منتدى التعاون الصيني – العربي ودور لبنان الريادي بين الأمتين العربية والصينية

1

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
محمد زريق*:

 

“إنَّ الصين ستقدم نحو 100 مليون دولار لسوريا والأردن واليمن وفلسطين على شكل مساعدات إنسانية، بالإضافة إلى المساعدات للشعب السوري والأردني واليمني، وإنَّ الصين تعتزم مد الجانب الفلسطيني بنحو 100 مليون يوان لدعم جهود السلطة الفلسطينية الرامية إلى تحفيز التنمية الاقتصادية، وسنعمل على مساعدة الشعب الفلسطيني في ساحات الأمم المتحدة”، بهذه الكلمات افتتح الرئيس الصيني تشي جين بينغ صباح يوم الثلاثاء في العاشر من شهر تموز الاجتماع الوزاري الثامن لمنتدى التعاون الصيني – العربي في العاصمة الصينية “بكين”، بحضور أمين عام جامعة الدول العربية “أحمد أبو الغيظ” وأمير دولة الكويت “الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح”.

ومن أبرز ما صدر عن هذا الاجتماع، هو الموقف العربي الثابت والدائم بدعم وحدة الأراضي الصينية وعدم الاعتراف بتايوان، والعمل على إصلاح نظام الأمم المتحدة العام من خلال رفع تمثيل الدول النامية، واتفقت الأطراف المشاركة على دعم القضية الفلسطينية ورفض الظلم التاريخي الواقع على الشعب الفلسطيني، وطالب المجتمعون بإيجاد حل سلمي للأزمة السورية وإنهاء الحرب من خلال تسوية سياسية، وطالب المشاركون بوضع حد للأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، وشدّد الوزراء على أهمية نبذ ومحاربة الإرهاب وتعزيز الحوار بين الشعوب والأديان، وقد أكّد الوزراء على الالتزام بوحدة لبنان وسيادته واستقراره وسلامة أراضيه والدعوة إلى التطبيق الكامل لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة ومطالبة إسرائيل بالانسحاب من باقي الأراضي اللبنانية المحتلة والإنهاء فورا لانتهاكاتها للسيادة اللبنانية أرضاً وبحراً وجواً مع التأكيد على أهمية دعم حق لبنان في الاستفادة من موارده الطبيعية من نفط وغاز حتى حدوده البحرية.

يعتبر منتدى التعاون الصيني – العربي الرابط المعنوي الذي يجمع ما بين الدول العربية والصين، وإن دلَّ على شيء فهو يدل على حسن العلاقات الصينية – العربية وعلى الرغبة في تطوير هذه العلاقات. تمَّ تأسيس المنتدى الصيني – العربي بعد زيارة الرئيس الصيني السابق “هو جين تاو” إلى مقر جامعة الدول العربية في العام 2004، حيث التقى الأمين العام لجامعة الدول العربية آنذاك “عمرو موسى”، بالإضافة إلى المندوبين الدائمين للدول الأعضاء (22)، وتمَّ الإعلان رسمياً عن تأسيس منتدى التعاون الصيني – العربي بهدف تعزيز الحوار والتعاون ودفع عجلة التنمية والتقدم بين الصين والدول العربية.

تعتبر الصين العظمى سياسياً واقتصادياً وثقافياً، الصديق الأكبر لكافة الدول العربية والشريك الاقتصادي والسياسي الأهم، وذلك يعود إلى سياسة القوة الناعمة التي تتبعها الصين ورفضها لكافة أشكال العنف والقوة والغطرسة، والسعي إلى تعزيز ثقافة الحوار بين الشعوب وسياسة الانفتاح السلمي وتقبل الثقافات والحضارات المختلفة، هكذا أصبحت الصين الصديق المحبوب لدى العرب (كافة العرب)، ويجب البناء على هذا الأمر لأنه قلَّما اتفق العرب على صديق مشترك.

منتدى التعاون الصيني – العربي هو الأداة التي تجعل من الصين الدولة التي توحّد العرب على القيم والمفاهيم المشتركة، وعلى المصالح الاقتصادية والسياسية الجامعة، برضى الطرفين، فالدول العربية تسعى إلى مد الجسور مع الصين، وكذلك الصين تسعى إلى إقامة أفضل العلاقات مع الدول العربية، وأحد أهم الدوافع لإنجاح هذه العلاقة وتمتينها هو مشروع الحزام والطريق، وهو المشروع العابر للحدود الذي سيحدث ثورة اقتصادية وسياسية تغيّر خارطة الجغرافية السياسية وترفع من مكانة الصين اقليمياً ودولياً.

تمَّ تصميم المنتدى ليكون بمثابة منصة لتبادل وجهات النظر بين الصين والدول العربية، وتعزيز التعاون في السياسة والاقتصاد والتجارة والثقافة والتكنولوجيا والشؤون الدولية مع إعطاء الأولوية للسلام والتنمية. إن الاجتماع الوزاري هو الآلية الدائمة للمنتدى ويعقد دورة عادية كل سنتين، مع خيار عقد دورات استثنائية إذا لزم الأمر. أما اجتماع كبار المسؤولين، وهو اجتماع سنوي تستضيفه الأطراف الصينية والعربية بالتناوب، فيأخذ على عاتقه تنفيذ القرارات الصادرة عن الاجتماع الوزاري وعقد مشاورات سياسية بين الجانبين. وتشمل الآليات الأخرى في إطار المنتدى ندوة مؤتمر رجال الأعمال والاستثمار، والحلقات الدراسية للحوار بين الصين والعرب والحضارات، ومؤتمر الصداقة الصينية العربية، ومؤتمر التعاون في مجال الطاقة، ومنتدى التعاون في الأخبار والصحافة، والمهرجانات الثقافية، ومؤتمرات كبار المسؤولين في السياسة الصحية، إلخ.

