إصلاح + إنفتاح = إزدهار..

1

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
الأكاديمي مروان سوداح:*

منذ نصف قرن أصادق وأُراسل وأزور الصين وأتابعها. أنذاك، في نهاية ستينيات القرن الماضي، كنت ناشطاً في الاستماع إلى برامج القسم العربي لإذاعة الصين الدوليةCRI، وفي قراءة مجلة “الصين اليوم”، ومجلة “الصّين المصوّرة”، والأخيرة توقف عن الصدور قبل عشرات السنين.

ومنذ بدايات حركة الإصلاح والإنفتاح، في عام 1978، كنت أنا أحد الذين تابعوها مُتعاطفاً ومؤيّداً وداعياً. حينها، كانت العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية والأردن قد أُعلنت “على الملأ” (07 أبريل/ نيسان 1977م). وحينها “إفتتح” عهد جديد بين الأردن والصين، بدلاً عن علاقات الأردن السياسية والحكومية مع تايوان، التي توقفت سياسياً ودبلوماسياً وحكومياً، لينتقل الثِّقل الأردني إلى البَر الصيني الرئيس والدولة الصينية الشعبية الاشتراكية، التي تمثّل كل الصين وجميع الصينيين.

في الأول من أكتوبر 1949،  أعلن الزعيم ماو تسي تونغ بمهابة، تأسـيس جمهورية الصين الشعبية رسمياً.. والتي بقيت على توجهاتها السياسية، ولم تتزحزح قيد أنملة عن نهجها الذي اختطته صوب نفسها واتجاه شعبنا العربي ويومياته، وغدت منذ لحظتها الاولى وإلى الآن، السّند القوي، والركن الموثوق، والكلمة الصادقة والأمينة والمبدئية التي لا تحيد في وصف الصديق بالصديق، والخصم بالخصم، فاكتسبت الصين وسياستها وحزبها الشيوعي القائد، وإلى الآن وإلى المستقبل، مصداقية سياسية وفكرية كاملة، مهّدت إلى علاقات مزدهرة ومحبة حقيقية بين عالمينا العربي والصيني، وأثمرت صروحاً شمّاء، ورِياضاً فيحاء، ومُروجاً خضراء باقية معالمها في زمننا وستبقى إلى زمن أحفادنا وأبنائهم، تُنبِئك عن فضاء شاسع، ومجد تليد، وعز منيع في علاقاتنا العربية الصينية.

لذا، يَحرص حُلفاء الصين و”اتحادنا الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء الصين” في مقدمتهم، على دعم وتوثيق تاريخ ويوميات حركة الاصلاح والانفتاح، والحفاظ على صفحاتها ونقلاتها ووهج وضياء الخطوات الأولى لهذه العملية، وللإبقاء على ألق الماضي في الحاضر، ولإضاءة الحاضر وطُرُقِه، بالارتكاز إلى نظرة موضوعية وثاقبة، تتسلح بِفِكر الرفيق الأمين العام والرئيس الزعيم شي جين بينغ، الذي يقود الصين بثقة وعلمية إلى عصر الفضاء والكواكب، والمجتمع الرقمي، والكفاية والازدهار، والتلاحم والتعاضد، و”الوحدة الإنسانية للجميع في الواحد، والواحد في المجموع”.

استذكر أنا شخصياً صين الستينيات، وما تلاها من عشريات عديدة، كما استذكر أولى التجارب الصينية النووية التحت أرضية، وعلاقات الصين الناشطة منذ ذلك التاريخ مع أفريقيا وقضايا العرب العادلة، ووقوفها إلى جانب الدول والشعوب عموماً، لكنس الاستعمار والإحلالية الأجنبية عن أوطانهم.

