آخر الأخبار
  • أهلا بكم معنا في الشكل الجديد لموقع الصين بعيون عربية.. ونعدكم بالمزيد

  • موقع الصين بعيون عربية معكم منذ أكثر من ثماني سنوات

  • ترقبوا الانطلاقة الجديدة والخدمات الجديدة

  • معاً لعلاقات صينية عربية أقوى وأكثر فعالية وتأثيراً

  • www.chinanarabic.org

دور وسائل الإعلام الخاصة في تعزيز التواصل اللغوي بين العرب والصين

موقع الصين بعيون عربية ـ
محمود ريا:

 

ورقة بعنوان: “دور وسائل الإعلام الخاصة في تعزيز التواصل اللغوي بين العرب والصين” قدّمها الكاتب في إحدى حلقات المنتدى الدولي للترجمة والتبادلات الثقافية والإنسانية بين الصين والعالم العربي الذي انعقد في مركز اللغات والترجمة التابع للجامعة اللبنانية قرب بيروت يومي 25 و26 تشرين الأول/ أكتوبر 2017

 

+مقدمة:
تقوم الترجمة بدور أساسي في نقل الأفكار والمعلومات بين اللغات، وبالتالي بين الشعوب والأمم، لذا فهي تُعتبر جسراً للكلمة، تنقلها من رأس إلى رأس، ومن بيئة إلى بيئة، فتكون محل ترحيب، لأنها تأتي مفهومة، معروفة، واضحة المعنى.
والترجمة فعل قديم قِدَم اختلاف اللغات، وتعدد الأجناس والشعوب والأعراق، كانت حاجةً للبشر منذ البدايات البشرية، وستبقى كذلك طالما بقي هناك هذا العدد من اللغات على كوكبنا، وربما زادت الحاجة مع توسع آفاق البشر وانتقالهم من حالٍ إلى حال.
وكان نقل الأفكار وما يزال فتحاً للأبواب وتوسيعاً للآفاق وتعريفاً على حقائق جديدة، بما ينقل تجربة شخص إلى آخرين، وأمة إلى أمم أخرى، وجيل إلى مختلف الأجيال.
وقد لعبت الترجمة أدواراً أساسية في بناء النهضة الحضارية للبشرية، ولطالما كانت الطريق الذي حوّل الإنجازات المعرفية في بعض الأمم إلى تراكمات حضارية لدى أمم أخرى، فكان عالمنا يكبر معرفةً وفهماً وفكراً، كلما كبرت عملية الترجمة من أمة إلى أخرى ومن لغة إلى لغة أو إلى لغات في مختلف انحاء الأرض.
وأمتنا العربية لها تاريخها المشهود في عملية النقل والترجمة، فهي التي نقلت حضارة الإغريق وغيرهم من أمم النور الأولى في شرق أوروبا إلى بغداد التي تحوّلت إلى بيت الحكمة ومركز الفكر ومنتدى العلوم، ومن ثم نقلت هذه المعارف الرفيعة والعلوم المتطورة إلى غرب أوروبا وكل ما تبقى من العالم عبر الأندلس والمراكز العلمية الزاهرة التي انتشرت فيها.
من أجل ذلك يمكننا أن نقول إننا كعرب نعلم تماماً ما هي أهمية الترجمة، ونفهم الدور الذي تلعبه في النهضة الثقافية والعلمية والحضارية للبشرية.
وفيما نقف في موازاة أمة عريقة، ضاربة الجذور في التاريخ، لها مسارها الحضاري المتواصل منذ آلاف السنين، كالأمة الصينية، فإننا كعرب نصبح أكثر ظمأ للارتواء من معين ما تختزنه هذه الأمة العظيمة من ذخائر وكنوز أدبية وعلمية ومعرفية، من خلال تعريب أكبر قدر ممكن من المخزون الفكري الذي أبدعته هذه الأمة على مدى العصور. كما أن طموحنا هو لتعريف تلك الأمة بنصيب مما حبانا الله به ومما أبدعته عقول مفكرينا وعلمائنا وأدبائنا من علم وفكر ومعرفة وأدب.
لقد كانت العلاقة بين الأمتين العربية والصينية منذ ما قبل الإسلام قائمة، وتعززت بشكل كبير بعد البعثة النبوية. إلا أن هذه العلاقات لم تصل إلى مستوى الطموح الموجود لدى العقلاء والمدركين لأهمية التمازج الفكري بين الأمم الحية في العالم، وكلما سرنا في الحياة قدماً، تبدو المسافة ـ للأسف ـ أكثر بعداً، ليس لقلّة ما يُترجم ـ وهو على كثرته قليل ـ ولكن لكثرة ما يجب تعريبه وترجمته، ولحجم المعارف التي يمكن أن يُستفاد منها من خلال عملية التعريب والترجمة بين اللغتين العربية والصينية.
وللصراحة، فاللغتان صعبتان، لأسباب أو لأخرى، وتعلّم كل لغة على المتكلّمين باللغة الثانية أمر صعب مستصعب، وقد حاولت كعربي ان أطرق أبواب اللغة الصينية فأفلحت قليلاً وأخفقت كثيراً، وأترك لمن نجحوا في اختراق هذا الحاجز تقييم مستوى العناء الذي يلحق بالراغب المجدّ في فك رموز هذه اللغة أو تلك.
إلا أن هذه الصعوبة لا ينبغي أن تشكل عقبة أمام حمل البعض من الروّاد والطليعيين المشعل والانطلاق إلى الأمام وإنارة الطريق أمام جيل جديد، وفتح السبيل أمامه للتخصص في عملية نقل المعرفة بين اللغتين والأمتين.
وإذا كانت عملية التعريب والترجمة بين اللغتين العربية والصينية في الماضي صعبة ومكلفة وتقترب من المستحيل، فإن التطور التقني وسهولة التنقل والإرادة الجماعية تلعب أدواراً كبيرة في تسهيل هذه العملية وفي جعلها عملية متدفقة منظمة مستمرة متصاعدة وغير خاضعة لمزاجية أو متوقفة عند همّة شخص أو لمدى تحمّل مجموعة، أيّا كانت.
وما نشهده اليوم من مؤتمرات ومنتديات حول الترجمة والتعريب أمر يجعلنا متفائلين بأن المستقبل سيكون مثمراً وأن النتائج ستكون أفضل، ولا سيما مع تبني القيادة الصينية لنهج انفتاحي واضح تجاه الدول العربية، يقابله إدراك متزايد لدى الدول العربية بأهمية التواصل مع الصين في مختلف المجالات، وللدور الذي تلعبه عملية الترجمة والتعريب في تعزيز هذا التواصل وتنمية أواصر العلاقة الناشئة والناهضة بقوة بين الأمتين.

