الصين والنجاح الاقتصادي بذوق ثقافي

2

موقع الصين بعيون عربية ـ
محمد بن الحبيب*:

ستة عقود تمر على إرساء العلاقات الدبلوماسية الجزائرية الصينية، تمر تاركة بصمات خالدة، تجلّت في تقارب متميز بين البلدين سياسياً واقتصادياً، مع العديد من الانجازات الرائدة في شتى المجالات، أثمرت فوائدا جمّة للطرفين، سيبقى التاريخ شاهداً عليها.

من ثمار جودة العلاقات بين الجزائر والصين تضاعفت التبادلات التجارية والعلمية والثقافية وغيرها، فقد كانت زيارتي الأولى إلى جمهورية الصين الشعبية التي تزامنت مع هذه الذكرى الستينية خلال عام 2018، بمثابة المقدّمة المختصرة لكتاب كبير تحفزك على قراءته مهما استغرق منك وقتاً أو مهما كان حجم الكتاب. لقد كانت زيارتي الى الصين في إطار تدريب خاص في مجموعة من المواضيع للدول النامية، لكنها كانت مُفعمة بزخم ثقافي وفني وسياحي كبير، لأن بلداً عظيماً وعريقاً في حضارته وتاريخه مثل الصين، لا يمكن أن تجد فيه فواصلاً بين الثقافة ومختلف العلوم والمجالات الأخرى، بل إنك ستلاحظ أن خلف كل نجاح وخلف كل إنجاز بُعداَ ثقافياَ وسلوكاَ حضارياَ ممتداَ من التاريخ الصيني، حيث تتأكد أن الصين اليوم ليست انبعاثاَ جديداَ منفصلاَ، بل هي امتداد لحضارة لم تنقطع في الأصل، وهذا يترجمه كل المواطنين الصينيين الذين تعاملنا معهم من عامة الناس وكذا النُخب والكوادر، الذين أطروا عملنا التدريبي.

وبحكم عملي كرئيس مكتب في ترقية المهن الفنية في قطاع السياحة والصناعة التقليدية، فإني كنت محظوظاً بالانضمام إلى الفوج التدريبي حول موضوع تكنولوجيا الخزف الصيني، حيث عشنا ذلك التناغم العظيم بين الجوانب التقنية في الخزف من جهة والعمق التاريخي الحضاري الصيني من جهة أخرى.

وبهذه المناسبة لقد كانت رحلتي مباشرة إلى مقاطعة جيانغشي، حيث التحقتُ بكلية جيانغشي للدراسات الأجنبية، وبرعاية وزارة التجارة لجمهورية الصين الشعبية.

لا أريد أن أحمّلكم معي التفاصيل الدقيقة والمتخصصة، فقد لا تعني الكثير لكم، لكن ولكل القراء العرب الذين أتقاسم معهم النظرة والخلفية التصورية لبلاد الصين الصديقة لكل البلاد العربية، فهي لا تمثل فقط بلداً بعيداً جغرافياً، وإن كان هذا هو الانطباع العام، فأنا عند عودتي كنت أمازح بعض الأصدقاء قائلاً لهم، حتى رسول الإسلام الأعظم صلى الله عليه وسلم الذي طويت له مسافات يَعتبرها بعيدة  قال: “أطلبوا العلم و لو في الصين”، وكلمة “ولو” تشير إلى أقصى مكان يصل إليه خيالك، ولكنها برغم ذلك تمثل عالماً خاصاً أيضاً ومستقلاً نتاج الخصوصية الديموغرافية لبلاد الصين، كشعب يقارب تعداده المليار ونصف المليار نسمة، وما حققته الصين من إنجازات إقتصادية كبيرة، بخاصة فيما تم إنجازه خلال الأربعين سنة الماضية بعد تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح منذ سنة 1978، وما عرفته الصين من مراحل مختلفة أسست بدورها منهجاً اقتصادياً خاصاً يُعرف الآن بالاشتراكية ذات الخصائص الصينية.

