مجزرة “نانجينغ” قضية إنسانية خالدة عبر العصور

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
محمد زريق*:

 

مُخطئ من يظن أنَّ القتل هو وسيلة فعَّالة للنصر أو لتحقيق الغايات والأهداف. إنَّ الحيوان يقتُل فريستهُ بسبب الجوع أولاً وفائض القوة ثانياً، فإذا شَبِعَ لما فكرَ بالقتل والافتراس.

كم احتقرُ نفسي بأنّي ولدتُ من فصيلة البشر، هذا الانسان الذي وهَبَهُ الله العقل وميَّزهُ عن باقي المخلوقات وسجدَت الملائكة له، هذا الانسان نفسه يمتلك روح الشر والضغينةَ والحقد اللامتناهي بسبب الجشع والطمع وحُب السيطرة. فَمِن خلال العقل والفكر قامَ الانسان بتطوير العلوم والتكنولوجيا وصولاً إلى تطوير الأسلحة الفتَّاكة.

لا يمكنني وأنا الانسان الذي يمتلك قلباً لا يُحد بمكان أو زمان أو دين أو عرق إلا أن أذرُفَ دمعةً وأنحني إجلالاً لأرواح شهداء مجزرة نانجينغ.

في الذكرى الثمانين لهذه المجزرة أقول: “ربما انتصرت اليابان بوحشيتها لثانية حينها ولكنها ستعيش باقي العمر مهزومة الضمير”، أما الضحية فقد وجَّهت رسالة إلى العالم مَفَادُها أنَّ الأمم الأخلاق فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا، وكل أمة تعبر عن أخلاقها ورؤيتها للحياة من خلال تعاملها مع الأمم الأخرى، وقد أحسنت الصين في تعاملها مع أمم العالم أجمع من خلال الأنموذج الأمثل الذي قدمته. وفي هذا الصدد يقول الفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران: “اجعلني يا الله فريسة الأسد قبل أن تجعل الأرنب فريستي”.

في صباح الثالث عشر من ديسمبر من العام 1937 دخلت القوات اليابانية مدينة نانجينغ ـ حاضرة الصين آنذاك ـ وهي تقع في شرقي البلاد؛ دخلت الآلة العسكرية اليابانية وشنَّت حملتها التي تُعد من أبشع المجازر التي شهدها تاريخ البشرية حيثُ قتلت وذبحت الأطفال والنساء والشيوخ والشباب ونكَّلت بالجثث، وتُشيرُ التقديرات إلى أن عدد الضحايا قد تخطى 300 ألف شخص صيني، ناهيكَ عن استخدام أبشع أساليب الإغتصاب الأمر الذي دفعَ بالبعض إلى إطلاق عبارة “اغتصاب نانجينغ” على تلك المجزرة التي امتدت إلى حوالي الشهر ونصف الشهر.

إنها جريمة بحق الإنسانية لا يمكن للقلب البشري إلا أن يتوقف عندها ويترحم على إنسانية ضائعة وأمم تائهة تلهث وراء السيطرة والقوة غير آبهة بأنَّ الإنسان هو أخ الإنسان بِغَض النظر عن اختلافاتنا البسيطة، لأنَّ إنسانيتنا هي التي توحدنا.

الحديث عن مجزرة نانجينغ اليوم ليس لإعادة فتح جروح الماضي أو نشر الأحقاد بين البشر، إنما هو فرصة لإستعادة إنسانيتنا الضائعة. وفي هذا الإطار قد قال الرئيس الصيني السيد شي جين بينغ بصريح العبارة خلال مراسم إحياء ذكرى مجزرة نانجينغ التي أقامتها الحكومة الصينية هذا العام وللمرة الأولى أنهُ “لا ينبغي على الصين أن تحمل حقداً على أمة بأسرها بسبب قيام قلة من العسكريين بشن حروب عدوانية”.

العالم اليوم يضج بالأحداث المشابهة لحادثة نانجينغ، فَمُنذُ مجزرة نانجينغ إلى يومنا هذا لم يعرف العالم معنى السلام أو المحبة، وآلة الحرب والحقد لم تصمت ولو للحظة، ومئات لا بل آلاف الشهداء وضحايا الجهل والحقد يسقطون يومياً في أنحاء العالم كافة. ولكن وحدها الصين قد رمت الأحقاد جانباً دون أن تنسى التاريخ الأسود، وها هي أمة السلام تقف اليوم في الصفوف الأمامية لتعطي العالم الدروس في الإنسانية واحترام الآخر.

إنَّ بساتين الزهور التي تمَّ القضاء عليها في مدينة نانجينغ قد فتّحت من جديد، وزهرة السلام التي اقتُلعت قد نبتت مكانها بساتين من الزهور.

انتهت المجزرة وطواها التاريخ، ولكنَّ الذكر السيء لن يترك الفاعل مهما طال الزمن. التاريخ يذخر بالمجازر والحروب والاعتداءات من قِبَل ممالك وإمبراطوريات ودول، ولكن صوت الحق يبقى دائماً الأقوى وكلمة الحق تعلو ولا يُعلى عليها.

تعالوا نتحد لنشكل قبضة واحدة، ونشبك أيدينا باليد الصينية النظيفة وغير الملوّثة بالدماء.

الرحمة لشهداء مجزرة نانجينغ

عاشت الصين

  • كاتب لبناني متابع لقضايا الصين

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.