العلاقات الصينية العربية بين جدلية الفعل التاريخي واليقظة الاستراتيجية

0

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
الدكتور عبدالكريم بن خالد*:

تملك الصين إمكانات اقتصادية وثقلاً سكانياً وحضوراً تجارياً ورؤية لِما ينبغي أن يكون عليه عالم العلاقات الدولية، ما أكسبها  قوة وحضوراً لا يمكن لأي طرف أو فاعل دولي أن يتجاهله، وهو قابل للتمدّد والانتشار بمدى اهتمامات الصين، حيث تعتبر المنطقة العربية في دائرة الاهتمام، بعدما أعلنت الصين عما أسمته بمبادرة الحزام والطريق، والذي يعكس مستوى ومدى الاهتمام والتوجّهات الصينية – العربية، حسب تقرير ندوة العلاقات العربية – الصينية المُنعقدة في بيروت بتاريخ21.20 أفريل 2016.

تشنغ خه ….مؤسس العلاقات الصينية العربية .

تعود علاقات الصين والدول العربية الى غابر الأزمان ، قبل أكثر من 2000 سنة، عن طريق التجارة، مما ترك تراثاً نفيساً يُجسّد مجد وروعة الحضارتين الصينية والعربية، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم، ذكر الصين مجازاً للبُعد والاستحالة والمشقة في الحث على طلب العلم ولو في الصين وما تدل مقولته صلي الله عليه وسلم .

وقد وصف الرحّالة العرب الشعب الصيني بأنه يتصف بالعدل، والانضباط، وإتقان الصناعات والحِكمة، هذا ويوجد تشابه كبير بين الثقافة الصينية والعربية من حيث تمتع كل منهما بحضارة قديمة، إلا أن الصين ظلّت محافظة على طابعها الآسيوي، وانشغلوا بالعنصر الأخلاقي كما يراه (العسكري، 2010).

وقل قبل ستمائة سنة، نزل “تشنغ خه “، الملاح الصينى، بأسطول ضخم من السفن البحرية محملا بكميات كبيرة من الحرير والخزف الصيني والمسك والأدوات النحاسية والحديدية وغيرها من السلع، وذلك في الرحلات السبع إلى المحيط الهندي لممارسة التجارة مع البلدان المطلة على المحيط الهندي، ولتنمية العلاقات الودية، فكانت جزيرة العرب هي المنطقة الرئيسية للتجارة التي قام تشنغ خه بها في المحيط الهندي، كما كانت (هرمز) إحدى نقاط الارتكاز التجارية الثلاث لأسطوله (أما النقطتان الأخيرتان كانتا “ملقا” الواقعة على شبه جزيرة ملايو، وكوزكود الواقعة على الشاطئ الغربي من الهند).

وقد زار “تشنغ خه” عدداً كبيراً من البلدان العربية، ما أسفر عن توافد رسل البلدان العربية إلى الصين في زيارات جوابية، كما أدى إلى كسر الجمود الذي أصاب العلاقات الاقتصادية الصينية العربية وجعل التجارة من طرف واحد حيث، نشر أسلوب وأدب التعامل الصيني والافكار الكونفوشيوسية والتقويم ونظام المقاييس والمكاييل والموازين والتكنولوجيا الزراعية وتكنولوجيا الصناعة وتكنولوجيا الحفر المعمارية والطب وتكنولوجيا الملاحة وصناعة السفن.

اليقظة والنهضة الصينية والعربية في العصر الحديث.

بعد استقلال الصين  أخذت العلاقات بين الطرفين العربي والصيني تتطور وتدخل مرحلة علاقات ثنائية ترتبط بمصالح مشتركة بعد حصول الدول العربية والصين على الاستقلال، لأنه من المعروف أن الموقف العربي الحالي تجاه القضايا الصينية (حسب العسكري ،2010).

ترتبط الصين بمصالح كبيرة في المنطقة العربية، وتزداد هذه المصالح متأثرة بالتقدم التكنولوجي، وسرعة انتقال المعلومات، رغم ما تشهده المنطقة من موجات تغير إلا أن السياسية الصينية يمكن القول إنها نجحت في امتصاص الصدمات الناجمة عن تغير الأوضاع في المنطقة منتهجة سياسية عدم التدخل في سيادة الدول، وباتت من بين القوى الاقتصادية العالمية بحيث يمكن أن تشغل المكانة الأولى في عام ( 2020 ) في نظر الكثيرين من الخبراء. لذلك لا بد للدول العربية التي ما زالت في طور التنمية من أن تستفيد من التجربة الصينية، لأن كلا الطرفين يواجههما الآن هدف مشترك مثل صيانة استقلال الدولة وسيادتها، وتحقيق التنمية الاقتصادية، كما أنه يجب على الدول العربية الاستفادة من التجربة الصينية في معالجة العلاقة المتوترة بين الانفتاح والنظم الحاكمة للقضاء على الضغوط السياسية الداخلية، ومن ثم يحقق الاستقرار الاجتماعي كما ترى الباحثة (عاهد مسلم،2014).

كما يُعتبر التعاون العربي الصيني بالغ الاهمية ومقبل على مرحلة تؤول الى الصعود والاتساع الامر الذى دعا إليه عدد من المسئولين الصينيين في المناسبات الرسمية، حيث نجد أنه اذا إتّحد شرق اسيا الذى تقع فيه الصين مع شمال افريقيا الذى تقع فيه البلاد العربية، سوف يؤدى الى التاثير على مسيرة الاحداث الدولية، وسوف يساهم فى الوصول الى تعددية الاقطاب (جهاد حجازى،2018)، حيث أن هناك مصلحة عربية أصيلة في أهمية وجود أكثر من قوة دولية متنافسة تحقق بموجبها فائدة أكثر للعرب, فالقطب الصيني جاهز لأن تكون قوة عظمى لها دور عالمي بارز، في ضوء الواقع الدولي الحالي، كما أن العرب يحتاجون الى تقوية موقفهم التفاوضي, وكيانهم القومى، لأن العلاقات العربية – الصينية علاقات متشعبة الجوانب.

ولهذا كان لزاماً على الباحثين والمفكرين، بل وحتى الحكومات العربية إعطاء الأولية في الاهتمام لهذه العلاقات، ليس فقط من الناحية الأكاديمية، بل ارادة حكومات لِما توفّره من فرص متاحة أو ممكنة للدفع بالعلاقات العربية – الصينية، بما يخدم القضايا الأساسية والطموحات الاقتصادية والتنموية العربية، من دون إغفال ما يمكن لتعميق هذه العلاقات الاستراتيجية.

* #الدكتور عبدالكريم_بن_خالد: عضو في الفرع الجزائري للاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء (وحُلفاء الصين)، وأُستاذ محاضر تخصص في عِلم النفس الاجتماعي للمنظمات في جامعة أدرار – الجزائر، وإعلامي وكاتب مُمَارِس معروف بخاصة فى جريدة “الشعب” الجزائرية الرائدة، ولديه حصص إذاعية و تليفزيونية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.