موقع متخصص بالشؤون الصينية

يا ليتني في رمضان “الفِناء”..

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
أبو موسى وانج هونجوا*:
رمضان في طفولتي وشبابي وذاكرتى الدهرية يرتبط بمكان هو الأجمل والأحلى، انه المكان المنزلي الصيني الذي وُلدت وترعرعت في فنائه.. انه 》 المسكن الجماعي《، (أو يُسمّى الآن المَجمع السكني)، وهو يتكوّن من 4-10 بيوت متجاورة حول فناء واحد، ويشمل عائلات من قومية “الهوي” المسلمة، وقِّلّة قليلة من عائلات قومية “الهان” غير المسلمة.
منزل الصِّبا هذا يقع فى منطقة مسلمة، ضمن مدينة تيانجين التي يسكنها المسلمون، وهي شهيرة في التاريخ وفي يوميات الصين منذ سنوات طويلة. تيانجين هي إحدى المدن الكبرى الخاضعة لإدارة الحكومة المركزية الصينية مباشرةً “في المركز”، وهي تبعد عن بكين عاصمة الصين نحو١٢٠ كيلومتر.
ولدت في العام 1966، أي في سنة بناء الصين وتصليب قدراتها، إذ كان آنذاك قد مر على تحرير بلادنا سنوات غير كثيرة. وفي تلك الأيام حين كنت أتقدم في كل مَنحى، فقد انطبعت صورة المدينة والمكان القديم في ذاكرتي، ولن تُمحى أبداً ما حييت. وفجأة، وعندما بلغت 14 من عمري، حدث في الوطن ما لم يحدث من قبل. فبين ليلة وضحاها أصابت المدينة وإقليمنا الفسيح فى نهاية السبعيات وبداية الثمانينات تغييرات جذرية، إذ أخذت حكومة الصين المركزية بتطبيق نهج وسياسة “الإصلاح بالداخل والانفتاح على الخارج”، بعد مدة طويلة من إغلاق أبواب البلاد، إثر التركيز بعد التحرير على الأساسيات، ومن ثم أحداث ومجريات “الثورة الثقافية الكبرى”، الغريبة والمعروفة عالمياً.
بعد سنوات قليلة من الأحداث التي بدأت في العاصمة بكين، عام 1978، بما حملته من بشائر، تناهى الى سمعنا أخبار الحركة الإصلاحية والانفتاحية، فكنا آنذاك بين مُصدّق ومشكّك، فأحببنا الاطلاع على الوضع، فانطلقنا من فورنا نتجوّل في الأماكن العامة صبيحة أحد الأيام، سوياً مع شيوخنا وكبارنا، وبدأنا المشوار من “حارتنا”. عندها فوجئنا وللمرة الثانية أيضاً بما ظهر أمام أعيننا من أسواق حرة، كان يُباع فيها ما “هب ودب” من المحاصيل الزراعية المتنوعة، التي لم أرها أبداً طول طفولتي. آنذاك شرعنا بجدال طويل مع البائعين لتخفيض أثمان السلع التي كنا نرغب بشرائها، ومنها البطاطس العادية والحلوة، والذرة، وأنواع متعددة من اللحوم والخضروات والثمار البحرية التي تسر الناظر، وتبعث على الفرح والبهجة والسرور والحبور في النفس.