وسائل الإعلام والتواصل العربي الصيني.
تلعب وسائل الإعلام دوراً كبيراً في تحقيق التواصل بين العرب والصينيين، وهي وسيلة أساسية من وسائل خلق التمازج والترابط بين الأمتين، لا بل ربما تكون هي أهم النوافذ المفتوحة لتعريف الشعوب العربية والصينية ببعضها، سواء على مستوى الثقافة والأدب، أو على صعيد الأحداث الواقعة والتطورات الجارية.
ومع مرور عقود من الزمن على قيام جمهورية الصين الشعبية، فإن وسائل الإعلام الصينية أخذت تعطي العالم العربي اهتماماً زائداً عاماً بعد عام، حيث نجد العديد من وسائل الإعلام الصينية التي أسست أقساماً عربية، تعرض من خلالها وجهة نظر الصين إزاء الأحداث العالمية، وتنقل أخبار الصين بالرؤية الصينية، بحيث لا يبقى القارئ العربي أسيراً لوسائل الإعلام الغربية كمصدر لاستقاء المعلومات عمّا يجري في الصين من أحداث.
ولعل هذه هي النقطة الرئيسية التي يجب الوقوف عندها بشكل أساسي، وهي المتعلقة بدور وسائل الإعلام في “الإعلام” و”الترويج” وفي خلق التفاهم المتبادل بين الأمتين العربية والصينية.
+ وسائل الإعلام الصينية:
يوجد في الصين الآلاف من الوسائل الإعلامية المختلفة، وهي تتنوع بين وسائل إعلامية مكتوبة ومسموعة ومرئية، وزاد عليها في العقدين الأخيرين وسائل الإعلام الإلكترونية التي انتشرت بشكل كبير وباتت تشكل الطريقة الأكثر رواجاً لتلقي المعلومات والتفاعل مع الأحداث.
والمميز في وسائل الصينية أنها جميعها تدخل في إطار خطة كبرى موضوعة من الدولة. فالأغلب الأعم من وسائل الإعلام هي تابعة للحكومة، أو لمؤسسات رسمية كالحزب الشيوعي الصيني والمنظمات والجمعيات التابعة للحكومة أو التي تسير في ركابها. أما وسائل الإعلام المستقلة فهي ليست معروفة بشكل كبير، وما هو موجود منها لا يعمل خارج إطار الخطة الإعلامية الحكومية.
من هنا يصبح التعرف على وسائل الإعلام الحكومية أمر ضروري، لمعرفة الدور الذي تلعبه هذه الوسائل في تعزيز العلاقات بين العالم العربي والصين.
الوسائل الإعلامية الأبرز التي تعمل على خط العلاقات الصينية العربية هي تلك التي تملك أقساماً عربية، ويمكن عرضها على الشكل التالي:
ـ وكالة أنباء الصين الجديدة شينخوا وهي وكالة الأنباء الرسمية في الصين، ولديها قسم عربي مهم ومتطور ويتم تحديثه بشكل لحظوي ودائم، وهو يقدّم الأخبار والتحليلات والتعليقات والتحقيقات المتعلقة بقضايا الصين وبعلاقاتها مع العرب والعالم، وكذلك ما يتعلق بقضايا العالم العربي والقضايا العالمية الأخرى.
ـ صحيفة الشعب الصينية وقسمها العربي يعمل من خلال موقع الصحيفة على شبكة الإنترنت، وهو مهم وفعال ويقدم تغطية شاملة للأحداث في الصين وللعلاقات العربية الصينية، وهو يعيد نشر بعض ما تقدمه وكالة شينخوا كما يقدم العديد من المواد الخاصة بالصحيفة.