كما استذكر شخصياً كيف بدأنا في تلكم السنين، نتدرب على السلاح الصيني في معسكرات صغيرة. حينها كانت الصين، وها هي تبقى إلى الآن في عهد العظيم شي جين بينغ، تحافظ على قسمها الأيديولوجي وشرف حزبها الشيوعي ومنهجيتها المركزية، بدعم مُتعَبي العالم وطبقاته الفقيرة، الصانعة للخيرات المادية والروحية. ففي حين تنكّرت قيادات ومجتمعات الرأسمالية والبرجوازية لهذه الطبقات والفئات الأكثر عدداً وفاعلية، أخذت الصين تحنو عليها وترفعها عالياً وتعظم قيمتها. وتستمر هذه العملية الصينية الانسانية منذ حركة الإصلاح والانفتاح إلى يومنا هذا، حيث توجّه الصين جُل اهتمامها لمحو آفة الفقر والفاقة والقهر الذي يُعانيه الفقراء و”رقيقو الحال” في العالم أجمع، وضمن ذلك بتفعيل مبادرة الحزام والطريق العظيمة، التي تعمل على تغيير العالم، ومساعدته لإنهاض مليارات الفقراء والمعدمين من مهابطهم، إلى ذرى الحياة والسعادة، بعدما كان حَكم  رأس المال عليهم بالموت خدمة لجشعه وحروبه الإرهابية.

وهنا بالذات تكمن عظمة وحكمة وبُعد بصيرة الرفيق شي جين بينغ، في قيادة هادئة وهادفة وثابتة. هو نضال حقيقي لا يحيد ببوصلته في عملية قيادة دفّة الاصلاح والانفتاح في العصر الجديد، بزخم متسارع لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية وكل قومياتها وأممها. فما تشهده جمهورية الصين الشعبية مُعجِزةً لا يمكن لدول أُخرى اجتراحها، ذلك أن الدول الأخرى لا تملك ذلكم الحزب المنضبط والمطابق للحزب الشيوعي الصيني، كمّاً ونوُعاً وجوهراً ومَشهداً، ليقودها إلى مراتب المجد والعُلاَ.

إيماننا راسخ بحكمة القائد “شي” وقيادته لرجالات الدفّة الصينية من حوله، الذين يقودون البلاد الصينية إلى مصلحة وطنية متناغمة مع مصالح شعوب العالم ودوله المسالمة والواقعية، إذ أكد الأمين “شي” أن الصين ستعزز بناء مجموعة من المؤسسات المُصمّمة “بفكر جيد”، و”القائمة على إجراءات جيدة وتعمل بكفاءة”، “لضمان نظام الاشتراكية ذات الخصائص الصينية الأكثر نضجاً وراسخة”. وفي هذا يتبدى للعيان طبيعة النظام الاشتراكي الصيني، الذي يعتمد على “الفكر” و”المؤسسية” و”نظام” الاشتراكية بخصائص صينية الأكثر نضجاً ورسوخاً”، وهي ملاحظات هامة، تعكس للعيان سياسة عميقة، ترتكز على مؤسـسة علمية، منها المدارس والأكاديميات الفكرية للحزب القائد، والتي زرناها نحن قيادات ونشطاء “الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتاب العرب أصدقاء وحُلفاء الصين”، خلال تردّدنا المتعاقب على الصين بدعوات رسمية من قيادة الحزب الشيوعي الصيني الشقيق، منذ بدايات العمل لتأسيس “الاتحاد” وترأُسي له، في العام 2007، واستفدنا منها الكثير.

إن تصريحات الأمين “شي”، وكل ما يصدر عن الحزب القائد، يمنح الأمان للعالم بأن الصين تخطط، لكن في منحى إنساني جمعي وأُممي مدروس، وهي تقبل ملاحظات الآخر الإنساني والسياسي، لأجل أن تكون القرارات الصينية متناغمة محلياً ودولياً وفي صالح الصين والعالم.

