موقع متخصص بالشؤون الصينية

طُرق العَالم تَقود إلى دونهوَانغ.. (العدد 85)

0

نشرة الصين بعيون عربية ـ الأكاديمي مروان سوداح*

 

كانت مشاركتي أُولى في الدورة الرابعة لمنتدى “التعاون الإعلامي على طول الحزام والطريق 2017″، والذي عُقد تحت شعار “مَصير مُشترك وآفاق جديدة للتعاون”، يوم التاسع عشر من أيلول/ سبتمبر الحالي، في مدينة دونهوانغ، بمقاطعة قانسو، واستمر عدة أيام، إضافة نوعية لعلاقاتي القديمة جداً مع الصين، والتي تمتد لنحو خمسين سنة. زرتُ الصين عشرات المرات، وقد أكون المواطن الأردني الوحيد الذي زار تلك البلاد الحليفة أكثر من زياراته لقرى الأردن ومُدنه، فقد كنتُ نَسجتُ هذه العلاقات مع المؤسسات الصينية، وبخاصة القسم العربي لإذاعة الصين الدولية (CRI)، بحدبٍ ومساندة ومساعدة وتشجيع من لدنِ والدي المرحوم موسى سوداح (المُحب للصين وجَامع الكتب عنها)، ويبدو اليوم كم كانت خطواتي الأولى، خطوات الألف ميل الاولى مع الصين، مهمة ونافعة وذات مستقبل واعد على مختلف الصُعد، ضمن سياقات الدبلوماسية الشعبية، إذ كنت طرقتُ بابها قبل تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا، وفي هذا بالذات، فقد سبقتُ شخصياً في لجّتها و”مَعمَعانِها” كل التبادلات الأردنية مع تلك الدولة العظيمة حضارياً وثقافياً وتاريخاً وشعباً.
لكن زيارتي الحالية إلى دونهوانغ (في الغرب الصيني) لها نكهة خاصة، ذلك أنها زيارتي الأُولى إليها، رغبةً مني بمعرفتها، ولكونها كانت مُنطلقاً لطريق الحرير الصيني القديم نحو العالم العربي وغير العربي. وقد شدّني إلى المنتدى الدعوة ذاتها ورغبتي بمعرفة المزيد عن تطلعات الصين نحو تجذير مبادرة الأمين العام والرئيس (شي جينبينغ) الحزام والطريق من خلال ربط مخططات الحاضر بالماضي العريق وسُبله، ورغبتي بتقدير و(توزين) فعالية وأبعاد المُشاركات الضخمة العالمية في هذا الجَمع الكبير، الذي يَعكس أهمية المُبادرة الصينية وانتشارها الأُممي وردود الأفعال العالمية عليها، والتي تعوّل عليها كل من الصين وتلك الدول التي شاركت على الأخص بوفود رفيعة المستوى، وهادفةٍ الى توثيق العلاقات الثنائية مع الصين، سيّما تلكم العواصم التي ترتبط بعلاقات استراتيجية وصداقة متميزة وحسن جوار وتنسيق فاعل مع بيجين، يؤهل إلى نجاح المسيرة الأولى للمبادرة الصينية في أسيا، كما وإسنادها في الـ (هارد لاند) الآسيوية، وعبر مَمرات تنضح بالحروب والنزاعات والتدخّلات الغربية ومؤامرات الجهات المُتذيّلة لها في هذه القارة القديمة، التي تتكالب عليها قوىً تنتج شراً، وتهدف إلى محاصرة الصين والمُبادرة نفسها، وتوريط الصين بمواجهات مع دول في شرق القارة ووسطها، فمنع دولة هان – كما يُخطِّطون في الأقبية الإمبريالية – من الوصول إلى أوروبا وأفريقيا والعالم القديم برمته، وحَصرها وحِصارها في البر الآسيوي، و.. “تكريسِها” دولة برية “مخنوقة” لا بحرية.
عُقد هذا المنتدى العالمي في دونهوانغ بنجاح، برعاية كريمة وراقية من جانب صحيفة “الشعب” اليومية الصينية العريقة، التي تنطق منذ تأسيسها بلسان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني الباني، ومن طرف حكومة قانسو الموقرة. وفي الحقيقة، هالني هذا العمل الجبار فــي دونهــوانغ، أولاً لجهة إدارة المنــتــدى بشــكــل دقــيـق؛