ـ إذاعة الصين الدولية وهي الإذاعة الرسمية التي تقدّم الصين إلى الخارج، وهي تبث باللغة العربية منذ عقود، ولها مستمعيها في أنحاء العالم العربي، وتقدم العديد من البرامج الإخبارية والمنوّعة، وتتواصل مع مستمعيها في العالم العربي بشكل دائم من خلال بث رسائل والاستجابة على طلباتهم. ويقوم موقع الإذاعة على شبكة الإنترنت بدور مهم في إيصال بث الإذاعة إلى المستمعين، وفي خلق عملية تواصل فعالة بين طاقم العاملين وبين متابعهم في أنحاء العالم العربي. وتقدم الإذاعة دروساً يومية في تعليم اللغة الصينية للمستمعين العرب.
ـ قناة الصين الدولية ـ القسم العربي، وهي القناة التلفزيونية الرسمية الصينية الناطقة باللغة العربية، وهي تلعب دوراً كبيراً في إيصال صورة الصين إلى العالم العربي، وتقدم برامج إخبارية ومنوعة عديدة، كما تقدم برامج لتعليم اللغة الصينية. وتحاول القناة حجز مساحة لها في الخارطة الإعلامية العربية، إلى جنب زميلاتها من القنوات الأجنبية الموجهة إلى العرب.
ـ شبكة الصين: وهي القسم العربي من شبكة إعلامية صينية تقدم الصين إلى العالم.
ـ مجلة الصين اليوم: وهي محلة مطبوعة بعدة لغات منها اللغة العربية، وتقدم صورة مشرقة للصين في عالمنا اعربي، من خلال التحقيقات المصوّرة والمسابقات المتعددة والمواضيع المنوّعة التي تقدّمها. وبالرغم من أهمية هذه المجلة إلا أن انتشارها في العالم العربي ليس بمستوى أهميتها. ويلعب موقع المجلة على الإنترنت دوراً مهماً في تعويض هذا الضعف في الانتشار.
إضافة إلى هذه المواقع الإعلامية، هناك بعض المواقع الأخرى التابعة لمؤسسات رسمية كوزارة الخارجية الصينية ومنتدى التعاون العربي الصيني، وهي تلعب دوراً مهماً في تحقيق التواصل الإعلامي بين العرب والصين.
تقوم وسائل الإعلام الصينية الناطقة باللغة العربية بخلق مساحة واسعة للتواصل والتعارف والانفتاح بين الأمتين، وهي سائرة على هذا النهج منذ سنوات تأسيسها الأولى، وتحاول القيام بدور كبير في سبيل خلق علاقة حقيقية وملموسة بين المواطن الصيني والمواطن العربي، يعرف من خلالها كل واحد من هذين المواطنين كيف يفكر الآخر وما هي اهتماماته وما الذي يسعى إليه من خلال العلاقات القائمة بين الأمتين.
والأهم أن هذه الوسائل الإعلامية تقدم مساحة للتبادل اللغوي بين الطرفين، من خلال فتح اقسام خاصة فيها لتعليم اللغة الصينية للعرب، وتعريب بعض المواضيع المهمة عن الصين، والتعريف بالأدب الصيني وبتاريخ الصين، لا بل إن هناك مواقع متخصصة تقوم بتعريب وثائق كاملة عن اللغة الصينية، بما يجعلها مرجعاً أساسياً للتعاطي مع الصين وفهمها وإدراك طريقة التفكير في المؤسسات الحاكمة فيها، كموقع “الصين النظرية” http://ab.theorychina.org/ مثلاً.

