رؤى صينية: إلى أي مدى سيؤثر الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني على طهران؟

0

وكالة أنباء الصين الجديدة ـ شينخوا:
منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، اعتمدت الولايات المتحدة على الفور سلسلة من الإجراءات العقابية ضد إيران حيث أعلنت فرض عقوبات على ستة إيرانيين وثلاثة كيانات ووضع محافظ البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف على القائمة السوداء. إضافة إلى ذلك، أعلنت أنه سيتم استئناف العقوبات في غضون من ثلاثة إلى ستة أشهر، ما يعني أن الدول والشركات الأجنبية التي تربطها علاقات اقتصادية مع إيران ستخضع لكل العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة.

وفي ظل ذلك، لم تقرر إيران الانسحاب من الاتفاق الذي يعرف رسميا بـ(خطة العمل الشاملة المشتركة)، حيث أعلن الرئيس الإيراني حسن روحانى أن إيران ستظل داخل الاتفاق وقام وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بجولة شملت الصين وروسيا ودول أوروبية، وهو ما أظهر نية إيران الخالصة في إنقاذ الاتفاق. ويبقى سؤال يدور في الأذهان : إلى أي مدى سيؤثر الموقف الأمريكي المتشدد تجاه إيران على هذا البلد الشرق أوسطى؟

— إيران في مواجهة تأثيرات سلبية

قال الخبير تيان ون لين، الباحث بمعهد الصين للدراسات الدولية المعاصرة، إن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني وقرارها استئناف العقوبات سيكون له تأثير سياسي واقتصادي مزدوج على إيران، مشيرا إلى أن الاتفاق يشكل أهمية كبيرة بالنسبة لإيران حيث يعني توقيع طهران عليه مع الدول الكبرى في العالم إنخراط إيران في الشؤون الدولية كدولة عادية.

فمن الناحية الاقتصادية، فُتح الباب أمام تعزيز إيران للتبادلات السياسية والاقتصادية والثقافية مع العالم الخارجي مع توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 الذي أعاد اندماج إيران في النظام العالمي، وصارت هذه التبادلات كافة تحمل أهمية بالغة بالنسبة لاستقرار إيران الداخلي وتنمية اقتصادها الوطني، حسبما قال تيان ون لين.

وفي هذا السياق، تطرق الخبير الصيني إلى زيادة الدول الأوروبية لوارداتها من الطاقة بشكل كبير من إيران التي أصبحت واحدة من الدول الرئيسية المنتجة للنفط في العالم، وإلى تكثيف الشركات الأوروبية لاستثماراتها وأنشطتها التجارية في هذا البلد. فوفقا للإحصائيات، ارتفع حجم التجارة بين إيران والاتحاد الأوروبي من 9.2 مليار دولار أمريكي في عام 2015 إلى 25 مليار دولار أمريكي في عام 2017.

بيد أنه مع تصريح جون بولتون مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي ترامب مؤخرا بأن الولايات المتحدة قد تفرض عقوبات اقتصادية على شركات الاتحاد الأوروبي التي تواصل نشاطها التجاري مع إيران، يعتقد بعض المحللين أنه إذا لم تتمكن الحكومات الأوروبية من ضمان عدم خضوع شركاتها المتعاملة مع إيران للعقوبات الأمريكية، فلن تواصل هذه الشركات تعاونها مع إيران سواء في التجارة أو الاستثمار، حتى أنها قد تعلق تلك الاتفاقيات التي توصلت إليها معها مؤخرا.

ففي الواقع، أثار الانسحاب الأمريكي مخاوف الشركات الأجنبية العاملة في إيران حيث قالت شركات الطاقة الأوروبية العملاقة مثل ((توتال)) الفرنسية يوم الأربعاء الماضي إنها قد لا تستطيع الاستمرار في مشروع تنمية الغاز في إيران إذا لم تحصل على وعد من الولايات المتحدة بحمايتها من العقوبات.

