الثِقل الحِزبي العربِي والدوليِ ينتقلُ إِلى الصِّين

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
يلينا نيدوغينا*:
كان الـ “كومنتيرن”، وبعد انهياره كان إتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، بقيادة الحزب الشيوعي السوفييتي، الراعيان الناشطان للأحزاب الشيوعية والاشتراكية واليسارية العربية، وأحزاب بلدان العالم الصديقة لروسيا وبلدان معاهدة “سيف”.
وفي موسكو، وفي عواصم جمهوريات سوفييتية أخرى، كان الحزبيون العرب والأُوروبيون، وغيرهم من ممثلي الأحزاب من كل القارات، يَجتمعون، ويَتباحثون ويُقررون المناهج والسياسات، الأعمال والأفكار في مواجهة الجشع الإمبريالي والوصاية الاستعمارية، تحت مظلة موسكو الحمراء.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بفعِل البيريسترويكا العميلة، وأزلامها الخونة وفسادهم، إنهارت كذلك اللقاءات والاجتماعات، المؤتمرات والتنسيقات الخاصة بهذه الأحزاب مع روسيا، ولم يعد لها وجود أبداً. فلا يُعقل أن تجتمع هذه كلها تحت وصاية أمريكية وغربية، باتت تهيمن رسمياً مذ ذاك الوقت ودون خجل، على وزارات روسيا، ومراكز الثقل السياسي والاقتصادي والفكري فيها!
واليوم، وبعدما ضبط الرئيس فلاديمير بوتين إيقاع روسيا، وانقذها من مهابطها الخطرة، انفحت روسيا على العالم، ومعها حزب روسيا الموحدة، الذي بادر للعلاقات مع سورية، برغم أن موسكو لم تعد منذ عهد بعيد حاضنة للعلاقات الحزبية مع الدول الاخرى، لكن الوضع السوري حتّم كما يبدو الى ترتيب علاقات جيدة مع دمشق أملتها ظروف موضوعية كثيرة.
وفي مراجعتي لتاريخ العلاقات “الجديدة”، الحزبية الروسية مع العالم العربي على وجه التحديد، لم أقرأ سوى خبر واحد، يُبرِز علاقات حزب “روسيا الموحدة”، برئاسة السيد ديمتري سابلين، رئيس مجموعة العمل لتنفيذ الاتفاقية بين حزب البعث العربي الاشتراكي وحزب روسيا الموحدة، مع الرفيق المهندس رضوان ابراهيم مصطفى، أمين فرع ريف دمشق لحزب البعث العربي الإشتراكي، والرفيق المهندس علاء إبراهيم محافظ ريف دمشق، حيث أكد أعضاء الوفد أن “مرحلة التعاون عن بُعد انتهت، وبدأ التعاون المباشر بصيغة الصداقة يَرسم ملامحه في العلاقة السورية الروسية”.
واليوم، وبعد تحييد الغرب وزعيمته أمريكا للأحزاب العربية دولياً، نرى كيف شرعت الأحزاب العربية الفاعلة في مجتمعاتها، تتحرك بنشاط مع الصين، وإلى جانبها طائفة كبيرة ومتنامية من الأحزاب بألوانها الشيوعية، والاشتراكية، والوسطية، والدينية حتى، لتلتقي برعاية واهتمام صيني في بكين، ومدن جمهورية الصين الشعبية، بعدما كانت بعض تلك الاحزاب معادية للصين تقليدياً وفكرياً وسياسياً، فإنقلبت الآية، وباتت الصين بحزبها الشيوعي المنضبط والساهر على حماية الدولة الصينية العريقة وتاريخها وصورتها، والمُتمسّك بمناهج وأيديولوجيا الماركسية اللينينية، والماوتسيتونغية، والاشتراكية بألوان صينية، مُبادراً مشكوراً لجَمع الأحزاب، والإتفاق معها على أرضية مشتركة للعمل، من أجل عالم الغد السلمي والمتساوي، ومن خلال الحفاظ على استقلالية هذه الأحزاب، واحترام سياساتها ومبادئها، لتكون قاعدة اللقاءات جوامع مشتركة، ومبادىء تُطبّق بزخم في قارات العالم، بعدما تجرّد هذا العالم من رافعة إشتراكية سوفييتية، كانت تقدر لولا العملاء، على تحويله وتكريسه لصالح المَحرومين والمُضطهَدين الذين يَصنعون بأيديهم وعقولهم إزدهار كل شعوب الكون.. فشكراً للصين وقيادة حزبها الشيوعي وفي مقدمته الرفيق شي جين بينغ، لمبادرته إلى بدء وتفعيل هذا الحوار، وجمع العَالَم الحزبي على أرض الصين وفي ضيافة حزبها الكريم والسخي.