لذلك، نؤمن أيماناً راسخاً لا يتزعزع ولا ينحرف قيد أنملة، بضرورة تفعيل هدف التّماهي والانسجام مع الحزب الشيوعي الصيني النابه وزعيمه الحكيم “شي”، لنتمكن معه وإلى جانبه من إنهاض أمتنا العربية ومُستضعفِي العالم، لبناء صروح الإزدهار والمجد والرفعة والرغادة، وليسجل التاريخ لأحفادنا وأجيال الأرض القادمة، أن الصين بقيادة حزبها أنتجت عَالَماً جديداً سوياً مع ناس العالم، بأيديولوجيتها الواضحة والثاقبة والشفافة التي تصب في مصلحة الجميع، وتسير في طريق مستقيم لا التواء فيه، إلى دفع الجميع لتحصيل الربح الشريف، وصناعة الازدهار الحقيقي، في إطار سياسة الوعي التطوري والإدراك الموضوعي للموضوعة المُستهدفة، المُستنِدة لزوماً إلى عقل جدلي شقيق ورفيق للعقل الصيني الشيجينبينغي الحكيم.

 

ومن الأهمية بمكان، أن نستذكر الكلمات الذهبية للأمين العام والرئيس شي جين بينغ، خلال خطاب ألقاه في مؤتمر ضخم وحاشد للاحتفال بالذكرى الـ40 لتطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح: “أن هذه الثورة الكبيرة دفعت إلى تحقيق قفزة نوعية للأمام في قضية الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”، و “بأن الإصلاح والانفتاح يمثلان نهضة كبيرة للحزب الشيوعي الصيني، ما يوفر إبداعاً أكبر لكل من النظرية والممارسة للحزب الشيوعي الصيني.”.

إن هذه الكلمات إذ تختصر المسافات بين السنة الأولى من الأربعين سنة وحاضرنا، تختصر أيضاً الوصف الأدق وجواهر عملية الانتقال الانفتاحية والاصلاحية، التي حافظت على النظرية والممارسة للحزب القائد في جسم واحد متناغم ما بين الفكر والتطبيق، فكان النصر العَمَلاني متواصل، وكان الإنتاج الأوسع في مختلف الحقول المطروقة إصلاحياً وإنفتاحياً ناجحاً وخلاقاً على كل المساحات الوطنية والاممية، وفي الحقول والمزارع، وفي المدن والقرى والأرياف والنواحي، ولدى الحَضر و”سكان الجبال” الصينيين، وفي شرقي البلاد الصينية حيث بدأ العملية، وكذلك في غربها الذي لحق بها، وبقي كل ذلك بإشراف دقيق وعادل من جانب الحزب الشيوعي الصيني، الذي أنجح الفكرة، وقاد المبادرة غير المسبوقة، وشق السُّبل، وشيّد العمران الحالي الذي عجزت الرأسمالية عن الإتيان بمثيل له.

وإذ يتأكد في التاريخ الصيني الحديث، سوية وفعالية حركة الاصلاح والانفتاح، وقيادتها علمياً ضمن نهج الاشتراكية بخصائص وألوان صينية، نافعة للواقع الصيني، الذي تحرّر بنضال الحزب الشيوعي الصيني وقيادته، من ربقة الاستعماريين والاقطاع والهيمنة الاجنبية، وتطوّر من الفلاحية إلى الصناعية، بقفزة جبارة بحركة الاصلاح والانفتاح، وتأييد كل الشعب لها، وحشده كل قِواه لتأمين نجاحها وتحليقها الحالي، تعلن على الملأ أنها لا تحيد عن الماركسية اللينينية، وتلتزم بالشروط الثابتة والتي لا تقبل الجدل والنقاش أو النظر، باستقلالية القرار السياسي والأيديولوجي الصيني، ولذلك كان خط سير حركة الإصلاح والانفتاح مأموناً وواضح المعالم، ومُخططاً له بدقة متناهية في خلايا التفكير في الحزب القائد، أخذاً بعين الاعتبار قدرات الشعب الصيني على الإتيان بالمعجزات الاقتصادية والمادية والروحية، والواقع الصيني الذي واجه بشجاعة جُملة دولية وقارية من التحديات، والظروف الموضوعية من حول الصين، والمعيقات العالمية، والتي بالمناسبة تتكاثر اليوم بإعلان الدول الامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة، عن “تحديها للصين!”، بفرض “العقوبات” الاقتصادية عليها، ومحاولة تحييد الأسواق في الدول الرأسمالية والثالثية عن البضائع والسلع الصينية بفرض ضرائب باهظة عليها، واتّباع الخصم سياسة العصا دون الجزرة مع دول بعينها، لإبعادها عن الصين ومِثالها الاجتماعي والسياسي التطوري والعقلاني.

