الأحزاب العربية في الصين!

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
طارق قديـــس *:

 

لم تأتِ المشاركة الجادة للعديد من الأحزاب العربية في المؤتمر الثاني للحوار بين الحزب الشيوعي الصيني وأحزاب الدول العربية، والمنعقد في هانغتشو بمقاطعة تشجيانغ (جنوب الصين) خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2018  من فراغ، والذي كان الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء الصين حاضراً فيه وأحد المشاركين البارزين مُمثلاً برئيسه الأستاذ مروان سوداح ونائبه أمين السر الاتحادي والمستشار الاول للرئيس الأستاذ محمود ريا مدير عام موقع (الصين بعيون عربية)، وإنما جاءت استجابة للدعوة الكريمة من القيادة الصينية والتي تؤمن بترسيخ العلاقات الصينية العربية الضاربة جذورها في عمق التاريخ العربي القديم والحديث، على اعتبار أن التلاقي بين الصين والدول العربية على المستوى الحزبي لا يقل أهمية عن التلاقي على المستوى الرسمي مع تلك الدول، مؤمِناً في الوقت نفسه أن لتلك الأحزاب دوراً مهماً في تعزيز العلاقات الصينية العربية، في حين وجدت الأحزاب العربية في المؤتمر فرصةً مواتية لتوضيح تطلعاتها وغاياتها من التواصل والتعاون مع بكين.

 

إن أهمية التلاقي مع الأحزاب العربية من وجهة النظر الصينية تنطلق في أساسها من إيمان القيادة الصينية بقيادة الرئيس شي جين بينغ بأهمية الحزب في المجتمع، والدور الحزبي المهم في قيادة التنمية المجتمعية والاقتصادية، والسياسية، وفهم الواقع المعاش للشعب الصيني بداية والعمل على تحقيق تطلعاته، حيث أشار الرئيس شي في التقرير المقدم إلى المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني بقوله “قد ادرك حزبنا بعمق انه من أجل تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية، لا بد من إنشاء نظام اجتماعي متقدم يتفق مع واقع بلادنا، فاتحد مع الشعب وقاده في إنجاز الثورة الاشتراكية”، وهو ما أسس بالتالي لإمكانية التلاقي مع الأحزاب العربية بما يعود بالفائدة على الصين من خلال عدة نقاط:

– إظهار الوجه الحقيقي للنمط الاشتراكي ذي الخصائص الصينية عن قرب للمشاركين من الأحزاب العربية، والتي ساهمت بالنهوض بالمجتمع الصيني وتثبيت الاقتصاد في مقدمة الاقصاديات العالمية في زمن قياسي.

– الاستفادة من أية ملاحظات أو توصيات من قبل المشاركين يمكن أن تُساهم في تطوير التجربة الصينية الحزبية، ودورها المجتمعي.

– التأكيد على أهمية دور الحزب في قيادة المجتمع نحو الإصلاح والتنمية، وتثقيفه لما فيه من خدمة تساعد بالارتقاء بالمجتمع تقافياً ومعرفياً.

– بناء جسور إنسانية مع النخب السياسية في البلدان العربية، والممثلة في الأحزاب العربية، والتي يمكن أن تشكل رافعة معرفية لأفراد المجتمع، وتثبيت الصورة الحقيقية للحزب الشيوعي الصيني في أذهانهم كحزب اشتراكي تقدمي يؤمن بالتعددية الحزبية، والانفتاح على الدول العربية وعلى مختلف الأصعدة.