في أوائل ديسمبر 2018م، إنعقد مؤتمر الحوار الثاني بين الحزب الشيوعي الصيني وأحزاب الدول العربية، في مدينة هانغتشو بالصين، وبرز هذا الحوار كبرلمان حزبي دولي ونموذج يرعى كتلتين دوليتين تَسعيان الى تشكيل قواعد للعمل السلمي، الهادف والهادىء، من أجل عالم أفضل يداً بيد مشابكتين..
وفي جواهر مؤتمر الحوار هذا، الذي انعقد تحت عنوان “يد بيد لبناء عالم أفضل”، جرت مناقشات حول محورين رئيسيين هامين: “الإصلاح والانفتاح: طريق التنمية وتبادل التجربة”، و”الحزام والطريق: تفاهم الشعوب وتلاقي المصالح”، وبرزت أفكار الحزب الشيوعي الصيني في إيلائه “إهتماماً كبيراً بمواصلة هذا الحوار والتبادلات مع أحزاب الدول العربية، وأمله في تعزيز التعاون الشامل ما بين الصين والدول العربية، من المنطلق السياسي، وقد حقّق الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب العربية، قفزة تاريخية من خلال التبادلات، والتعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والثقافة والتكنولوجيا، وأصبح ذلك نموذجاً للتعاون فيما بين بلدان الجنوب”.
وفي المؤتمر نفسه، نقرأ كلمات غنية المضمون في خطاب الرفيق سونغ تاو – رئيس دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حين قال، أن أرضية اللقاء يمكن أن تتمحور، برضى المشاركين، على “تعزيز الثقة الاستراتيجية المتبادلة للحفاظ على العدل والعدالة، وتقوية تبادل الأفكار لقيادة الإصلاح والتنمية، وتعزيز التواصل بين الشعوب لدفع التعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق، ودفع التعلّم المتبادل والتبادلات الثقافية”.
ونوه الرفيق سونغ تاو الى أن “الحزب الشيوعي الصيني مستعد لتعميق التبادل مع الأحزاب السياسية العربية باستمرار، والسعي لبناء نمط جديد من العلاقات الحزبية، لتقديم مساهمات أكبر في بناء مجتمع المصير المشترك بين الصين والعالم العربي، ودفع بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية والعمل معا لبناء عالم أفضل”.
خواتيم مؤتمر الحوار الثاني مهمة للغاية. لذا، نتمنى للمؤتمرات المقبلة للحوار بين الحزب الشيوعي الصيني وأحزاب الدول العربية، مزيداً من النجاح والتكاتف، للأخذ بجماهير العالم الى صرح عالم جديد، يأخذ بالحسبان وبعين الاعتبار تجارب الصين السياسية والفكرية والاقتصادية والانسانية الناجحة، والتي لم يَسبق لأحد ولا لدولة في تاريخ البشرية الإتيان بمثلها.

*#يلينا_نيدوغينا، رئيسة تحرير الملحق #الروسي، وعضو مؤسس  وقيادي في الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء (وحُلفاء) #الصين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.