وتعقيبا على توقعات سابقة صدرت عن صندوق النقد الدولي تفيد بأن الاقتصاد الإيراني من المتوقع أن يسجل نموا نسبته 4.3% و4.5% على التوالي في عامي 2018 و2019، أشار تيان ون لين إلى أنه مع انسحاب الولايات المتحدة بشكل أحادي من الاتفاق النووي الإيراني، سيكون من الصعب على الاقتصاد الإيراني تحقيق معدل نموه المتوقع، وسيتطلب الأمر من حكومة روحاني بذل جهود للتأكد من التزام الأطراف الأخرى بالاتفاق واتخاذ إجراءات لتخفيف تأثير استئناف الولايات المتحدة للعقوبات على تنمية الاقتصاد الإيراني.

وشاطره الرأي سون ده قانغ، الباحث بمعهد دراسات شؤون الشرق الأوسط بجامعة الدراسات الدولية بشانغهاي، فيما يتعلق بالشق الاقتصادي الذي رأي أنه سيكون له أيضا تداعيات على الصعيد السياسي في إيران، موضحا أن الرئيس الإيراني المعتدل روحاني كان قد تعهد منذ مجيئه إلى السلطة بإنهاء وضع عزلة إيران وتنشيط اقتصادها واعتبر الاتفاق النووي الإيراني أبرز انجازات ولايته الأولي ولكن مع القرار الأمريكي الانسحاب من الاتفاق والنتائج المرتبة عليه بات الوضع الاقتصادي الحالي للبلاد يشكل تحديا كبيرا لحكمه وقد يتيح فرصة لصعود المتشددين الإيرانيين.

— احتمالية زعزعة الأسس الاجتماعية ضئيلة

غير أن الخبراء أشاروا إلى أنه على الرغم من أن انسحاب ترامب جعل إيران أمام خسائر لا حصر لها وتحديات لا يمكن التنبؤ بها، إلا أن العقوبات نادرا ما تسببت في زعزعة الأسس الاقتصادية والاجتماعية في إيران.

وشرح شين لانغ الباحث في شؤون الشرق الأوسط وجهة النظر هذه، قائلا إنه أولا وقبل كل شيء، تقع الشروط الأساسية للاتفاق النووي الإيراني ضمن نطاق خط الأساس المقبول بالنسبة للأطراف المعنية وحققت مصالح كبرى لها، حيث أعربت الأطراف الأخرى في الاتفاق وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين وروسيا بشكل واضح أنها لن تحذو حذو الولايات المتحدة في الانسحاب، مضيفا أنه إذا استمرت إيران والدول الخمس في الالتزام بالاتفاق وتنفيذه، فإن الاتفاق سيظل حيا.

ثانيا،إن التكنولوجيا والمعدات والرأسمالية الأمريكية لها تأثير ضئيل على إيران. ففي عام 2017، جذبت إيران استثمارات مباشرة بقيمة ثلاثة مليارات دولار أمريكي، جاء معظمها من الدول الآسيوية والأوروبية. وحال عدم استئناف العقوبات من جانب فرنسا وألمانيا، ستحصل إيران من أوروبا على الأموال والتقنيات الأساسية اللازمة لتنميتها الاقتصادية وللتعاون في مجال الطاقة معها.

وأخيرا، إن ما يذخر به هذا البلد من ثقافة متينة ومساحة شاسعة وعمق إستراتيجي وسوق ضخم يضم 80 مليون نسمة ونظام صناعي شامل ووفرة من الثروات الباطنية مثل النفط والغاز يشكل معا أساس المقاومة الإيرانية للعقوبات الأمريكية. وفي الوقت الحاضر، يعتقد معظم الشعب الإيراني أن الولايات المتحدة ينبغي أن تكون المسؤول الأول عن أي فشل محتمل للاتفاق. وإن العقوبات والصراعات العسكرية المحتمل أن تنتج عن فشل كهذا لن تتسبب في اضطرابات سياسية واجتماعية داخل إيران بل قد تجعل شعبها أكثر اتحادا.

ورأى شين لانغ أنه يمكن للشركات الأجنبية العاملة في إيران تقليل الخسائر طالما أنها تقيم ما إذا كانت أنشطتها التجارية القائمة تنتهك الأحكام التي تفرضها الولايات المتحدة بعد استئناف العقوبات ذات الصلة وطالما أنها تضع خطط استجابة في وقت مبكر وتتعاون في اتخاذ إجراءات ضد العقوبات، مشيرا إلى أن اعتماد إيران على نفسها والحد من اعتمادها على الولايات المتحدة والاقتصاد الغربي هو السبيل الأساسي لتنميتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.