فلقد بدأ الصينيون العمل في ظروف صعبة كانت الأرياف الفقيرة تشكل الصورة الأولى للحياة، ولكن بفضل تلك الجهود والعمل المتواصل تجاوزت الصين الآن مراحل كبيرةُ في البُنَى التحتية، وهي في هذا العقد الرابع بعد الإصلاح والإنفتاح تعانقُ أهدافاً جديدةً تتعلق بحياة الرفاهية والحق في اقتطاف ثمراتِ الاقتصاد الناجح، بل إنها تطمح لأن تقود فلسفة تنموية خاصة وتعمل على تسويقها للدول العربية والإفريقية، وهذا ما وقفتُ عليه في كثيرٍ من الجهود الصينية خاصةً الإعلامية وحتى الاقتصادية والسياسية. و مِن ضمنها الدورة التكوينية التي كنت محظوظاً بالمشاركة فيها ضمن وفدٍ شَمِلَ مجموعةً تُمَثِلُ أكْثَرَ من عشرين دولةٍ من مختلف القارات أغلبها من الدول النامية خاصة من القارة الأمريكية، وآسيا وإفريقيا.

كما تزامنت هذه الدورة  أيضا مع الذكرى الخامسة (2013- 2018) لإعلان مبادرة الحزام والطريق الواعدة التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ، والتي كانت تعرف سابقاً بطريق الحرير، حيث كانت لنا قراءة في هذه المبادرة وما تحمله من منافع لاقتصاديات الصين وباقي الدول تجارياً واقتصادياً، وكل ذلك يترجم معالمَ منهجٍ اقتصاديٍ مغاير يمكن أن يُحقّق بدائل هامة في العلاقات الدولية الاقتصادية  والسياسية، برغم أنه مرهون بمدى إيجابية الكثير من الدول النامية، وقدرتها على تحقيق مستوى متقدم من التعاون الصيني العربي والصيني الإفريقي على الخصوص.

اعتقد أن عظمة الصين ليست ناتجة عن نزعة هيمنة أو سيطرة، وإن كان هذا في ثقافة الدولة الحديثة ليس أمراً مُعيباً، ولكن عظمة الصين الاقتصادية والسياسية هي امتداد لعظمة حضارية ببعديها الثقافي والعلمي وانعكاساتهما الاجتماعية والسلوكية.

إذا أردتُ أن يكون هناك ملخصاً لانطباعي كمواطن عربي ومن دولة نامية كالجزائر، زار الصين في رحلة قصيرة دامت شهرين، مقارنة مع حجم دولة الصين، فإني ألخّصه في إنطباع عام وهو الإحساس بالعثور على النموذج القدوة نحو الصعود الاقتصادي خاصة، ولكن في الوقت نفسه المُسْتَفَاد من صعود الصين الناتج عن النجاح الاقتصادي والسياسي الحقيقي هو أيضا بطعم نجاحٍ ثقافي، حيث يتحقق التوازن للفرد والمجتمع، وتتحقق الخصوصية مع الانفتاح وتتثبت الهوية الوطنية مع العالمية والتعايش السلمي المتناغم، مما يجعل هذا النجاح الذي انفردت به الصين نموذجاً خاصاً بها يستحق الإقتداء من باقي الدول.

فبالرغم من القدرة على الاستقلالية التي يمنحها الاقتصاد الصيني للصينيين، لا سيما الحجم الكثيف للاتصال الداخلي، والمُشبّع بالأعمال البينية الداخلية، إلا أن ذلك لم يقض على جذوة  السلوك الحضاري والثقافي في استكشاف الآخر بكل احترام، وتقبلاً للتنوع الإنساني، فقد لمست ذلك جَلِياً في سلوك مُدَرِبَنَا البروفسور الصيني، كما لاحظته في سلوك ذلك الطفل الصيني حين يَراك فيحاول من خلال بعض الجُمل الإنجليزية أن يُعبّر لك عن قدرته ورغبته في التواصل بكل حب وإنسانية معك، وهذه صورة ثقافية لامعة تستحق أن يفتخر بها الصينيون.

كما أن إدراك الصين لحجم الاقتصاديات الأخرى في العالم، وما تتطلبه من منافسة في المعلوماتية والتكنولوجيا وكل التقنيات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لم يُثْنِهَا عن بدل جهود أكبر من أجل تثمين موروثاتها الثقافية المادية وغير المادية. فلا يمكن أن أنسى تلك الصورة الرائعة التي عشتها في قطاع الخزف في مدينة السيراميك وعاصمته في العالم، إنها مدينة “جينغدتشن”، حيث تتميز بالفخّار منذ آلاف السنين، والخزف منذ أكثر من 1700 سنة، فتجد فيها مجموعة مؤسسات تجمع فنيين ماهرين في الخزف والزخرفة ومتحفاً عظيماً مثل “متحف جينغدتشن للسيراميك”.