+ وسائل الإعلام العربية:
إذا كانت وسائل الإعلام الصينية تعمل في إطار خطة موحدة، ولديها مهمات محددة تقوم بها، فإن وسائل الإعلام العربية على العكس من ذلك، هي وسائل إعلام متعددة الانتماءات، كما هي متعددة الولاءات، ومنها ما هو رسمي جامد، أو يتبع لجهات حكومية تقرر السياسات وتضع التوجهات، ومنها ما يمتلك مساحة من الحرية تتسع أو تضيق بحسب وضع كل بلد من البلاد الاثنين والعشرين المنتمية إلى جامعة الدول العربية.
تلوذ وسائل الإعلام الرسمية في الدول العربية، وعلى رأسها وكالات الأنباء الرسمية وبعض الصحف بالتغطية الحرفية للأحداث في الصين من وجهة النظر الرسمية، حيث تقوم بنقل الأخبار عن وسائل الإعلام الصينية، أو من خلال مراسليها الذين ينقلون في الغالب وجهة النظر الرسمية الصينية. وفي وسائل الإعلام العربية الرسمية لم يظهر أي وسيلة تقدم أخباراً باللغة الصينية، تنقل من خلالها أخبار هذه الدولة العربية أو تلك إلى المهتمين الصينيين، سواء في وسائل الإعلام أو في المؤسسات الأكاديمية أو في الشارع، إلا وسيلة واحدة، هي وكالة الأنباء الرسمية في دولة عربية، وقد ألغت الوكالة هذه الخدمة في الفترة الأخيرة، ربما بسبب الظروف الخاصة التي تمر بها تلك الدولة.
ويظهر في عمل وسائل الإعلام الرسمية، وحتى في وسائل الإعلام المدارة من جهات حكومية، كالصحف والمجلات والإذاعات والقنوات التلفزيونية، التحفظ في التعاطي مع قضايا الصين، والحرص على عدم تناول القضايا الحساسة التي لا ترغب الصين في عرضها.
ومن الممكن القول إن وسائل الإعلام هذه لا تعمل على تقريب العلاقة بين الناس العاديين في العالمين العربي والصيني، لأنها مهتمة بشكل أساسي بتغطية النشاطات الرسمية وعرض الاتفاقيات الموقعة والمشاريع المنجزة أو التي هي على طريق الإنجاز، دون أن تدخل ـ في الأغلب الأعم ـ إلى نسيج الحياة العادية لنقل صور نابضة وحيّة عن واقع المجتمع الصيني.
بالانتقال إلى وسائل الإعلام الخاصة، والمنتشرة بشكل كبير في العالم العربي، يمكن ملاحظة وجود تفاوت كبير في طريقة التعاطي مع الصين، وذلك بحسب ميول القائمين على وسائل الإعلام هذه، والدوافع التي تحركهم.
بشكل عام يمكن القول إن وسائل الإعلام العربية الخاصة تعتمد في أخبارها عن الصين على وكالات الأنباء الأجنبية، وتنشر ما توزعه هذه الوكالات ومعها المواقع الإخبارية الأجنبية دون تدقيق أو محاولة لنقل الصورة من جانب آخر، وهذه ثغرة خطيرة في عملية التواصل الطبيعية بين الجانبين العربي والصيني. فوسائل الإعلام الغربية تقدم بشكل عام صورة غير منصفة عن الأوضاع في الصين، وهي بمعظمها تعمل ضمن أجندات لا ترغب في نقل الصورة الحقيقية لما يحصل في الصين، وإنما تعمل على تشويه الكثير من الأحداث والتطورات، وتحاول تسخيف الإنجازات التي تحققها الصين من جهة، والتهويل بخطر الصين على العالم من جهة أخرى. ولذلك نلاحظ آثار هذه النمطية في التغطية في الكثير من وسائل الإعلام العربية الخاصة.
ويعود هذا الانحراف لدى وسائل الإعلام العربية في التعاطي مع قضايا الصين برأيي لعدة أسباب:
= سطحية عدد كبير من المحررين العاملين في الأقسام الدولية في وسائل الإعلام العربية، واستسهالهم نسخ الأخبار ولصقها، دون بذل أي جهد إضافي في التحقق من مصداقية الخبر.
= انبهار العديد من المحررين وأصحاب وسائل الإعلام العربية بالنموذج الغربي وتوهم المصداقية الكاملة لكل ما يصدر عن الغرب من معلومات وأخبار وتحليلات، ما يجعل هذه المواد خارج إطار التقييم والبحث عن الصحة.
= ضعف التواصل الصيني مع أصحاب وسائل الإعلام ومع المحررين البارزين فيها لإرشادهم إلى كيفية الحصول على الخبر الصحيح وعلى مصادر الحصول على الأخبار، بما يجعل هؤلاء لقمة سائغة للأعلام الغربي الذي يزودهم بدفق معلوماتي هائل، لا يستطيع المحرر التمييز فيه بين الغثّ والسمين.
ولا بد هنا من ذكر مسألة مهمة، وهي تعاطي بعض وسائل الإعلام العربية الخاصة مع ما يحصل في الصين من زاوية إيديولوجية، حيث نجد العديد من وسائل الإعلام، ومنها وسائل إعلامية بارزة وأساسية على مستوى العالم العربي، التي تعادي الصين من منطلق دعوى تضييق القيادة الصينية على المسلمين في الصين، لذلك نجد أن وسائل الإعلام هذه تتلقف أي خبر له علاقة بهذا الموضوع وتروّجه بشكل كبير، ثم تبني عليه تحليلات ومقالات تقوم على أساس أن الصين تضطهد المسلمين وتمنعهم حقهم في تقرير المصير.
وسائل الإعلام هذه لديها أزمة تاريخية مع الصين، وبالرغم من أن هذه الوسائل تجاري الصين عند الحديث عن الاقتصاد وبعض السياسة، إلا أنها بالمقابل عامرة بالمواد الإعلامية المسيئة إلى الصين، عندما يكون الحديث عن حقوق الإنسان أو حقوق الأقليات أو حرية الصحافة أو ما شاكل. وهي ذلك تكون وسيلة تكميلية للهجمة الإعلامية الغربية على الصين، وتستخدم الأدوات الإعلامية نفسها التي تستخدمها وسائل الإعلام الغربية، ولكن بصبغة إسلامية، ويقع العديد من وسائل الإعلام العادية في فخ هذه الحملات، فتصبح بدورها بوقاً لما يريد الغرب ترويجه عن الصين دون أن تدري.
ولا تقوم وسائل الإعلام العربية الرسمية والخاصة حالياً بأي دور فعلي لتحقيق التواصل اللغوي بين العرب والصين. يمكن التوقف هنا عند بث بعض القنوات العربية لمسلسلات صينية، مع تعريب أسفل الشاشة أو دبلجة. وإذا كان هذا يؤدي إلى كسر الحاجز الحضاري بين الجانبين، إلا أنه لا يحقق عملية تواصل لغوي حقيقية يمكن الاعتماد عليها.

