في ستينية التحالف التاريخي

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
الأكاديمي مروان سوداح*:

مشكوراً، كلّفني الأخ الأُستاذ محمود ريّا، أمين السِّر الاتّحادي، والنائب الأول لرئيس “الاتحاد الدولي”، ومدير عام موقع “الصين بعيون عربية”، ومدير النشرة الإلكترونية لموقع “الصين بعيون عربية”، كتابة مقالة عن الذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين الجزائر والصين، مُشدّداً في الوقت نفسه وبلطف وكياسة وذكاء يتميّز بها الزميل ريّا، أنه لا يمكن لعددِ النشرة الإلكترونية أن يُنشر دون أن يشتمل على مقالة بإسمي كرئيسٍ للإتحاد الدولي، برغم من أنني غير متخصص بالعلاقات الجزائرية الصينية.

خلال تقليبي صفحات تاريخ العلاقات بين الصين والجزائر، وهي كثيرة وشيّقة، علِمت أن الحزب الشيوعي الصيني بادر ما قبل استقلال الجزائر الى تشييد علاقات رفاقية وعميقة مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية، ذلك أن الحزب الشيوعي الصيني وقف طوال زمن النضال التحرري في الجزائر إلى جانب حركة التحرر الوطني الجزائرية، في مواجهة الاستعمار الفرنسي، ومؤيّداً لسيادة الجزائريين على تراب وطنهم، ومسانداً لإستقلالهم الناجز وكرامتهم الوطنية.

أنذاك رأت الصين بعينيها الثاقبتين وعقلها الراجح، كما هي دوماً، أن فرنسا على باطل في سيطرتها على الجزائر والجزائريين، فبادرت الى تعرية قوية لإدّعاءات باريس بـِ “قانونية” فرْنَسَةِ الجزائر والجزائريين وجعلهم قطعة من المتربول الفرنسي، برغم أنهم يختلفون جذرياً عن فرنسا والفرنسيين في كل شيء مادي ومعنوي، ومن ذلك في اللغة والتاريخ والثقافة والعادات والتقاليد والمشاعر، وليس في نهاية المطاف إختلاف سِحَنِ وجوههم، وأنماط تفكيرهم  ولون بشرتهم، كذلك في رقعة الجغرافيا المختلفة لكل من البلدين المتقابلين على جانبي مياه “المتوسط”، الفاصل بينهما بمسافة 1,033كم بخط جوي مستقيم، بحسب المراجع المُتاحة.

قصّة بدء العلاقات الدبلوماسية أولاً بين الدولتين الجزائرية الصينية، وقصة إقامتها صينياً مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية جاذبة ولافتة للانتباه، وهي تختصر قصص نشوء العلاقات التحررية والدبلوماسية بين الصين والدول العربية. ونلاحظ على مِثال الجزائر، أن القيادة الصينية مُمثّلة بالرئيس المُحرّر والمؤسس ماوتسيتونغ ومساعده رئيس مجلس الدولة (رئيس الوزراء) “شو إن لاي”، بادرت في اليوم الأول للشهر الأول لنيل الأشقاء الجزائريين استقلالهم (19 سبتمبر عام 1958)، الى مباركة هذا الاستقلال الذي تقدّم المجاهد، عبد الحميد مهري، باقتراحه تعيين يوم 19 سبتمبر 1958 تاريخاً لميلاد الدولة الجزائرية الناشئة من رحم ثورة أول نوفمبر المجيدة، فأول حكومة مؤقتة جزائرية.

وباعتراف الصين بالدولة الجزائرية الوليدة، وإمضاء الجزائر على إتفاقية تأسيس العلاقات الدبلوماسية، وتتالي الاعترافات بعدها بالدولة الجزائربة المستقلة، والاتفاقيات التي وقعتها مع غير الصين أيضاً، صار لها وجود قانوني ودولي جديد تمكّنت من نيله بجدارة بعد تضحياتها الجِسام التي قدّمتها في مجرى النضال التحرّري الطويل والكفاح السياسي والفكري والدبلوماسي المضني.

شكّل تبادل رسائل التهاني الحارة وطلبات تأسيس العلاقات الرسمية بين الجزائر والصين، تحرّكاً تاريخياً يدل بدون شك على أن جمهورية الصين الشعبية الكبرى، كانت تبادر فور إستقلال أي بلد شعبه حليف لها إلى إقامة علاقات ذات مغزى عميق وإيّاه، وهذا ما حدث مع عددٍ من الدول العربية بعد استقلال الجزائر التي شرعت الصين الى مساندتها دبلوماسياً، والى دعمها سياسياً وتسليحياً واقتصادياً، والدفاع عنها من على منابر المحافل الدولية أيضاً، ذلك أن الأيديولوجيا الصينية وإيديولوجيات قوى التحرّر في العواصم العربية السيّدة على نفسها، كانت تتلاقي وتتقاطع إن لم يكن في كل الطروحات والأفكار، ففي معظمها، وهو عامل أدى الى تفاهمات فورية بين هذه العواصم العربية وبين بيجين، ما أدى الى فتح الأبواب بسرعة البرق الى علاقات متشعّبة بينها وبين الصين في مختلف المناحي والمَناشط.