يعتبر لبنان عضواً في المنتدى الصيني – العربي، وللبنان دور بارز في تعزيز العلاقات الصينية العربية، وذلك يعود إلى التاريخ السياسي والتجاري الطويل بين الصين ولبنان، فكما أنَّ الصين هي صديق الجميع ولا تربطها عداوة مع الدول العربية، كذلك لبنان هو صديق كافة الدول العربية بالإضافة إلى العلاقة المميزة مع الصين، هكذا فإنَّ العلاقة الصينية – اللبنانية هي أساس صلب وعامود فقري للعلاقة الصينية – العربية.

وقد شارك وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني رائد خوري في الدورة الثامنة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني – العربي المنعقد في بكين، وفي الكلمة التي ألقاها قال: “أود الإشارة إلى أهمية العلاقات اللبنانية الصينية واللبنانية العربية القديمة والمتجددة، التي طالما تميزت بالدعم والتعاون والمؤازرة. حيث وقفت الصين كما أشقاؤنا العرب إلى جانب لبنان في المحافل الدولية والمنتديات الإقليمية”.

وفي إشارة إلى رغبة لبنان بتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين وبجعل هذا الاجتماع فرصة لطرح الأفكار اللبنانية على الجانب الصيني من أجل تعاون اقتصادي شامل وأوسع، فقد جاء على لسان وزير الاقتصاد والتجارة: “العمل على تعزيز موقع لبنان الجغرافي كهمزة وصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا وانضمام لبنان إلى مبادرة الحزام والطريق، وتوقيع وزارة الاقتصاد والتجارة على مذكرة تفاهم بين حكومة جمهورية الصين الشعبية والجمهورية اللبنانية حول الترويج المشترك والتعاون في هذا الاطار ما هو إلا دليل على أهمية موقع لبنان، كما دور الانتشار اللبناني في دول العالم في تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية على الصعيد الإقليمي والعالمي”، وهنا إشارة إلى أهمية الدور اللبناني في تسهيل العلاقات الصينية – العربية وموقع لبنان الجغرافي المتميز الذي يجعل منه نقطة مهمّة وحسّاسة على الصعد التجارية والسياسية.

وقد نطق وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني بلسان العرب، طارحاً لفكرة دمج الصين في الأسواق العربية وذلك لأهمية العنصر الصيني وللدور الذي تلعبه الصين على الصعد الصناعية والالكترونية والذي أصبح من الصعب تغييبه عن الساحة العربية، فقد قال: “أرغب في معرض كلمتي هذه التطرق إلى ضرورة مد جسور التعاون بين بلداننا ووضع استراتيجيات متقدمة فيما يتعلق باقتصاد المستقبل المبني على الذكاء الاصطناعي والإنترنت والروبوتيكس. فالتطورات السريعة في عالم التكنولوجيا تضعنا جميعاً كدول نامية كما المتطورة أمام تحديات من نوع جديد تتطلب نظرة مستقبلية سبّاقة تعتمد على مقومات سوق حديثة وتتطلب بعد نظر يشمل صناعات مختلفة تعتمد بشكل أساسي على البرمجة والآلات الذكية. من هنا علينا التنبه منذ الآن على المرحلة القادمة حفاظاً على نمونا الاقتصادي وتأميناً لفرص عمل لشبابنا. وعلينا أن نتوقف بكل جدية أمام هذه التحديات من خلال تقييم سياساتنا الإنتاجية الحالية والمستقبلية لنعمل معاً نحو تكامل انتاجي حديث يراعي سرعة تطور التكنولوجيا. وإننا نعوّل على الصين ودورها المتقدم في الأبحاث والتطوير ونتطلع إلى تعاون حثيث مشترك في نقل المعرفة والتطورات التكنولوجية إلى بلداننا النامية خاصة الصغيرة منها”.

إنَّ منتدى التعاون الصيني – العربي أصبح اليوم من الركائز التي تقوم عليها العلاقة بين الأمتين، ومما لا شك فيه أنَّ الرغبة في إقامة العلاقات المتميزة هي الدافع الأهم الذي يكمن وراء هذا المنتدى، ومن المعروف كما أشرنا سابقاً أنَّ لبنان هو عضو فاعل في هذا المنتدى وهو السبّاق من أجل تطوير العلاقات الصينية – العربية. إنَّ الذي يجمع ما بين الصين والعرب أكثر بكثير من منتدى التعاون، وهذا المنتدى ما هو إلا نتيجة علنيّة وظاهرة لحسن العلاقة بين الأمتين، ودور المنتدى الفاعل سيزداد أكثر يوماً بعد يوم.

*كاتب مهتم بالشؤون الصينية من لبنان

تعليق 1
  1. مروان سوداح يقول

    مقالة مهمة جدا.. الى الامام استاذ محمد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.