+ التعاون الإعلامي العربي الصيني:
شهدت السنوات الماضية قيام العديد من منصات التعاون الإعلامي بين الصين والعرب، سواء بشكل جماعي، أو مع كل دولة على حدة.
ولعلّ أهم هذه المنصات تلك التي قامت إثر إنشاء منتدى التعاون العربي الصين، حيث كان التعاون في مجال الإعلام واحداً من أهم مجالات التعاون المستهدفة بين الجانبين.
وقد عقدت أول ندوة حول التعاون الإعلامي بين الصين والدول العربية في عام 2008، ومن ثم باتت هذه الندوات تأخذ طابع الدورية، حيث عقد العديد منها على مدى السنوات الماضية.
وقد جاء في البيان الصادر عن الندوة الأولى: “أعرب الجانبان عن رضاهما لانعقاد الندوة ونتائجها، واتفقا على أن ندوة التعاون العربي الصيني في مجال الإعلام منبر هام لتعزيز الثقة المتبادلة، وحل الخلافات، وتعزيز الصداقة، وإضافة إيجابية لمحتويات العلاقات العربية الصينية، ومد جسر جديد للتعاون العربي الصيني في مجال الإعلام”.
و”اتفق الجانبان على إنشاء آلية ندوة التعاون العربي الصيني في مجال الإعلام تعقد كل سنتين بمشاركة مسؤولين من القطاعات المسؤولة عن الشؤون الإعلامية والمؤسسات الإعلامية ووسائل الإعلام الرئيسية من الدول العربية والصين، وإنشاء آلية التواصل بين الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني لتقييم مدى التقدم في التعاون بين الجانبين والإعداد للدورات القادمة لندوة التعاون العربي الصيني في مجال الإعلام وغيره من مشروعات التعاون المختلفة”.
إلى جانب هذه الآلية الجماعية للتعاون التي جمعت الدول العربية مع الصين، عقدت الدولة الصينية مع العديد من الدول العربية اتفاقيات ثنائية في المجال الإعلامي، كما عقدت مؤسسات إعلامية صينية مع مؤسسات عربية رسمية وخاصة اتفاقيات تعاون إعلامي في مختلف مجالات الإعلام، سواء على صعيد تبادل الخبرات أو تبادل الأخبار أو غير ذلك.
وقد شهد المنتدى الإعلامي لمبادرة الحزام والطريق الذي عُقد على مدى السنوات الأربع الماضية في الصين توقيع الكثير من اتفاقيات التعاون على هامشه، ولا سيما في العام 2016، وكان لكل من مصر والسودان حصة الأسد من هذه الاتفاقيات، ولا سيما لمؤسسة الأهرام الكبرى التي تُعتبر في الصين بمثابة المنفذ الذي يدخل من خلاله الإعلام الصيني إلى العالم العربي.
هذه الاتفاقيات ساهمت بلا شك في خلق تواصل إعلامي مقبول بين الصين والدول العربية، ولكنها بالمقابل لم تكن بحجم التحدي، كما أن النتائج التي صدرت عنها لم تصل بعد إلى المتلقي العادي، ولا حتى إلى المتخصص، ولذلك لا يمكن اعتبارها ناجحة بالمطلق، وإن كانت قد هيأت الأرضية لتحقيق التواصل المطلوب.