وثانياً للترتيبات التي تتصل به إعلامياً وبشرياً وتقنياً ولوجستياً، وإن كان قد تخلله قَدر يَسير من التضارب أو لنقل التداخل، لكن هذا الأمر لم يؤثر على سير الفعاليات المؤتمرية الرئيسية وأجندة المؤتمر؛ وثالثاً للتواجد الروسي والدولي والآسيوي الفاعل فيه؛ ورابعاً جعل المؤتمر جسراً لتواصل الصين حتى مع تلك الأنظمة الدولتية التي تعادي بيجين علناً أو كتماناً؛ وخامساً وليس آخراً إرسال رسالة صينية ناجحة إلى كل العالم وإلى مختلف جهاته مفادها أن في الصين حَصراً تعقد المؤتمرات الدولية المتتالية لجمع أصحاب مختلف العقول والعواطف والحِكمة للتركيز على المشتركات والجوامع فقط، وبأن هذه كلها وغيرها ترسّخ مَقولة: “طُرق العالم كانت وهي اليوم كذلك تؤدي الى دونهوانغ”.
وللدلالة على اتّساع فكرة المُنتدى الشاملة للعالم وتناغمها مع تطلعاته، وعِظم المنتدى نفسه وروحه الإنسانية الوثّابة وأبعاده الحضارية والثقافية والفكرية وليس التجارية أو الاستثمارية فحسب، أكرر الإشارة إلى أن منتدى “التعاون الإعلامي على طول الحزام والطريق – 2017” رفع شعاراً جاذباً هو: “مصير مشترك وآفاق جديدة للتعاون”، وذلك منذ أولى سويعات افتتاحه، ليكون مُلكاً للجميع، دون حصرٍ أو تقنين.. فجميع المتحدثين أعربوا عن آرائهم وأدلوا بأفكارهم عن المنتدى وأهدافه، وكذا اتصالاً بعلاقات دولهم مع الصين وتقييماتهم لمُبادرة الحزام والطريق الجديدة..
وفي اتجاه إنجاح المؤتمر بأهدافه ودوراته المستقبلية، أقرّ المؤتمرون عدة قرارات أورد منها: إصدار الكتاب الأزرق حول التعاون الإعلامي على طول الحزام والطريق/ وتأسيس مركز الدراسات الدولية كجزء من صحيفة الشعب اليومية/ وتشغيل مركز التعاون الإخباري لصحيفة الشعب اليومية/ وإجراء التغطيات المشتركة عبر الحدود على طول الحزام والطريق/ وتأسيس اتحاد إقليمي للتعاون على طول الحزام والطريق/ و بناء مركز ثقافي على طول الحزام والطريق/ ونشر سلسلة من الكتب بعنوان: “تقرير إنجازات البناء على طول الحزام والطريق- طريق الحرير”.. بنسختين صينية وإنجليزية.. (وهنا أدعو الصين إلى نشر هذه الكتب باللغة العربية أيضاً، لما لهذا الأمر من أهمية استراتيجية للطرفين العربي والصيني).
وفي الاقتراحات الأخرى، وأخذاً بعين الاعتبار والتقدير المشاركة الواسعة في المنتدى لنحو 126 منظمة وطنية ودولية، و265 ممثلاً لوسائل إعلام محلية وأجنبية، أرى أنه من الأنسب والأحصف أن تكون هناك توزيعات أكثر عدالة وشمولية في عضوية المُمَثلين الأجانب في الهيئة الإدارية لمركز الدراسات الدولية لصحيفة الشعب الصينية، بحيث يتم التعامل مع مختلف الآراء التي تعكس بالضرورة الأفكار المنطلقة من أقاليم مختلفة، وأن لا تقتصر الافكار المطروحة في تلك الهيئة على بعض الأقاليم، أو أقاليم مُحددّة، سيّما وأن المبادرة الحريرية الصينية الجديدة، تهدف الى السير في الأقاليم كافةً وعبرها، والتعامل مع شعوبها كلها، والاستماع إلى تمنياتها ورؤاها، فقوافل المُبادرة لن تسير في أقاليم محدَّدة، ولن يكون تأثيرها مقتصراً على هذه دون تلك، ولن تتكوّن هناك طُرقٌ ما مُختارة لجهات ما، أو تفضيل بعضها على آخر.
إن عدم وجود مُمَثِّلين – بشكل متوازن – من مختلف الأقاليم في تلك الهيئة، قد ينعكس سلباً على المبادرة الصينية نفسها أو على العلاقة الأجنبية مع الإعلام الصيني ونحن لا نتمنى ذلك أبداً، لكن الأخطر هو أن تتأتى سلبيات من لدن الشعوب التي تسلكها المُبادرة، حين لا يوجد مَن يُمثلها في إدارة مركز الدراسات الموقر آنف الذكر، والذي من المُحبّذ أن يَبرز ويَشتهر على أنه تماماً على شاكلة المُبادرة الحِزامية والحَريرية نفسها: جامعٌ للكل وجدانياً ومادياً وروحياً ومعنوياً وإعلامياً، و.. فكراً و.. تشاركياً.
وفي هذا المجال، لا بد من الاستشهاد هنا تأكيداً على صحة طروحاتنا، بتصربحات (يانغ تشن وو)، رئيس صحيفة الشعب الصينية، الذي نوّه إلى إن مبادرة الحزام والطريق تُعد فرصة كبيرة للدول الواقعة على الطريق الحرير لتحقيق التعاون المشترك والمنفعة المتبادلة ودفع التنمية العالمية، والى تفعيل الحُلم إلى واقع، مما سيؤدي إلى جني ثمار وافرة، لذا فقد دعا (وو) إلى: “العمل سويًا وتعمق تعاوننا من أجل مستقبل أفضل”.

*رئيس الإتحاد الدولي للصَّحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء الصّين.
*المَقال خاص بالنشرة الاسبوعية لموقع الصين بعيون عربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.