أبو موسى وانغ مع زوجته وابنه

أمام المسجد المذكور في المقال

في البيت القازاقستاني في شينجيانغ

إفطار مع بعض الزملاء

إفطار عائلي

قبل دنو الحركة الإصلاحية كانت حياتنا صعبة، إذ كنّا نشتري كل ما نحتاج إليه بالكوبونات والتذاكر الخاصة، وبوزن وبكمية محددة، فقد كان هناك خيارات محدودة للشراء، ولم يكن من مجال للمفاضلة، في أوضاع شهدت بناء الدولة الصينية من العدم، بعد استعمار ياباني وانجليزي طويل، وإثر الحرب العالمية الثانية.
أثناء كل ذلك حدث لدينا “حادث” ثالث في ليلة نفس اليوم الذي وصلتنا فيه سياسة الاصلاح الجديدة. هذا الحدث كان إقامة صلاة الجماعة للمرة الاولى خارج المسجد التاريخي وعلى حصيرة من القش! إن المُتع التي أضفت مزيداً من السعادة علينا، هي عمر المسجد الذي “بلغ” في ذلك الوقت أكثر من ٣٥٠سنة، والذي كان حينها قيد عمليات إعادة الترميم والصيانة. آنذاك، كان الإخوة في الدين من المسلمين فى منطقتنا، مزهوّين ورافعي الرؤوس ويقفون صفاً واحداً، ومرتدين قبعات بيضاء، ومخلصين لله سبحانه وتعالى بتأديتهم إحدى العِبادات الخمس في باحة المسجد الخارجية علناً، وحامدين المولى وشاكرين قادة الدولة الشعبية على القرار الاستراتيجي الحكيم الذي هو “الإصلاح والانفتاح”، الذي أُقر مباشرة قُبيل دخولنا في شهر رمضان المبارك، الذي أكتب خلاله هذه الايام مقالتي عن تلك الحقبة.
آنذاك في سني طفولتي، قضيت مع عائلتي الشهر الأول من الشهر الفضيل قضاءً شرعياً إسلامياً بحتاً، وتعرّفت خلاله من أئّمتنا الكِرام على ما قاله عز وجل فى مُحكم كتابه الكريم: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ”. آنذاك تذكّرتُ أسعد لحظة في حياتي، لقد كان صوت أذان المغرب بعد إفطار فيه رحمة، وجُلّه مأكل ومَشرب شعبي لذيذ ومتنوّع أنعم الله به علينا. كنا وقتها جالسين في حارتنا، في ليلة ظلماء وهادئة، “ندردش” ونتسامر، ومستأنسين بعد يوم عمل مُتعِب وشاق، وإذ بصوتٍ صادحٍ يُنادي بأهازيج جميلة، فعرفنا بأنه (مسحراتى)، يتوسّل أن يَستيقظ أصحابنا من نومهم ليحضّروا طعامهم ويضعوه على طاولة الإفطار الجماعي، ليتناولو طعام السحور كجماعة متحابة في كل بيوتات فناء المنزل القديم. فها هم جيراننا من غير أقاربنا الذين اعتدنا توقيرهم بألقاب جميلة وذات معنى إنساني: فهذا عمّي محمد يقدم لنا الثريد الصيني، وتلك هي الخالة مريم التي أحضرت “السمبوسك” المحشو باللحم والكرّاث، وها هو الجِد الوقور الذي أتحفنا بـ”المعكرونة” بكفتة من لحم الضان، أما هذه، الأخت آمنة، فقد عرضت علينا طبختها وهي “الحساء البحري”، ففاضت مائدتنا بالأطعمة اللذيذة، وغدت وكأنها “بوفيه” كبيرة ومفتوحة للجميع.. للمسلمين وغير المسلمين من شعبنا الصيني المتآخي العظيم وفي رحابة صدر دولتنا وقادتها المخلصين لشعبهم.
أذكر وقتها مظاهر سعيدة لاحتفالنا بشهر رمضان المبارك، فقد شاركنا الاحتفال والفرحة إخوتنا من الصينيين غير المسلمين، وكان الأمر بمثابة لوحة جميلة وأخّاذة تعرض للشعب الصيني الواحد والموحَّد، فجيراننا القريبون وأصدقاؤنا البعيدون شاركونا الفرح برمضان، واجتمعوا تحت سقف واحد، بدون أيّة موانع وحواجز، وتبادلوا معنا أطراف الحديث عن كل شيء، ابتداءً من شؤون وشجون الحياة والدين، إلى العلوم والجغرافيا، ورؤى في المستقبل الوطني.
لقد كان رمضان أنذاك مَظهراً إنسانياً ووطنياً، طافحاً بالجود والكرم والغفران، ومع مرور الأيام هُدمت معظم العَمائر السكنية الكلاسكية التي سكنتها أنا وعائلتي، وأقام فيها أجدادي وأجداد أجدادي ردحاً طويلا من الزمن. بعد تلك البيوتات تم تعمير أخرى جديدة أهدتها الدولة الاشتراكية لهم، فانتقل الناس إلى عمارات فاخرة وشاهقة، ليتمتعوا بمباهج الحياة وسهولة المعيشة ولتتوافر السعادة لديهم في أجواء فُضلى، لكن “غرق” الناس في السعادة والرّخاء لا يمكن أن يقف عثرة مانعة للذكريات.. ذكريات ذاك الفناء الذى جمعنا وعشنا فيه نحن الصينيون من كل منبت وقومية أُسرةً واحدةً ومتحابة ومتناغمة ومنسجمة، وخالية من الأنانية والواحدية، ومؤصّلةً الجماعية في حياتنا المشتركة بدلاً عن الفردية، حيث لا كبير ولا صغير، فالجميع في المجتمع سواسية كأسنان المشط.. فيا ليتني أنا في رمضان “الفِناء”..
ـ أبو موسى وانج هونجوا : يتقن العربية وعضو ناشط ورئيس ديوان الشؤون والمتابعات الاسلامية في الصين في الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء الصين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.