 

+ توصيات:
من خلال المتابعة الحثيثة والدائمة للإعلام العربي في تعامله مع الصين، وللإعلام الصين الناطق بالعربية، على مدى أكثر من عشر سنوات، وبشكل يومي ودائم، أسمح لنفسي بعرض بعض التوصيات التي يمكن أن تلعب دوراً تعزيز التواصل بشكل عام بين الصين والعرب والتواصل اللغوي بشكل خاص، وتؤدي إلى فتح آفاق واسع للتعاون الإعلامي الفعلي والمباشر بين الطرفين.
ـ توصيات للإعلام الصيني الناطق بالعربية:
1ـ لا يكفي أن يكون هناك إنتاج للخبر والمعلومة، ولكن لا بد من وجود متلقٍّ لها. إن إرسال كمّ هائل من المعلومات عن الصين باللغة العربية أمر مطلوب وجيد، ولكن ينبغي بالمقابل تأمين من يستقبل هذه المعلومات في الجانب العربي. ومن أجل ذلك يجب القيام بدراسة دقيقة لحجم تأثير المعلومات المرسلة في العالم العربي ومدى تسويقها عند الناس العاديين ولدى وسائل الإعلام العربية للاعتماد عليها في صياغة الخبر الصيني وتقديمه للقارئ العربي، وفي تأمين تواصل معرفي وحضاري حقيقي، تكون الرابطة اللغوية جزءاً أساسياً منه.
2ـ أمر جيّد أن يتم توقيع اتفاقيات رسمية مع جهات حكومية ومؤسسات تابعة لها، وهذه أيضاً مسألة مطلوبة. ولكن لا بد من تخلي القيادة الصينية عن الحذر في التعامل مع وسائل الإعلام الخاصة والمستقلة. فهذه الوسائل أخذت حصة كبيرة من المتابعين في العالم العربي، وربما تكون هي الحصة الأكبر، والتخلي عن هؤلاء لا يصب أبداً في مصلحة الصين. ينبغي تفعيل الأجهزة الرسمية الصينية ولا سيما في السفارات من أجل التواصل مع الإعلاميين المحليين، وتأمين المعلومات لهم وإطلاعهم بشكل مباشر على ما يحصل في الصين، سواء عبر عقد ندوات وصالونات إعلامية بحضورهم أو عبر دعوتهم شخصياً لزيارة الصين والاطلاع على الأوضاع هناك. لأن هذه هي الوسيلة الأنجع لخلق احتكاك لهؤلاء الصحافيين مع الصين ودفعهم للحديث عنها بالشكل الأفضل. كما ينبغي تقديم تسهيلات لهؤلاء الإعلاميين كي يُقدموا على مغامرة تعلّم اللغة الصينية، ولو بالحدود الدنيا، وذلك من أجل كسر حاجز اللغة، ومعرفة كيفية تفكير الصينيين من خلال التعرف على أوليّات لغتهم.
3 ـ لا يكفي أن تعتمد الصين على صحافييها الماهرين باللغة العربية لتقديم الصين للعالم العربي. لا بد من قيام الصين بالاستفادة من خبرات الإعلاميين العرب في مؤسساتها الإعلامية، وذلك عبر دعوتهم للعمل في الصين، أو عبر إنشاء مكاتب إقليمية رئيسية في الدول العربية، يكون الاعتماد فيها على صحافيين عرب، يقدمون البرامج ويديرون الحوارات ويستقبلون الضيوف، لأنه بهذه الطريقة يمكن الدخول إلى الساحة الإعلامية العربية بالشكل الأفضل والأكثر فاعلية. كما يمكن من خلال الاحتكاك المباشر بين الصحافيين العرب والصينيين تحقيق تمازج لغوي وزيادة العارفين باللغة الصينية في العالم العربي.
4ـ ينبغي أن تعمل وسائل الإعلام الصينية على تحويل الصين إلى قضية فعلية وآنية في عالمنا العربي. ما يزال العرب ينظرون إلى الصين على أنها بعيدة جداً، في حين أن الصين باتت في كل بيت وحي ومدينة في عالمنا العربي. وهذا يكون عبر تفعيل الحضور الإعلامي، وعبر تأهيل مجموعة من الخبراء الذين يتحدثون عن الصين عن معرفة وإطلاع، ويدخلون الصين في كل موضوع لها علاقة فيه في عالمنا العربي وفي العالم. إن خلق الاهتمام بالصين لدى المتلقي العربي يوجّه هذا المتلقّي إلى الاهتمام بلغتها وبثقافتها وحضارتها، فضلاً عن سياستها واقتصادها، وهذا هو جوهر المطلوب.
5ـ يجب أن تزيد وسائل الإعلام الصينية الناطقة باللغة العربية من جرعة البرامج والأقسام التي تعلّم اللغة الصينية وتعرّف بها، واعتماد أحدث الأساليب المبتكرة لإيصال هذه اللغة إلى العرب. وكي تكون هذه البرامج والأقسام فعّالة ومؤثرة، ينبغي أن تكون وسائل الإعلام التي تنشرها وتبثها معروفة أيضاُ ومعتمدة من قبل المتلقين.
ـ توصيات للإعلام العربي:
1ـ ينبغي أن يلعب الإعلام العربي دوره في تحقيق التقارب بين العرب والصين. وهذا الأمر يتطلب بذل جهود كبيرة في التعرف على الصين عن قرب، ومن مصادرها هي، وليس الاعتماد على المصادر الغربية التي لا تريد للعرب والصينيين تحقيق أي تقارب.