والمدهش فِعلاً أن يُتَوَجَ هذا القطاع بجامعة دولية للسيراميك ليجتمع الفن والتكنولوجيا والثقافة، فيزدهر هذا القطاع من خلال تثمين رصيده التاريخي بالمتحف، ويزدهر بامتزاج الإبداع العالمي في الجامعة الدولية، وهو نجاح ثقافي أيضاً.

لم تكن لدي تجربة سابقة بالمطبخ الصيني، لكنه أصيل وله تميّز وتنوّع يتماشى ويُشبه التميّز العمراني والمناخي والبيئي للصين، وله بعض المِيزات الانفرادية في بعض التقاليد، كالمائدة الجماعية على سبيل المِثال، مما زاده جمالاً لاحظته خلال تنقلاتي الواسعة في مختلف المناطق الصينية، حيث تجد كثيراً من الطقوس المتناسقة، والأهم من كل ذلك هو الإحساس بالثقافة الصحية للمطبخ الصيني الذي يعكس بُعداً ثقافياً وعِلمياً يَمتد على مدى التاريخ أصالةً وخصوصية، يتّصل عضوياً بالطب التقليدي الصيني، الذي استطاع أن يؤسس لعالمه وأسلوبه الخاص مركزاً ومكانة هامة عالمياً برغم تقدم الطب الحديث.

كما استمتعت في زيارتي لشركة إنتاج الشاي بعرض شيق لتقاليد الزواج، الذي عادة ما يكون حاضراً بقوة في مثل هذه المناسبات، وكل ذلك يُعطي البُعْدَ الثقافي حضوره الدائم في أي عمل وأي إنجاز. ولا يمكنني أبداً أن أخفي فخاري واعتزازي باستفادة بلدي الجزائر من تجارب الصين في شتى المجالات، ومن أبرزها مجال الثقافة الذي يُوليه البلدان أهمية بالغة، ويَسعيان لتوسيع التعاون والتبادل فيه وفي غيره من الحقول منذ سنوات كثيرة.

وأخيراً، ومن أهم ما شدّ انتباهي بالإضافة إلى ما قدّمته باختصار شديد، هو نموذج من شواهد على الحضور الدائم للحس الثقافي في شتى مناحي الحياة والأعمال، ومنه النجاح الباهر في التسيير الحضري للمدن، وهو نجاح يواكب متطلبات التنمية المستدامة. فحين تجد – رغم كل ذلك النشاط الاقتصادي – هناك جهود كبيرة في المُدُن الصينية، وعناية خاصة للمساحات الخضراء بجمال ونظافة كبيرين عجزت عنهما الكثير من الدول النامية، ورغم الفرق الشاسع في الظروف والمعطيات الديموغرافية منها تحديداً، وهو نجاح أراه مؤشراً دامغاً على أن جمهورية الصين الشعبية مُقبلة على شغل مكانة عالية في المستقبل على مستوى العالم الجديد، وهو طموح مستحق خاصة عندما نقرأ الكثير من المقالات التي تتحدث عن قرن الفكرة والصناعة الثقافية بعد قرني المعسكرات السياسية والتكتلات الاقتصادية، وكل ذلك يرجع إلى الإدارة الحكيمة للبلاد بعناية وتوجيه وحدب من لدن الحزب الشيوعي الصيني بقيادة رشيدة لأمينه العام والرئيس شي جينغ بينغ المحترم .

  #محمد_بن_الحبيب: كاتب من #الجزائر في مجال السياحة والصناعة التقليدية، وعضو في الفرع الجزائري للاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكُتاب العرب أصدقاء (وحُلَفَاء) #الصين. رئيس مكتب ترقية الصناعة التقليدية بمديرية السياحة، عضو في الجمعية الجزائرية للتراث والبيئة وتحسين المناطق الصحراوية، وعضو في الجمعية الجزائرية للتوعية والتنمية الاجتماعية.

2 تعليقات
  1. اللبدي عبد الرحيم يقول

    الأخ محمد بن الحبيب شكرا على مشاركتك لنا لتجربتك السياحية والثقافية والصناعية في الصين ودمت همزة وصل فعالة بين الجزائر والصين

  2. رياض بن تيمة يقول

    مقال في المستوى يعكس مدى التطور الذي شهدته العلاقات الثنائية بين الجزائر والصين من منظورها الاقتصادي والثقافي ،وهو حوصلة عن تجربة شخصية عاشها الكاتب تعكس مدى اعجابه بالعملاق الصيني على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية ،ونتمنى أن يحض بفرصة ثانية من أجل أن يسرد لنا عن تجربة جديدة تكون أكثر شمولية.بالتوفيق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.