المسلمون والصين..!

0

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
الشيخ محمد حسن التويمي*:

لماذا أكتب عن مسلمي الصين وأعيادهم وتاريخهم منذ سنوات طويلة بدون توقف؟ المسألة مهمة جداً، فهي ليست بذخاً أو ترفاً، أو مجرد مسألة يُكتب عنها لتسلية ما كما يعتقد البعض.

أولاً، يجب التأكيد والإشارة الى أن الصين تتميز بكونها أحد  أقدم الحضارات العالمية، وقد تمكنت من الحفاظ على مكوناتها وثقافتها الغنية وعادات وتقاليد شعبها وقومياتها وهي بالعشرات، طوال ألفيات كثيرة، وقد رسخت الحياة المشتركة للصينيين على مر العصور، وبالتالي لم يكن ممكناً لأية قوة استبدالها وبقيت راسخة في وعيهم..  والمسلمون في الصين وكذلك أتباع جميع الديانات الأخرى التقليدية، من موحِّدة وغيرها، هم موحَّدون ووحدة واحدة لا تنكسر، لكنهم برغم ذلك يبقون هدفاً أساسياً شريراً للقوى الغربية التي ترفع شعارات دينية وتدخلات فكرية ومذهبية ومسلحة وتتّبع سياسة الغزو الثقافي والسياسي الخ ! لماذا ذلك؟ لأن الغرب الاستعماري الذي استعمرنا واستعمر الصين وبلداناً وشعوباً كثيرة أخرى لمدة طويلة لا أغالي إن قلت أنها أُلوف السنين، لم ولن يتوقف عن تشويه الحقائق الخاصة بالمتدينين والأديان في الصين، حتى يتمكن هذا الغرب في وقت ما، مِن حفر حفرة ولو صغيرة، لتكبر شهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة، ليستطيع من خلالها النفاذ إلى المجتمع الصيني والتسلل لتدميره بأيدي أهله أنفسهم..

إلا أننا نرى أن هذا العبث الغربي المُستنكر لم ولن يجد ما يحقق له آماله، بل سوف يُجبر على التراجع عن الصين، والإبقاء عليها لأهلها المخلصين، والصين حق لأهلها وحدهم فقط وليس لغيرهم من الغرباء والمشعوذين وأتباع جهنم والحروب المتلاحقة بشعارات تنطلي على الأغبياء والمعتوهين فقط، وليس على المثقفين والمتعلمين والمتمرسين بالسياسية والحضارة.

زرت بكين قبل سنوات زيارة أولى بدعوة رسمية من سفارة جمهورية الصين الشعبية لدى المملكة الاردنية الهاشمية، وزرت ضمنها شارع “نيوجيه” الذي تقول وكالة أنباء شينخوا الرسمية الصينية، إن معناه هو “شارع البقر”، ويقع في جنوب مدينة بكين، وهي منطقة شهيرة للجميع، تقول عنها المواقع الاعلامية الصينية بأنها “تكتظ بأكثر من إثنتين وعشرين أقلية قومية.. ويتجاوز عدد سكانها خمسين ألف نسمة، بينهم أكثر من عشرة آلاف شخص من قومية هوي المسلمة”، ويبلغ طول الشارع حوالي ستمائة متر وعرضه أكثر من أربعين متراً، وبالإضافة إلى مسجد “نيوجيه” والـ 43 شجرة القديمة على جانبيه، توجد أيضاً مجموعة من المحال التجارية ذات الخصائص الإسلامية المباشرة. وتضيف الوكالة قائلة، أن الشارع يشهد بيع الملابس والحلويات الخاصة بالقوميات، والأشغال الفنية اليدوية والأطعمة الإسلامية وغيرها.. وإذا زرتَ هذا الشارع فستشعر بأنه جميل وواسع ومريح وتدعمه الحكومة الصينية، وتدعم المسجد الذي يقع عليه، ليبقى شهيراً ويبقى معناه الديني والتراثي والثقافي والحضاري راسخاً صينياً وعالمياً.

شارع “نيوجيه” عمره أكثر من ألف عام، وهو واسع ولا يعاني من أزمات مرورية، وعلى جانبيه تتوزع مبان جديدة أكثر ارتفاعاً من تلك القديمة بكثير.

