الحزام والطريق وضفافه!

0

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
الأكاديمي مروان سوداح*:

لا يختلف إثنان باحثان، أو حكيمان ومُلاحظان نبيهان، على أن مبادرة الحزام والطريق الصيني هامة وضرورية بنسب متساوية للصين ولكل العالم.

قد لا يُدرك البعض أهمية هذه المبادرة الصينية، بخاصة غير المشتغلين على أنفسهم لأجل “خصوصيتها الأممية”، لكن من جملة أهدافها، الأخذ بيد دول العالم الفقيرة والمتخلفة، الى العالمية الصناعية والتقنية، والحضرنة والتشغيل، والحياة الكريمة، بدل موتها وتعرّضها للنهب الاستعماري التقليدي للعالمين الثاني والثالث.

كثيراً ما أزور الصين، فقد بدأت بزيارتها بدعوات رسمية وغير رسمية عشرات المرات، منذ عشرات السنين، ولا أذكر عدد زياراتي إليها، لأن لا مجال لحصرها. الحق يُقال، إن الدولة الصينية والشعب الصيني  قد تغيرا كثيراً، فقد لاحظت جلياً، أن تطوّرات ضخمة طرأت على الحياة اليومية للصينيين، وغدت يومياتهم أكثر غنىً وتنوعاً، جمالاً واستقراراً وثقة بالمستقبل، بخاصة في العهد الحالي للزعيم شي جين بينغ، حيث طوّر الأمين العام الدولة، وفقاً لخطط الحزب العِلمية والصارمة، كما لم تشهد تطويراً وتحديثاً من قَبل.

واليوم لا أرى في الصين فقراء يبحثون في الشوارع، كما رأيتهم سابقاً، عن عُلب المنيوم فارغة لعصائر ما، برغم قلّتهم أنذاك، ولا يوجد مواطنين بملابس مُهلهلة، على قلتهم آنذاك أيضاً في القرن الماضي، بل إن الصينيين اليوم، صغيرهم وكبيرهم، يتاجرون مع العالم ومع بعضهم بعضاً، ويتلقون أرباحاً كبيرة، والدولة لا تسعى لمشاركتهم هذه الأرباح من خلال ضرائب أو جمارك كبيرة أو كثيرة، ولا تفرض عليهم متطلبات عالية للحياة اليومية، كما في فرنسا اليوم، ودول عربية وآسيوية وأوروبية عديدة، بل تفسح لهم المجال ليغتنوا ويرتقوا بأنفسهم مادياً ومالياً، لتحقّق الحكومة الحزبية بالتالي، إضافة نوعية وقيِمة وطنية كبرى مُضافة في تحسين حياة شعبها، الذي تعلّم صيد السمك يومياً، بدلاً من تقديم السمك إليه مطبوخاً ومُمَلّحاَ ومُبهّراً على طبق يومي!

في الحقيقة، لقد أنتجت الصين خلايا وبنوك تفكير عبقرية وهادئة التفكير، إستناداً الى تفعيلات “حركة الإصلاح والانفتاح” الصينية، وهذا “الانتاج” كان وما يزال يتناغم وينسجم مع تفعيلات هذه الحركة نفسها، وبرنامجها في مدّ سُبلها وقطاراتها وسفنها نحو كل أنحاء الصين والعالم، ومتزامناً في وقت واحد مع تعظيم حجم الإنتاج السلعي والفكري والروحي في الصين عموماً.

وفي هذا المنحى، عملت الصين وتستمر تعمل على تنمية قدرات التفكير لدى طلاب المدارس والجامعات، بصورة جادة وحقيقية و “منضبطة”، وتخليق “بنوك تفكير”، ولنقل بوصف أدق – “خلايا تفكير” وطنية، كما يُسمّونها بدقةٍ، تستطيع استنباط الأفضل في تطوير الصين، والأخذ بعين الاعتبار لإدراك العميق للانماط القومية والوطنية للحياة والمعتقدات الفكرية والتاريخية والدينية الكثيرة والمتواجهة أحياناً، التي تحملها وتحميها الشعوب التي تنتشر على ضفاف طريق الحرير الجديد – الحزام والطريق – ، والتي باتت تتزاحم اليوم للكسب من “الحزام والطريق”، وجذبه نحو أراضيها، في محاولة “للكسب السريع” من توظيفات الصين المالية الضخمة والبنك الآسيوي للاستثمار في البُنية التحتية، لتنتشل نفسها من الفقر والتخلف الحضاري والصناعي، والنهب والوصاية الاستعمارية التي بقيت منذ قرون تتحكم بها.

وإستناداً الى مختلف الدراسات والمؤشرات، ستنجح الصين في مدّ مسالك “مبادرة الحزام والطريق” الى العالم القديم أولاً، بقاراته الثلاث آسيا، فأفريقيا وأوروبا، بالرغم من التحديات الماثلة أمامها وأولها الغربية والأمريكية وبعض جهات وزوايا جنوب شرق آسيا، غير المتعاطفة مع الصين، وغير المُجسرة معها، كاليابان واستراليا، وبعضها يدور في فلك أمريكا، والدول التابعة للغرب، والتي تؤتمر غربياً بعرقلة سُبل هذه المبادرة الصينية، وتُؤمر بعدم التعامل معها، برغم أنها مفيدة لشعوب وحكومات الدول التي تعارضها، والتي تخشى للأسف من بطش الغرب وانتقامه منها.

يمكنني القول إن الأزمات السياسية والاقتصادية الخانقة التي يُعانيها العالم الثالث ودول شرق أُوروبا، وغيرها، ستحتم عليها دعم “مبادرة الحزام والطريق”، فلا مفر لها بدونها، سوى مزيد من الانهيار الاقتصادي فالسياسي والبُنيوي، ومواجهة ثورات متلاحقة ستأكل الأخضر واليابس فيها، ولا نتمنى لها ذلك.

في كل مرة أزور فيها الصين، ألحظ بأن القياديين الصينيين على وجه الخصوص، يُعمقون من فهمهم للدول والشعوب الأخرى أكثر من أي وقت مضى، فقد دنا زمن حاسم للصين والصينيين، يتطلب فهم وإدراك أوسع وأشمل لدقائق الحياة اليومية والفكرية والدينية للعالم الإسلامي، والعالم العربي، بكل خصائصهما وألوانهما وصراعاتهما على وجه التحديد، والتعامل معها بحذر، لكن بانفتاحية وثقة. فالعالم ليس الصين، والصين ليست العالم كله، لأن الكون الفسيح متعدد كثيراً، ومُلّون بألوان لا توجد حتى في قوس قزح!

الدول التي يمر من خلالها “الحزام والطريق، ولنأخذ كازاخستان وأفغانستان وحتى  باكستان مِثالاً، الحياة والتقاليد فيها لا تشبه بعضها بعضاً، كذلك الأمر في أهدافها الدولتية والقارية الآسيوية، وهذه الدول لا تتقاطع في الكثير، سوى في كونها ذات مجتمعات أو صبغات إسلامية، وهي متعددة الطوائف والمذاهب، ومنها ما هو متواجه للأسف، مع الأخذ بعين الاعتبار هنا، الصراعات القبلية والطائفية والحدودية هناك، والمستوى المختلف للحياة وأنماطها التقليدية لديها، بل وبالنسبة لتموجات التفكير لشعوبها في كل مجال، وأهداف هذه الشعوب، ومستوى ومرامي علاقاتها بمنظمة التعاون الاسلامي والصين.

وينطبق الأمر على كل دول شرق وجنوب آسيا، حتى تلك التي تكثر فيها الجاليات الصينية الكبيرة العدد، “بعشرات الملايين”، وهي جَاليات متجنّسة وغير متجنسة، لكنها فاعلة إقتصادياُ، وتلك الدول تعاني بدون توقف من توليد أمريكا، وغير أمريكا، الخلافات والصراعات بينها وبالذات في حوض ال”هارد لاند” الآسيوية، بهدف منع الصين من دخولها الاقتصادي، ورغبة بحصر الصين في البَر الآسيوي، بعد إقرار إغلاق “مضيق ملقا” عليها ومعه إغلاق منافذ البحرين الشرقي والجنوبي عموماً، وهو ما لا ولن تسمح به الصين وروسيا أبداً.. وهنا، وفي هذا المشهد المتوقع، ونرجو أن لا يحدث، يُزاح الستار عن ضرورة الإعلان الواضح عن التحالف الكامل والاستراتيجي والأعمق ما بين الصين روسيا، وتفعيل الجهود لكسب الهند والباكستان لبعضهما بعضاً كأصدقاء، وتبريد الخلافات الهندية الباكستانية، وصولاً الى محوها، من خلال النهوض الاقتصادي والاستثمارات، وتفعيلات الاقتصاد والتبادلات التجارية، فتقسيم المكاسب بينها، لتفشيل محاولة تصادمها على خلفية إقتصادية وجيوسياسية، وهو ما تحاول واشنطن توليده من جديد في وسط وغرب آسيا، لصَدمِ قطار “الحزام والطريق” وحرفه عن سكّته المؤدية إلى أفريقيا وأوروبا براً وبحراً.