وعلى الضفة الجزائرية  الوطنية – الأممية أيضاً، ووفقاً للمراجع الرسمية الصينية، فأنه وفي نفس اليوم الذي شهد تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، أرسل رئيس الوزراء الجزائري برقية مُجَيّشة بالمشاعر النضالية إلى الرئيس المؤسس ماو تسيتونغ، أعرب فيها عن أن الصين أصبحت واحدة من الدول الأُولى التي اعترفت بالحكومة الجزائرية.

كما ويذكر التاريخ، أنه وعقب استقلال الجزائر، أرسلت الصين مساعدات ومساهمات طبية محسوسة للجزائريين، شكّلت أول بعثة طبية عالمية تصل لنجدة الدولة الجزائرية حديثة الولادة، فتأكد أنذاك للشعب الجزائري والعالم أجمع، أن الصين تحترم طبيعتها التحالفية مع حلفائها على مِثال الجزائر، وهي طبيعة باقية الى الآن إلا أنها تعمّقت في مختلف المجالات وتعزّزت، وستغدو أكثر متانة وبُعداً بعد توظيف مبادرة الرئيس شي جين بينغ الحكيم، الموسومة بِ “الحزام والطريق”، على تراب الجزائر التي تَعتبر الصين المُستثمِر الأول والمضمون والرفيق الموثوق والأنجح على ترابها، بعدما كانت فرنسا تشغل في الجزائر المكان الأول في العملية التجارية، ويقيناً أنه لا يمكن لمختلف الدول الغربية، وبضمنها فرنسا، الحلول محل المنتجات الصينية، ناهيك عن مجال الاستثمارات بخاصة “الثقيلة” منها على وجه التحديد، وذلك لأسباب جوهرية عديدة لا مجال لتشريحها هنا، لكن بضمنها ممانعة الاقتصاد الغربي استكمال بناء الدول الثالثية وإزدهارها، لئلا تكفي نفسها بنفسها من منتجاتها الوطنية، فتبقى مرتبطة بالأجنبي ومُعَلّقةً شروطه.

وقفت الصين كذلك بقوة الى جانب الحق الجزائري بمواجهة إجراء فرنسا والكيان الصهيوني “تجاربهما” النووية على تراب جنوب الجزائر، ما بين بين 1960 و1966، “لتعزيز قدراتهما النووية”، الاستعمارية طبعاً، والساعية عملياً  في أبعادها الإستراتيجية الى تهديد القارة السمراء برمتها، وقد شكّلت هذه “التجارب” المزعومة، حرباً مباشرة وحقيقيةً على الدولة والشعب الجزائريين، وانتهاكاً فظّاً لسيادة الدولة الجزائرية وأمنها ومستقبلها السيادي وخطيئة بحق القانونين الدولي والإنساني، وما تزال المآسي البشرية جرّاء هذا العدوان النووي ماثلة وحيّة الى اليوم هذا في الجزائر، وترفض فرنسا “الديمقراطية” – التي تصدت بالرصاص لأصحاب السترات الصفراء في باريس ومدن الدولة الفرنسية – أبداء أسفها على أقل تقدير، أو تعويض الدولة والشعب الجزائريين عن استشهاد أعداد كثيرة من المواطنين الجزائريين، والتسبب بعاهات مُستدامة لعشرات الآلاف غيرهم، أما “الكيان” المجرم الذي اعتبر الجزائريين “فئران تجارب” له، والجزائر “حقل تجاربه”، فما زال يتآمر على الجزائر والحقوق العربية الى اليوم، مُحاولاً استحداث خريف جزائري لصالحه، لمواصلة تجاربه النووية هناك، لكننا نثق بأنه لم ولن يَفلح في مساعيه هذه، لأن تحركاته مفضوحة ولن تُنسى تاريخياً وجزائرياً وعالمياً.

 

باختصار، نشهد اليوم وفي ستينية التحالف التاريخي الدهري الجزائري الصيني، دخول علاقات البلدين في سماءات ذهبية تفي بمرامي وأهداف التحالف، الذي هو أعلى وأرقى وأعمق من سِمة الصداقة، فهو تحالف يسير بثقة في نقلاته اليومية عضوياً وبشد متواصل لأزر الطرفين لبعضهما بعضاً، في كل المناحي والفضاءات بدون استثناء.

  ـ #الأكاديمي_مروان_سوداح رئيس #الإتحاد_الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء #الصين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.