عبد العليم

1

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
أحمد زيدان*:

لم يكن قد مرّ على وجودي في بكين آنذاك سوى شهور قليلة. وكان أمراً عادياً بالنسبة لي في تلك الفترة أن أضلّ الطريق في اليوم الواحد أو الأسبوع الواحد أكثر من مرة.

خرجت من صلاة الجمعة، من مسجد نيوجيه، وتناولت الغداء في مطعم إسلامي قريب، ثم توجهت إلى موقف السيارات الذي منه أنطلق إلى بيتي، ولكنني لم أجد صعوبة في اكتشاف أنني في المكان الخطأ. توقفت أسترجع الصور المخزونة في ذاكرتي، فيما كانت عيناي تتفحصان البنايات، واتجاهات الشوارع، والعلامات الفارقة هنا وهناك.

امرأة قريبة مني لاحظت حيرتي واضطرابي. أظن أنها أدركت أنني طائر غريب له رائحة مختلفة عن الآخرين في المكان. نادت رجلاً قريباً منها، وأخذت تحدّثه عني، ثم ما لبث الرجل أن انطلق مسرعاً في الشارع، فيما أخذت هي تتكلم معي. تكلّمت بانفعال، مستعينة بيديها، ولكن عدد الكلمات التي كنت أعرفها من اللغة الصينية حينذاك لم يكن يتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولذا، ذهب كل ما قالته أدراج الرياح.

لم تمضِ دقائق حتى عاد الرجل بصحبة رجل آخر، ملامحه أقرب إلى ملامحي منها إلى ملامح الرجل الأول. بادرني قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! فأجبته بمثلها وسط مفاجأة ودهشة كبيرتين.

قال: أنت عربي؟ فقلت:نعم. ففتح ذراعيه على آخرهما وضمني قائلاً: من أين؟ فقلت: من فلسطين. فهجم عليّ قائلاٍ: من القدس؟! وأشبعني ضمّاً وتقبيلاً، وهو يقول: أنت أخي، أنت هدية من الله لي. ليس لي إخوة. ثم تناول جوّاله من جيبه واتّصل بشخص آخر، ما لبث أن انضمّ إلينا. كان ذلك أباه. فهمت من كلام ابنه أننا وُلدنا في العام نفسه، ولكنه لا يعرف شيئاً من العربية.

كانت لغة “عبد العليم” تُسعفه في التعبير عن الأمور الأساسية، ولكنها سرعان ما كانت تتلاشى وتختفي عندما كان يودّ أن يتجاوز ذلك للحديث في التفاصيل.

وجدت نفسي بعد دقائق في مطعم إسلامي فاخر، حيث أخذت أصناف عديدة من الطعام مكانها فوق الطاولة. ولم تُفلح كل توسّلاتي في إقناعه بأنني تناولت الغداء منذ دقائق قليلة.

لم يكن من بكين، وإنما من مقاطعة شينجيانغ الإسلامية الذاتية الحكم لقومية الويغور. يقيم منذ سنوات في مدينة “تانغشان” التي تبعد عن بكين أكثر من ثلاث ساعات بالحافلة، حيث يدير مطعماً إسلامياً.

عرفت في ما بعد من صديق باكستاني يعرف اللغتين العربية والصينية أن عبد العليم يعرف القدس من خلال معلّم له في المدرسة الابتدائية. كان يبكي دموعاً حارة وهو يعلّم تلاميذه مادة التاريخ، ويشير إلى المذابح التي تعرّض لها الفلسطينيون في المدينة.

في الأسبوع التالي، جاء عبد العليم إلى بكين خصيصاً، وأخذني معه إلى مدينته، وعرّفني إلى عائلته وأهله. ثم صار يأتي إلى بكين ويأخذني معه مرة في الشهر، وكان في كل مرة يذبح خروفاً ويصفّ مختلف أنواع الأطعمة على طاولة مستديرة، يدعو إليها عدداً من الطلاب والمعلّمين الباكستانيين في كليّة الطب في جامعة المدينة، ويبدأ حديث يتشعّب إلى موضوعات مختلفة، ولا ينتهي قبل منتصف الليل. كثيراً ما كنا نتفق على أن المصلحة تقتضي أن يتمتع المسلمون بثمار النهضة الصينية، وينهلوا من خيرها ونعيمها، وأنه من الخطأ الكبير السماح لهواجس الانفصال والتطرف والإرهاب أن تتسرّب إلى المجتمع الصيني، في الوقت الذي يمكنهم فيه أداء شعائر العبادة في مساجدهم ومراكزهم.

تتطوّر علاقتي بعبد العليم يوماً بعد يوم، وسط تحضيرات للسفر إلى الأردن قريباً، بحيث تتاح له فرصة التعرف على جوانب عديدة من حياة المجتمع الأردني، لا سيما الأماكن الأثرية والمناطق التاريخية.

 

*أحمد زيدان: مُستشار حكومة مقاطعة خبي ذاتية الحُكم لجمهورية الصين الشعبية، وعضو في الاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء (وحُلفاء) الصين، وخبير إعلامي للقسم العربي للفضائية الصينية العربية في بكين.

تعليق 1
  1. مروان سوداح يقول

    مقالة أولى مهمة ولطيفة تنشر لسعادة المستشار لحكومة خبى الصينية والخبير الإعلامي للفضائية الصينية العربية في بكين الاخ احمد زيدان وهي تعرض بطريقة قصصية مشوقة للمسلمين الصينيين. شكرا صديقي استاذ احمد .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.