ويكون لعب هذا الدور من خلال اعتماد مراسلين في الصين، وإفساح المجال أمامهم لتقديم صورة أكثر دقة عما يحصل في الصين، وذلك من خلال إعطائهم المساحة اللازمة للتعبير عن هذه المواضيع، سواء في الصحف أو الإذاعات أو التلفزيونات أو المواقع الإلكترونية.
ويكون هذا الأمر أيضاً من خلال الاهتمام بالقضايا التي تهم الصين، سواء القضايا الداخلية أو الخارجية. فمؤتمر هام وأساسي مثل المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني لم نجد له أي انعكاس كبير في الإعلام العربي، مع أن آثار هذا المؤتمر لا تقتصر على الصين وحدها، وإنما ستتوزع على العالم ككل، ومنه العالم العربي بالتأكيد.
2ـ العمل على تأسيس آلية تواصل بشكل حقيقي ومستدام (بعيداً عن الموسمية والمجاملة) مع وسائل الإعلام الصينية، ومع الأجهزة المختصة بالإعلام في الصين، سواء كانت لجنة الدعاية في الحزب الشيوعي الصيني أو مكتب الإعلام الحكومي في مجلس الدولة، وذلك من أجل تبادل الخبرات، والتعريف المتبادل بين الطرفين، بما ينزل العلاقات الإعلامية من المجال النظري القائم على مستوى الحكومات إلى المجال العملي المتمثل في التعارف الوثيق والتعاون الدائم بين المؤسسات العربية والصينية، وهذا سيؤدي إلى التعرف على الصين والتعريف بالعالم العربي بشكل أكثر حرارة وتأثيراً.
3 ـ إنشاء أقسام خاصة باللغة الصينية على المواقع الإلكترونية التابعة للمؤسسات الإعلامية العربية، بما يؤدي إلى نقل الصورة العربية إلى الصينيين بعيداً عن التشويه القائم في وسائل الإعلام الغربية. وتقوم هذه الأقسام بالتعريف بالدول العربية وإمكاناتها وخيراتها، بعيداً عن نقل الخلافات العربية إلى هذه المنصات، أو التدخل بشؤون الصين الداخلية، مما قد يؤدي إلى صعوبة الدخول إلى المجتمع الصيني، وقبل ذلك إلى الدولة الصينية المحصنة ضد الاختراقات الإعلامية الأجنبية، بعكس دولنا العربية للأسف.
ومن المناسب في هذا المجال الدخول إلى الإعلام الجديد الذي أسسته الصين لنفسها، وبناء مساحات على منصات الإعلام الصيني التي يستخدمها مئات الملايين من الصينيين، كـ “ويتشات” و”ويبو” وغيرها من المواقع الصينية. وقد شهدنا بعض التجارب العربية في هذا المجال، كقيام قناة الجزيرة بافتتاح مساحة لها على منصة ويبو الصينية، الأمر الذي يُعتبر خطوة متقدمة، ينبغي أن تتبعها خطوات أخرى في هذا المجال.
ويمكن في هذا المجال لعب دور في نقل اللغة العربية إلى الصينيين من خلال هذه المنافذ، لأنها ستساعد الكثير من المهتمين الصينيين باللغة العربية، وستدفع آخرين للاهتمام بهذه اللغة.
4ـ تحفيز الخبراء والمسؤولين الصينيين على الكتابة لوسائل الإعلام العربية. هناك الكثيرون من الخبراء الصينيين الذين يتقنون اللغة العربية، وبيننا الآن الكثيرون منهم، وينبغي الاستفادة من وجهات نظرهم إزاء الأحداث في المنطقة والعالم، لأنهم يعكسون بشكل عام وجهة النظر الصينية إزاء هذه الأحداث. والتعرف على وجهات النظر هذه أمر مهم وضروري إذا كنا نريد أن نتعرف على الصين وطريقة تفكيرها. كما يمكن توقيع اتفاقات مع وسائل الإعلام الصينية لإعادة نشر التحليلات والتعليقات التي تنشرها على مواقعها الإلكترونية، سواء تلك المنشورة بالعربية، أو في وسائل الإعلام الناطقة بالإنكليزية، أو حتى تلك الصادرة بالصينية.
ولي شخصياً في موقع الصين بعيون عربية تجربة طويلة في هذا المجال، حيث تمت ترجمة مئات المقالات من الصحف الصينية الصادرة بالإنكليزية ونشرها على مدى سنة في النشرة الأسبوعية، وهذه المقالات تشكل مادة معرفية مهمة يمكن الاستفادة منها لتحديد موقف الصين ـ بمختلف تلوّناته ـ من العديد من القضايا الداخلية والخارجية، ومنها قضايا المنطقة بالتأكيد.
وبالمقابل ينبغي ترجمة العديد من المواضيع المكتوبة باللغة العربية إلى اللغة الصينية، وبثّها عبر هذه المنصات، لأنها بذلك تعرّف الصينيين على وجهات النظر العربية من القضايا المطروحة، وتفتح مجالاً لفهم الثقافة والحضارة العربية بشكل أفضل.