وإذ يرفض الأمين العام شي جين بينغ الضغوطات الخارجية وبأنه “لا يمكن لأحد أن يملي على الشعب الصيني ما ينبغي أو ما لا ينبغي عليه القيام به..”، يؤكد في الوقت نفسه بأن الصين لا تقبل بها، ولا بأية استعلائية أجنبية تجاهها، وها هو يتمسك “بطريق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية وتطويرها”، لكنه يَلفت الانتباه إلى أنه “لا يوجد كتاب لقواعد ذهبية يجب إتّباعها من أجل الإصلاح والتنمية في الصين، البلد الذي يتمتع بحضارة تمتد لأكثر من 5000 سنة، ويقطنه أكثر من 1.3 مليار نسمة”، ويُشير إلى أن “طريق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية توفر طريقاً واسعاً للصين للتقدم مع الزمن وتوجيه مسار التنمية اليوم”، ويُركز قائلاً “سنُصلح بإصرار ما يجب وما يمكن إصلاحه، ولن نغير ما لا ينبغي تغييره، أو لا مجال لإصلاحه”.

الأمين “شي” يتحدث في الهدف والصميم، مُختصراً مرامي الصين التي تخصها داخلياً وتُعتبر مهمة لشعبها وحده. وبرغم العداء الذي يتحدث عنه البعض في خطابات غير ودية اتجاه الصين، إلا أن الأمين “شي” يلتزم الهدوء وسياسة تتسم بالروية، في عالم يتوسل من القائد الحكيم نقلات محكمة، لجهة الانتقال بالواقع الى جادة السلام وتفادي الصراعات والنزاعات، التي تحاول بعض القوى حشر الصين فيها، لسبب واضح هو، أن تلك القوى تجني الأرباح من صناعة الحروب والمواجهات، بينما الصين تنشغل بسياسة تبريد الأزمات، والانتقال إلى جادة العمل السلمي الكامل، لخير شعبها وشعوب العالم ومصالحها جميعاً، والتي ترى سوياً مع الصين، أن إحراز التطور والازدهار الحقيقيين، إنما يتأتى من خلال واقع السلام، ومِثاله الصين، التي تبذل احتياطياتها المالية والمادية عموماً لتطوير شعبها المثقف والمتعلم وشعوب العالم، ومن خلال البنك الآسيوي للاستثمار في البُنية التحتية، ورفع مستوى العالم وسويته في كل المناحي، وهي سياسة صينية نعلم من خطابات الأمين “شي” والسياسة الواقعية الصينية، تطبيقها في روابط الصين مع الدول الأخرى، بغض النظر عن أنماط وتوجهات تلك الدول فكرياً وسياسياً، لكون الصين تنادي بانتقال المجتمع البشري برمته سلمياً إلى عالمية وانفتاحية حقيقية، تربح منها كل الدول والشعوب، لا بعضها أو أحدها فقط!

  • الاكاديمي مروان سوداح: رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتاب العرب أصدقاء وحُلفاء الصين.
تعليق 1
  1. مروان سوداح يقول

    اخي ورفيقي استاذ محمود ريا الاكرم.. الف شكر لنشر المقالة.. نأمل ان يهتم بها من يهتم بالصين وعملية الانتقال الصيني الى العالمية ودراسة هذه العملية عميقا,, مروان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.