هناك حقيقة واحدة تدلنا على: لماذا ينشر الغرب ووسائل إعلام وتصريحات قادة ومسؤولين “وخبراء” بشؤون الصين، أُلوف وملايين الاخبار و”التحليلات” والمواد الاعلامية بما يتعلق بالإسلام والمسلمين في الصين، وهذه الحقيقة هي أن الحزب “التركستاني!” الذي يقاتل بالتحالف مع مختلف الإرهابيين العالميين في سوريا رافعاً أعلام الغرب، يريد فصل كافة مناطق غرب الصين عن الوطن الصيني وإلحاقها بدول اخرى ومنها “اسرائيل”، أو جعلها امبرطورية “صديقة” للغرب الذي يدعمه ويسلّحه ويمدّه بالأموال والمساندة الاعلامية وغيرها من أنواع “المساهمات”، التي تضمن سيادته على أرض الصين بفصلها من خلال تدخلات غربية، وهو الحزب الذي تقاتله القوات الروسية في سوريا وقد تمكنت من تصفية عدد كبير من أتباعه الذين لا يمتّون بصلة للاسلام، فمن يُفجّر نفسه في الصين في أماكن عامة ومطارات وشوارع ومواقع يرتادها بشر آمنون، ويذبح ويقتل ويشن الهجمات بسلاح دول قمعتنا تاريخاً طويلاً هو ليس مسلماً، ولا يتقبله الله في الجنة، بل سوف يطرده من الحياة الأبدية، ويَحشره في نار جهنم موقدة لا يتوقف لهيبها عن التضخم.

هناك أرقام كثيرة تتحدث عن عدد مسلمي الصين، إلا أننا نعتمد أرقاماً صينية رسمية لأنها الأقرب إلى الحقيقة والواقع ونحن نثق بها، أما غيرنا وبخاصة أعداء الصين فيتعمدون أرقاماً ينشرها ذاك الحزب “التركستاني!” وأشياعه من منظمات وعناصر وأشباه إعلاميين وأخماس كتّاب، والهدف من وراء كل ذلك هو تعزيز المَدد الإرهابي لهدف في نفس الحزب وأنفس هؤلاء، ولأجل تمكين الحزب دولياً لدى الغرب وفي المجموعات المعادية للصين ولإيهام العالم بقدراته ولمزيد من ورود الأموال والدعم المشبوه إليه من منظمات مشبوهة على شاكلته. ومهما كان عدد مسلمي الصين إلا أنهم يعيشون في دولة تحترم الإنسان بغض النظر عن دينه وقوميته ولغته وعاداته وتقاليده، وتقدم للجميع خدماتها بمساواة بين واحد وآخر، وبين شعب وشعب، وقومية وغيرها من القوميات الصغيرة والكبيرة والمتوسطة.

الحديث عن مسلمي الصين ممتع وطويل. وهناك كتب صينية كثيرة تتحدث عنهم. ولعل من أهمها كتاب صدر سنة 2004 عن دار نشر “ووتشو”. يشتمل الكتاب على أبواب كثيرة ومهمة عن المسلمين، ويمكن القول إنه كتاب ناجح في العرض المُبسّط لكل مّن يقرأ صفحاته الكثيرة بغض النظر عن مستواه الثقافي والتعليمي، ومن الأبواب الرئيسية في الكتاب، التالية: انتشار وتطور الإسلام في الصين، وتوطّن الإسلام في الصين، والإسلام في الصين في فترة جمهورية الصين الشعبية، والإسلام في الصين في بداية تأسيس الصين الجديدة، والإسلام في الصين في المرحلة الجديدة.

لكن الذي لفت انتباهي في الكتاب هو عنوان مهم وربما هو الأهم، وهو “بناء الحضارتين”، وهو عنوان تشدّد عليه الدولة الصينية التي تبني مجتمعاً جديداً ومتحضراً وعالمياً.

في الفصل الرابع، يتحدث الكتاب عن الجمعية الإسلامية الصينية، والجمعيات الإسلامية المحلية الأخرى في الصين، والشخصيات الإسلامية الصينية، ومبادراتهم لأجل تنمية المساهمات في الحياة العامة والاقتصاد الوطني واهتمام الحكومات الصينية على مدار كل السنوات المختلفة بإعداد مسلمين أكفياء من القوميات المختلفة، من حيث مستوى التعليم والثقافة.

ويُعدّد الكتاب عدد المعاهد الإسلامية والجامعات الصينية في شينجيانغ الغربية وفي غيرها من المناطق الصينية ذات الكثافات السكانية المتباينة للمسلمين هناك، كما يُشير الكتاب إلى الطلبة المسلمين الذين يدرسون التكنولوجيا العالية والإنتاج الزراعي والصناعي، والثقافة والتعليم، والطب والصحة، وكيف يقدم كثير من المسلمين مساهماتهم الملموسة في الإصلاح والانفتاح في مناطقهم القومية، وبناء الاقتصاد الوطني للدولة الصينية، وتخليص فلاحي المناطق القومية وريفييها من الفقر والتأخر، وهو الذي شاهدناه نحن خلال زيارتنا بوفد الاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتاب العرب أصدقاء وحلفاء الصين في منطقة قويتشو (الغربية) ومدن تلك المقاطعة وغيرها في مارس آذار الماضي من هذا العام، حيث تزدهر القوميات الصينية ومنها قوميات إسلامية، من خلال التقدم الصناعي والزراعي والريفي، ومساهمات الحزب والدولة لهم لترقية أوضاعهم المادية والمعنوية، وهو ما لا يعرفه الغرب ولا تعرفه دول اخرى كثيرة عدا الصين التي تهتم بأوضاع مواطنيها من مختلف الوجوه، وتضمن لهم حياة قانونية وقومية ذات مستوى راق، وتقدم الدولة هذه الضمانات الحياتية لهم كتأكيد على إنسانيتها، وتكشف زيف الغرب الذي يتدخل في شؤونهم وشؤون بلادهم الصين.

إن الغرب يئن تحت ضربات الفقر بمواطنيه ومنهم المسلمون، فلماذا لا يتحدثون عن ذلك هناك، ولماذا يصف ترامب مؤخراً قبل أيام المهاجرين الأجانب الذين يهاجرون إلى أمريكا وبضمنهم مسلمون بأنهم “حيوانات” ؟!، فهل هذا احترام للمسلمين والإنسانية، أم إهانة لها.. هنا أقول للجميع: لا يحق لأي كان في الغرب الادعاء بأنه خبير بشؤون الصين ليهاجمها، والأفضل لهم هناك أن يكونوا خبراء بقضاياهم هم الذاتية فقط وأن يتركونا وشأننا نحن المسلمين..

وأنا اكتب هذه المقالة قرأت في موقع صيني على الانترنت خاص بالقسم العربي لإذاعة الصين الدولية التي زارها وفدنا الاتحادي الدولي خلال وجودنا أولى الأيام في بكين، عن المسلمين بالصين خلال رمضان الحالي، يقول الخبر الصيني إن مسلمي الصين استقبلوا رمضان في 16 من الشهر الحالي، وشارك ألوف الصينيين في صلاة التراويح وبخاصة في مسجد مشهور بالصين، عرضت الاذاعة صوراً عنه إسمه “مسجد نيوجيه” ويرجع تاريخه الى ألف سنة فقط.. فقط !!!.

كما وأن هؤلاء المسلمين يصلّون صلاة التراويح في مقر السفارة السودانية في العاصمة الصينية بكين، تأكيداً على تواصل المسلمين الصينيين مع العالم العربي وحريتهم المضمونة بالقانون الصيني، باختيار مكان الصلاة والاجتماع والتلاقي مع أبناء الدين الواحد كما يحلو إليهم، وكان ذلك الاختيار في السفارة السودانية التي تعني إليهم أنهم يصلون على أرض عربية طاهرة، وبأنهم بذلك يتواصلون مع العرب الذين هم حملة الدين الاسلامي إليهم والى العالم أجمع.

ولعل أفضل ما أنهي به هذه المقالة هو الحديث عن قومية هوي المسلمة في الصين. ففي حين كان المسلمون من هذه القومية الشهيرة وبرغم أنها شهيرة، يعانون كثيراً خلال حكم ما قبل الجمهورية الصينية الشعبية، وبخاصة معاناتهم من “حكومة أمراء الحرب الشماليين”، ولعدم الاعتراف من جانب “حكومة جمهورية الصين في نانجينغ” بمكانة هذه القومية المسلمة وانتهاجها القمع السياسي والفكري بحق المسلمين بالصين،  فقد جاءت الدولة الشعبية الصينية لتضمن كل حقوقهم، وهذا التاريخ يتم الإغلاق عليه في الغرب كله لهدف واضح بالنسبة إلينا !

أما اليوم، ومنذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، فإن وضع هذه القومية مختلف تماماً في الصين، فهي معروفة ومعترف بها رسمياً بعكس عدم الاعتراف بها سابقاً من جانب أشياع الغرب الاستعماري بالصين. بل وتضمن الدولة تطورها ونمو عدد نفوسها بدون أية قيود، ذلك أن قيود النمو السكاني غير مفروضة على مسلمي الصين كما هي مفروضة على أكبر قومية صينية تسمى “هان”.

وفي الأخبار عن قومية هوي المسلمة في الصين، كتأكيد على احترام الصين للقوميات الاسلامية والإسلام بذاته، أن دولة الصين التي يترأسها حزب شيوعي من طراز جديد ويعمل ويحكم بألوان الاشتراكية الصينية في العصر الجديد بزعامة الصديق والحليف الزعيم والقائد المغوار “شي جين بينغ”، بنت لهم متحفاً باسمهم هو “متحف قومية هوى”.. المتحف هو الوحيد من نوعه الخاص بثقافة قومية هوي في الصين، لكنه واحد من أضخم المتاحف وأهمها في الصين !
اليوم، في يوم جهوزية هذه المقالة، الثامن عشر (18) من مايو / أيار 2018، نشرت “صحيفة الشعب اليومية أونلاين” الناطقة بلسان اللجنة المركزية (قيادة) الحزب الشيوعي الصيني، وبمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمتاحف، موضوعاً خاصاً عن هذا المتحف، الذي وصفته  بأنه “المتحف الوحيد في الصين بموضوع ثقافة قومية هوي”.

قالت الصحيفة إن هذا المتحف يقع في حديقة ثقافة قومية هوي التي بناها المسلمون في محافظة يونغنينغ، لمنطقة نينغشيا، شمال غربي الصين، بدعم من حكومات مختلفة المستويات، ويُعتبر المبنى الرئيسي للمتحف الجوهرة الفنية لهذا البناء المتميز الذي تحيط به الحديقة بكل جمالياتها وتجلياتها، ذلك ان هذا البناء والحديقة وملحقاتهما تشير كلها إلى علو في قيم الثقافة الصينية المنسجمة لقوميات كثيرة، ورغبة بتحالف جماليات القوميات الصينية لتنتج جمالية متفردة ومتأخية، تُدرج ضمنها ألواناً قومية ودينية تعتبر جزءاً أساسياً من مكونات القوميات الاسلامية بالصين.

بُني متحف قومية هوى وفق النمط الكلاسيكي للهندسة المعمارية الإسلامية الممتازة. وتغطي مساحته حوالى 6000 متر مربع، حيث يضم خمس قاعات لعرض تاريخ قومية هوى الصينية ومساهمة الحضارة الإسلامية في الحضارة العالمية، وتاريخ تشكيل قومية هوى الصينية وعاداتها، ومساهمة قومية هوي في الحضارة الصينية، ووضع منطقة نينغشيا ذاتية الحكم لقومية هوي. ويُعرض في المتحف عدد كبير من التحف الإسلامية والكتب والصور القيمة لقومية هوى، بهدف الحفاظ عليها من الاندثار والضياع لأنها تراث قيّم للصين والعالم الاسلامي بل وللعالم أجمع.

 …

#الشيخ محمد حسن التويمي: مسؤول متابعة الإعلام والصحافة الصينية والإعلام الاجتماعي الصيني والإسلام والمسلمين في #الصين في الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء (وحُلفاء) الصين – الاردن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.