+ خاتمة:
يمكن لوسائل الإعلام العربية لعب دور كبير في تعزيز التواصل مع الصين، وهو دور بدأنا نلحظ بعض مفرداته في الآونة الأخيرة. بالأمس قامت مؤسسة إعلامية لبنانية خاصة بإعداد عدة تقارير قصيرة حول مناسبة لبنانية في الصين، فأخذت هذه التقارير صدى جماهيرياً كبيراً، وكانت مميزة جداً في أدائها وفي تسويقها. نعطي هذا كمثال لنقول إن المجال مفتوح بشكل كبير لتحقيق تقدم في مجال تحقيق الترابط الإيجابي المثمر بين العرب والصين من خلال وسائل الإعلام، وما ينقصنا فقط هو الإيمان بأهمية هذا الدور، والعمل بجدية وعزم لتحقيقه، وهذا ما سيؤدي إلى خلق فرص حقيقية للعرب وللصينيين، فرص للتلاقي والتعاون والنفع المتبادل، على مختلف المستويات، السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية، وغيرها من المستويات.
فهل تقوم وسال الإعلام العربية الخاصة بهذه المهمة؟ هل تقتنع بأهمية هذا الدور؟ هل سنشهد نهضة إعلامية عربية باتجاه الشرق، لتنقل لنا من كنوزه، وتعرفنا على آفاقه، وتدفع أجيالنا للغرف من فرصه؟ وهل سنشهد بالمقابل فهماً صينياً أعمق لأهمية التواصل مع عالمنا العربي بكل أطيافه وبكل دوله وبكل مكوّناته، وليس فقط مع دولة واحدة مركزية، ومع مؤسسات حكومية، ومع شخصيات محددة دون الانفتاح على كل الشخصيات وفتح كل الآفاق أما الصين؟
الأمر يتطلب خطوة من هنا وخطوة من هناك، لا بل خطوات وخطوات، حتى نستطيع أن نقول إننا حققنا ما هو مقدّر لنا، وهو خلق نسيج متين من العلاقات بين أمتين من أعرق الأمم في الأرض: الصين العظمى بتاريخها الممتد ومستقبلها المشرق، والعرب الذين يقولون إنهم خير أمة أخرجت للناس.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *