنازع القوى الكبرى الأخرى الهيمنة على المنطقة، ولا تمارس سياسات الأحلاف والتكتلات، بل تتمسك بالموضوعية والمواقف العادلة وتحث مختلف الأطراف على معالجة النزاعات العالقة.

وبالنظر إلى المصالح السياسية والإقتصادية والأمنية الكبرى للصين في منطقة الشرق الأوسط، من المتوقع أن تلعب الصين أدوارا بناءة متزايدة الأهمية في هذه المنطقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.