الصين والجزائر: حكاية صداقة ونضال

0

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
محمد زريق:

عند الحديث عن الأخوّة والتعاون المشترك وكمواطن عربي أولا ولبناني ثانياً، لا يغفَلُ عن بالي أبداً اسم “الجزائر”. الجزائر هو الوطن العربي الكبير بأرضِهِ وناسِهِ، والعصي على الظلم وعلى كل الاحتلالات، فقد علّمنا الشعب الجزائري المعنى الحقيقي للحرية والكرامة الانسانية خلال ثورة “المليون شهيد” ضد المستعمر الفرنسي وغيرها الكثير من الثورات. إنَّ الجزائر كانت الصديق الدائم والوفي لكافة الدول العربية، وكان رأيها يمثّل العقل الراجح، لأنها دولة حرة ومحايدة ولم تعرف معنى التطرف يوماً، كل تلك المميزات تجعلني كمواطن عربي أفتخر عند الحديث عن الجزائر لأنها مفخرة لنا نحن العرب.

للجزائر فضلٌ علينا وهي تستحق ملايين الصفحات والكتب والمقالات، وأشعُرُ بالخجل لاستذكارها اليوم. لانها ذكرى مجيدة “لاقامة العلاقات التاريخية والاقتصادية بين الصين والجزائر”، ولأنه حدث مميز وكبير، أكتب كمواطن عربي وأنطق باللسان الجزائري كلمات فخر واعتزاز بالتحالف مع واحدة من أهم القوى الدولية في عصرنا الحالي.

لم تخطىء الجزائر حينما قررت مد يد الصداقة والشراكة للصينيين، ربما لأنَّ الجزائر قد عانت كثيراً من نير الاحتلال وتاريخها الطويل المجبول بالدم يخبرنا كل الحكاية، دون الرجوع إلى مصادر أو مختصين. إنَّ الجزائر وبكامل إرادتها اختارت اللحاق بالركب الصيني باكراً، لأنها علمت أنَّ الصين هي نصيرة المظلومين وهي دائماً إلى جانب الفقير والمهدور حقه في هذا العالم. وقد كانت ثمرة هذه الشراكة الاستراتيجية وقوف الصين سياسياً إلى جانب الجزائر وتأييدها لحرب التحرير الوطنى الجزائرية ضد المستعمرين، ولم تأخذ هذه العلاقة طابع الحلف السياسي فقط إنما تعدّتها لتكون علاقة صداقة وتعاون في كافة المجالات الاقتصادية والعلمية والتقنية والطبية.

كانت الصين أول من اعترف بالحكومة المؤقّتة المكافحة لفرنسا وكان ذلك في أيلول من العام 1958، وبعد أن نالت الجزائر استقلالها بفترة قصيرة، تحديداً في العام 1963، أرسلت الصين فريقا طبيا خصيصاً للشعب الجزائري، وكان أول فريق طبي صيني يدخل إلى القارة الافريقية من البوابة الجزائرية، وقد تطور هذا التعاون الطبي التاريخي إلى درجة عالية، خدمةً للشعبين الصيني والجزائري ولانقاذ مريض من الخطر. وقد أرسلت الصين فريق عمل كبير لإغاثة الجزائريين بعد أن ضربت هزة أرضية الجزائر في أيار من العام 2003 كانت نسبتها 6.2 درجات.

إنَّ العلاقة بين الصين والجزائر اتخذت طابع الاحترام والنديّة، كما كافة علاقات الصين مع الدول الاخرى؛ ولكن العلاقة بين هذين البلدين كانت مميزة، أولا لوقوف الصين إلى جانب الجزائر ضد المستعمر والمطالبة بالاستقلال والتحرر، وثانياً لوقوف الجزائر إلى جانب الصين والمطالبة بإعادة المقعد في مجلس الأمن لدى الأمم المتحدة إلى جمهورية الصين الشعبية لأنها الممثل الوحيد للشعب الصيني، كل هذا التناغم السياسي والعمل المشترك أنتج علاقة وصلت إلى درجة الصداقة بين الصين والجزائر.

إنَّ الزيارات المتبادلة على الصعيد الرسمي بين الجانبين الصيني والجزائري أدت إلى إبرام الكثير من الاتفاقيات ومن خطط عمل استراتيجية مشتركة. بالاضافة إلى الاتفاق على الكثير من المسائل الاقليمية والدولية والسير على نفس النهج وتحت رؤية مشتركة أو على الأقل متشابهة. تلك الاتفاقيات والزيارات أدت إلى تعزيز التعاون بين الصين والجزائر، وفي العام 2006 تمَّ التوقيع على بيان بشأن تطوير علاقات التعاون الاستراتيجية بين البلدين.

إنَّ العلاقات السياسية والثقافية الطيبة أدت إلى دفع عجلة الاقتصاد بين البلدين إلى الامام، ففي العام 2007 على سبيل المثال وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 3 مليارات و828 مليون دولار أميركي، بزيادة 83 بالمائة عن الفترة المماثلة من العام الاسبق. واليوم إذا قُمتَ بزيارة إلى الجزائر فستشعر بمدى التعاون الكبير بين البلدين وعلى كافة الصعد، فالشركات الصينية في الجزائر تتزايد بشكل هائل يوماً بعد يوم، هذه الشركات تعمل على إتمام أعمال البنى التحتية والاتصالات والمواصلات والطاقة والري، والصين أيضاً هي القائمة على الطريق السريع المؤدى من شرق الجزائر الى غربها، وأيضاً الطريق المحورى الاستراتيجى للدول فى شمال افريقيا على طول البحر الابيض المتوسط.

في هذه الذكرى المجيدة “ستينيّة التحالف التاريخي بين الصين والجزائر”، أرسل باقة من التحيات إلى الحكومة الجزائرية وتهنئة إلى الشعب الجزائري، وأقول “إن الشعب الجزائري اليوم محظوظ بقيادته التي اختارت مد اليد إلى الصينيين وإقامة جسور التعاون الاستراتيجي بين البلدين وكم أتمنى أن تصل العلاقات بين لبنان والصين إلى مستوى مشابه لما وصلت إليه العلاقات بين أخواننا في الجزائر مع الصينيين”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.