“هانغتشو” تؤسس تفاهماً حزبياً وفكرياً عربياً صينياً

1

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
عَلاء سَاغَه*:

لم يقتصر الحضور في الدورة الثانية لمؤتمر الحوار بين الحزب الشيوعي الصيني وأحزاب الدول العربية، على الأحزاب والحزبيين العرب، بل توسّع الحوار ليضم في عضويته المفكّرين والإعلاميين والبحّاثة البارزين الناطقين بالضاد والمُشتغلين في شؤون العالمين العربي والصيني، ما أدى الى تعميق قاعدة التفاهم والتلاقي بين جميعهم، وتعمير المزيد من المداميك ما بين أصحاب الأفكار المؤطّرين والمؤدلجين والمتخندقين في خنادق سياسية وعقائدية قد تكون متضاربة، لكنهم تنادوا إلى بناء جسور التفاهم والصداقة، وتحاوروا في سبيل العثور على حلول للقضايا الماثلة أمامهم.

قد يقول قائل إن المؤتمر هو كأي مؤتمر آخر، لكن في الحقيقة هذا منافٍ للواقع وجوهر الحدث في الصين. فالصين دولة إشتراكية بألوانها ومناهجها الصينية، وهي تتمسك بأصول الاشتراكية والمجتمع الشيوعي المستقبلي وبالماركسية اللينينية، والمجتمع الشيوعي/ الذي تتمسك به القيادة الحزبية وأعضاء الحزب الشيوعي الصيني الذين قريباً سوف يصل عددهم إلى مائة مليون عضو/ هو جماعة بشرية كبيرة تقوم في أنشطتها وانتاجيتها على الإدارة الذاتية لمجتمعها البشري وعاملة لتذليل المُعضلات الاقتصادية، والإنسانية، وقضية التطوير التقني، والزراعي، والصناعي وغيره، بجهود الجماعة البشرية المؤمنة بالعمل التشاركي – الاشتراكي، وهنا بالذات نجد أهمية المؤتمر الذي نحن بصدده، والذي شارك فيه الاسلاميون كذلك اليساريون والقوميون بألوانهم المختلفة جداً والمتعددة كألوان قوس قزح، لكنهم التقوا جميعاً في الصين، وتحدثوا إلى بعضهم البعض وتناقشوا وتصادَقوا بروح الضاد والصين، واتفقوا على “بيان هانغشتو” الدولي العربي الصيني، الذي إستولد انطلاقة حزبية سياسية جديدة للصينيين والعرب، فدشّن نجاحاً لم يسبق له مثيل حتى في منصات أحزاب “الكومنترن” السابقة، أو الأُمميات الشيوعية المتعددة المشارب والتسميات والألوان، وتلك الأولى منها، والثانية، و الثانية والنصف، والثالثة، وحتى الأُممية الخامسة المُقترحة سابقاً تشافيزياً الخ.

يُعتبر “بيان هانغتشو 2018” أحد أهم وأشهر وأدق وأعدل البيانات السياسية والحزبية العالمية في عصرنا، نظراً للاحتداد والمواجهات المباشرة والمتصاعدة في العلاقات الدولية حالياً. فالبيان إذ يؤكد على أن الأحزاب المشاركة في المؤتمر “توصّلت إلى توافق واسع النطاق”، وتلاقي كامل حول “مبادرة الحزام والطريق” وتأييدهم لها، قد إعاد الألق الى تاريخ وأهميات العلاقات العربية الصينية منذ الأوابد – المآثر والشواهد البائدة من مادية ومعنوية، وإلى عصرنا الحاضر، والتلاقي بين الطرفين الصين والدول العربية في مسيرتهم الى “النهضة القومية” التي أدت الى أن يكونا وكما جاء في البيان، “صديقين عزيزين وأخوين شقيقين وشريكين حميمين، يَحرصان على تبادل الثقة سياسياً، وإجراء التعاون الوثيق  أقتصادياً، وتعميق التبادل والتواصل ثقافياً.. على الرغم من اختبار تغيرات الاوضاع الدولية”.