 

فالدعوة التي أتت منفتحة على الأحزاب العربية كافة، بغض النظر عن توجهاتها السياسية، وعن عدد أعضائها وثقلهم الفعلي في بلدانها، أتت في جوهرها للتأكيد على دور الحزب بشكل خاص وضرورة تفعيل التاثير الحزبي في المجتمعات العربية. فيما فرض الواقع على الأحزاب العربية ضرورة المشاركة في المؤتمر لما يمكن أن يعود بالفائدة عليها بجوانب كثيرة. فالأحزاب العربية عانت على مر العصور من تقلبات شديدة من حيث الرؤى والتوجهات، فالكثير من الأحزاب العربية التي كانت تتكئ على الاتحاد السوفييتي انحسرت شعبيتها بعد سقوطه، ولم تتمكن بمعظمها من استيعاب معطيات الواقع حتى الآن، والأحزاب الأخرى سيطر على منتسبيها تحجر المعتقدات وحبُّ التسلط، بحيث فقد الشارع العربي الثقة في الكثير منها، إلى الحد الذي أفقدها التأثير المرجو منها في المجتمع. هذا بالإضافة إلى الواقع الصدامي الذي فُرضَ على الكثير منها مع القيادات السياسية في بلدانها، مما استدعى انكفاءها إلى الخلف، وصعوبة العودة إلى دورها على أرض الواقع.

 

ولما كانت تجربة الحزب الشيوعي الصيني تجربة فريدة في إثبات ارتباط الدور الحزبي بحفز الطبقة العاملة في المجتمع وتوظيف رأس المال بما يخدم الصالح العام، كان على الأحزاب العربية أن تمد يدها لمصافحة الحزب الشيوعي الصيني لتأخد الدروس والعبر في كيفية التعامل مع الطبقات الشعبية بحكمة ورُشد، بأن تكون قريبة منها ومعها ومنها، وتعمل على الارتقاء بها نحو أعلى المستويات، وأن تردم الهوة المعرفية والإنسانية التي طالما وُجدت بين النخب الحزبية والطبقات الكادحة في الوطن العربي، بحيث لا مكان للاستعلاء فيها ولا للتفاخر.

وإن أهم ما يمكن أن تستفيد منه الأحزاب العربية من تجربة الحزب الشيوعي كحزب قيادي يرتكز بالأساس على ما يلي:

–  ضرورة العمل على تحقيق الشعارات الحزبية على أرض الواقع، وترجمة الأقوال إلى أفعال، فلا تظل مصطلحات (العدالة، والمساواة، محاربة الفساد ..) مجرد شعارات براقة، أو ياقاتٍ بيضاء تُسْتَخدم في أوقاتِ الانتخابات، خاصة إذا ما كان للحزب دور قيادي في الحكم او في المجتمع، وذلك استنادا إلى قول الرئيس شي إلى أن “الكلام المجرد من الفعل يفسد الحكم، والعمل الواقعي يفضي إلى رخاء الدولة”.

ـ ضرورة إعلاء الصالح العام على المصالح الشخصية، وأن يكون الشعب هو مصدر القانون.

ـ ضرورة وجود مدارس حزبية تقوم على تأسيس المنتمين إليها على أسس صحيحة وسليمة، لا أن تظل المعرفة بالأسس الحزبية مبنية على اجتهادات شخصية أو قراءاتٍ فردية لأدبيات العمل الحزبي الماركسي واللينيني.

ـ ضرورة توجه الحزب لتثقيف المجتمع وتشجيع العُمال والموظفين على المعرفة بحقوقهم وضرورة محاربة الآفات الاجتماعية كالفساد، والتهرب الضريبي، التمييز العرقي والجنسي، والديني، حيث يجب العمل على تحفيز التنمية الاجتماعية، وإذكاء روح المبادرة لدى الطبقات العاملة بكل السبل المتاحة وإلى أقصى حد ممكن.

لذا على الأحزاب العربية أن تستثمر اليد الممدودة من قبل القيادة الصينية الرشيدة، وأن تتعلم من أخطائها في الماضي لتنطلق نحو المستقبل، وأن تتخذ من التجربة الحزبية الصينية مثالاً يُحتذى به في المثابرة والصمود وإعلاء المصلحة الشعبية فوق المصالح الشخصية، لما فيه من خدمة لكلا الجانبين على حدٍّ سواء.

  • طارق قديس: شاعر وكاتب أردني معروف، وعضو قيادي متقدّم في الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء الصين – الأردن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.