واتصالاً بمستويات الشعوب التي تحيط بالصين، وتقع على طريقها الحريري الجديد، فلا يمكن ان نتوقع من كل مواطنيها، إدراكاً عميقاً للمشاريع الصينية، ولا معرفة كاملة بالأفكار الصينية، ولا عميقة بالاشتراكية بألوان ومناهج صينية، فتلك الشعوب تعيش يومياتها، بدون مدارس وأكاديميات سياسية أو فكرية، قريبة أو متآخية مع الصين وحزبها الشيوعي، وهذه الشعوب تنظر للصين، ببساطة، على أنها المنقذ لها من عثراتها التاريخية إقتصادياً، وأن تحصّلت على الدعم الصيني، فهي تكتب عنه وتتناوله في وسائل إعلامها شفاهة وكتابة بين مواطنيها لكن بصيغتها هي المُعتادة وطنياً وضمن توجهاتها الفكرية والسياسية، وعلى مستوى وعي قرائها، ووفقاً لِلُغاتِهَا وأساليبها، أفكارها واتّساقاً مع أديانها وطوائفها، مصالحها الشخصية، الاقتصادية والسياسية وغيرها، وطبقاً لمتطلباتها الوطنية الإعلامية والسياسية، المُتاحة لها، أو المَفروضة عليها، أو التي تشكّل نمطاً كتابياً وأدبياً، والمُعتمِدة لوناً محلياً أعلامياً وصحفياً لأوطانها، وليس أخيراً، تتناوله بلغة بسيطة متاحة لقرائها ومديات إستيعابهم للأحداث والمخططات والأفكار الصينية، وهو ما يوازي مثلاً ويتفق الى حد بعيد مع ما تطرحه الفضائية الصينية الناطقة بالعربيةCGTN، والتي تتخذ لنفسها لغة عربية سياسية “مُتاحة لجميع العرب”، ومفهومة لهم، وليس أخيراً، هي لغة وسطية ومقبولة للأنظمة السياسية العربية التي تختلف بشدة فيما بينها…

واتصالاً بهذه الجغرافيا السياسية الآسيوية، نلاحظ عودة واشنطن الى استفزاز الصين وروسيا وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، بدلاً عن التجسير السلمي معها، وهي سياسة واشنطونية كلاسيكية، تندرج ضمن مخطط يهدف الى طمر “مبادرة الحزام والطريق”، التي تعتبرها أمريكا مضرة باقتصادها وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية مع شرقي وغربي اوروبا، التي تنظر واشنطن الى دولها على أنها محميات أمريكية، خاضعة لها تماماً، وتأتمر بأوامرها، ومن المحتمل جداً أن يكون التصعيد الحالي المُفتعل  أمريكياً حِيال السعودية من جهة، وفي أوكرانيا ضد روسيا، و “ثورة السترات الصفراء” الفرنسية من جهة أخرى، مُندرجاً ضمن المخطط الأمريكي لتفشيل الصين في آسيا وأوروبا، وإفساح المجال لِمَا يُسمّى بِ “صفقة القرن”، وما يُشاع عن “مشاريع” أمريكية في المنطقة العربية الآسيوية والشرق أفريقية، لتكون بديلاً عن “الحزام والطريق”، وهو المخطط الذي يدفع ببعض الدول العربية الى تسريع “التطبيع” السياسي والاقتصادي العميق مع كيان الصهيونية الدولية – “إسرائيل”، الذي كان تأسـس في البداية، ووفقاً للوثائق التاريخية المُتاحة، كَ “دركي” و “مَخفر أمامي متقدم”، “لحماية طرق المواصلات البريطانية”، قناة السويس والبحر الاحمر، وللمحافظة على النهب الاقتصادي الاستعماري البريطاني للهند – “درّة التاج البريطاني”!، التي كانت مستعمرة للتاج الإنجليزي، الأنكلوسكسوني!

“خلايا التفكير الصينية” مدعوة اليوم إلى فهم كل شعوب آسيا ودقائق أديانها وعاداتها وتقاليدها، بل وأنماط تفكيرها كذلك، ودقائق نشرها الاعلامي وأهدافه الوطنية والأيديولوجية في كل بلد، وهو ما يَحفظ للمبادر الصينية زخم السير في آسيا، وفي غير آسيا أيضاً، التي تضج كأقدم قارة (أفريقيا) وأكثرها إنتاجاً فكرياً وفتوحات، بالكثير الكثير من الأفكار والصراعات، النزاعات والمواجهات، التي يُناط اليوم بالصين وبذكاء “خلايا التفكير” فيها، العمل على التجسير مع كل هذه الاختلافات والخلافات القارية والدولية العميقة، ونثق أن الصين تضطلع بهذه المُهمة التاريخية بإقتدار.

  ـ الأكاديمي #مروان_سوداح: رئيس الإتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء (وحُلفاء) #الصين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.