نلمس في البيان روحية عربية صينية عميقة وسعياً الى تأصيلها في ظروفنا المُعَاصرة، ويبدو أن المُجتَمِعين في الصين، توافقوا الى حد تعميد البيان بدفق روحي لم يسبق له مثيل على مر التاريخ المشترك، كما في أُسلوب عرضه، كذلك الأمر في عرضه وصياغته التي ارتكزت على التاريخ العربي الصيني المشترك منذ مئات السنين، ما يَشي بأن بيان هانغتشو يُراد له أن يكون أرضية حقيقية لتنمية العلاقات الأكثر كَسباً للجانبين العربي والصيني، إذ أنه يُخاطب، وسيبقى يخاطب لسنين وعقود وقرون قادمة طويلة، العقل حيناً، وفي حين آخر يُخاطب مشاعر شعوب وقوميات الصين وعالم العرب، بغية تسريع التقريب الإستراتيجي بينهم جميعاً، بسبب لزوم هذا التسريع في اللحظة السياسية الحاسمة الحالية للصين والعرب، وهو طرح عمّقه الإعلان عن موقف الصين إتجاه القضية الفلسطينية التي وصفها البيان بالعادلة، وتمسّك جمهورية الصين الشعبية بالقرارات الدولية حِيال حل هذه القضية، إذ أننا طالعنا موقفاً صينياً صريحاً بشأن الدولة الفلسطينية “المستقلة”  و “ذات السيادة الكاملة على أساس حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية”، و ضرورة  إقامتها، ما يَعني صراحة رفض الصين التام للسياسات الامريكية والاسرائيلية في ضم فلسطين وإلغاء الدولة الفلسطينية، التي نصّت مقاصد ومبادىء ميثاق منظمة الامم المتحدة والقانون الدولي على إقامتها، منذ قرار التقسيم الأول للمنظمة الأممية..

وجليٌ، أن الموقف الصيني من فلسطين والقضية الفلسطينية والدولة الفلسطينية وتطوير وتعميق وتأصيل والعلاقات العربية الصينية، وجَعلِها رفاقية وأخوية ألى أقصى حد، هو العامل الأول والحاسم في علاقات العرب شعوباً ودولاً (مُعظمِها)  بالصين.

الموقف الصيني من فلسطين إذ يستند الى القانون الدولي، يندرج في عقل الصين وقادتها ضمن القانون الانساني الدولي أيضاً وبلا أدنى شك، ففلسطين هي حجر الرحى والعامل الأهم في علاقات العرب بالصين حاضراً ومستقبلاً، فالمستقبل كما نثق هو للأُمة العربية، وليس للمُستعمِرين والإحلاليين والمُستوطِنين، وهذا المستقبل ستبنيه أمة عربية واعية مُجيّشة بالتحالف مع الصين وروسيا، لتحويل العالم أولاً، ولأجل مزيد من العدالة والانسانية فيه ثانياً، ولأجل ان نكون في مأمن دائم عن العدوان الثقافي والتحدي الحضاري الغربي، والنهب الكولونيالي الذي تعرضت وتتعرض إليه الشعوب والدول العربية والآسيوية والأفريقية، وهي خطايا غربية إستعمارية نهبت الصين وروسيا وأدمتهما، وما الاحتفال مؤخراً بالذكرى الأليمة لمذبحة نانجينع، سوى واحدة من ذكريات أليمة تدق في عالم النسيان البشري، لا يجب أن تتكرر على أرض الصين الحليفة، ولا على أية أرض شعب أخر في هذا العالم الذي نريده متآخياً على هدي “بيان هانغتشو”.

 #علاء_ساغه: كاتب #أُردني، ومساعد لرئيس #الاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء #الصين وعضو قديم بالاتحاد الدولي.     

تعليق 1
  1. عبد القادر خليب يقول

    مقالة متميزة و شاملة لفعاليات مؤتمر هانغتشو و تلخيص شاف وواف لبيان المؤتمر الذي توحدت فيه الرؤى العربية الصينية لمستقبل واعد في ظل التعاون و التوافق بين الحزب الشيوعي الصينيو الاحزاب العربية … شكرا للكاتب الاتحادي الواعد الاستاذ علاء ساغه… عبد القادر خليل/ الجزائر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.