موقع متخصص بالشؤون الصينية

لماذا مبادرة الحزام والطريق..؟

0

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
عبد الإله جبر المهنا*:

مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ، جاءت لتعزيز الواقع التاريخي الذي يعود الى ما قبل ألفي سنة، والذي كان يربط الصين بحضارات قائمة أنذاك، وكان له الفضل كذلك في نشر الثقافات وتلاقحها، أضافة الى التبادل التجاري النشط، ولكون التنمية العالمية واجهت صعوبات في الانتشار نتيجة لسلوك بعض الدول للاستحواذ على الموارد العالمية بشكل جشع، كان من الضروري وهذه الحالة أن يتقدم الرئيس “شي” بمبادرة الحزام والطريق التي أعلن عنها في عام ٢٠١٣، بهدف رئيسي هو تحقيق تنمية تتسم بالمساواة والمنفعة المتبادلة، من خلال إيجاد كيان أقتصادي عالمي يسعى الى تقليل الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، وتوفير حلول للمشاكل التي تواجة البشرية، إضف الى ذلك لزوم إحداث تنمية اقتصادية تنقذ العالم من الفقر.
الذين يملكون الاهتمام المشترك لن تفصلهم الجغرافية البعيدة، هذا هو جوهر مبادرة الرئيس “شي” الذي التقطه العالم الذي سيحتفل في أيلول/سبتمبر القادم بالسنوات الست على إطلاقها العالمي من بكين، ولو نظرنا بعين المراقب على حجم الانجازات الاقتصادية والتجارية، وحجم التجارة السلعية بين الصين والدول المنضوية تحت خيمة مبادرة الحزام والطريق، نجدها قد بلغت مليارات الدولارات الامريكية، كما وقد بلغ حجم الاستثمارات مليارات اخرى من الدولارات، وبالرغم من السياسية العدائية للإدارة الامريكية التي تتخذ قرارات حمائية مخالفة لقوانين منظمة التجارة العالمية، يبرز دور الصين كدولة كبيرة تلتزم بالمسؤولية العالية والعالمية تجاه الاقتصاد العالمي الذي بدأ يستشعر على نفسه ميدانياً أهمية المبادرة، التي تستمر في إيجاد فرص اقتصادية هائلة لكثير من الشعوب ويرافقها زديادة في معدل النمو بالرغم من التقدم البطيء للاقتصاد العالمي.
تُولي الصين اهتماماً كبيراً لاستقرار منطقة “الشرق الاوسط”، ودعم جهود تحقيق السلام ومكافحة الإرهاب وتحقيق الأمن والاستقرار، وهي قضية لا تجذب اهتمام الدول العربية وغير العربية التي تقع من حول هذه الدول فحسب، بل ويمتد اهتمام الصين بها ليشمل جميع دول العالم، إذ ترى الصين والى جانبها دول “الشرق الأوسط”، أن معالجة مشكلة الإرهاب بشكل جذري وشامل إنما يتأتى من خلال معالجة وحل جميع القضايا الساخنة في المنطقة ومسبباتها، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وجنباً إلى جنب لحل قضايا سورية والعراق واليمن وليبيا وغيرها، وعدم التركيز على حل أية قضية على حساب أخرى، بل ربط حل كل هذه المشاكل بتنفيذ مشاريع إعادة إعمار ما دمّرته الصراعات والنزاعات، ولدفع عجلة التنمية الاقتصادية الى الامام وبقوة وزخم، وتوفير المساعدات الإنسانية بهدف القضاء على البيئات الحاضنة للإرهاب بشكل جذري، وهو ما يمكن ان توفره مبادرة الحزام والطريق للبلدان العربية المختلفة بغض النظر عن توجهاتها السياسية والفكرية، وهنا أُشير الى الكلمات الذهبية التي نوّه إليها “وو سي كه” – المبعوث الصيني الخاص السابق للشرق الأوسط: “هناك حاجة ضرورية لتنمية البُنية التحتية من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في “الشرق الأوسط”، وتتعاون الشركات الصينية مع الدول العربية في هذا المجال منذ وقت طويل، ما أدى الى تراكم أساس معين”. بينما ذهب لي قوه فو” – مدير دراسات الشرق الأوسط في المعهد الصيني للدراسات الدولية، الى القول أن “أفضل جزء من مبادرة “الحزام والطريق” هو الجزء الخاص بربط تنمية الصين بتنمية الدول الأخرى”، كما ويرى تحليل لوكالة أنباء “شينخوا” الرسمية الصينية، أنه بالاستثمارات الهائلة في رأس المال والأفراد والتكنولوجيا والخبرات، تلعب الشركات الصينية في “الشرق الأوسط” دوراً هاماً في استدامة وتحديث الاقتصاد الإقليمي، وتسهيل الاستقرار الاجتماعي في منطقة عادة ما تشهد نزاعات، من ناحيته يرى العَالِم وو بينغ بينغ – رئيس معهد دراسات الثقافة العربية – الاسلامية، في جامعة بكين، أن “هناك قصور كبيرة في البُنية التحتية في العديد من دول “الشرق الأوسط”، نتيجة عقوبات أو صعوبات إقتصادية أو مشكلات أمنية”، وهناك رأي صيني يُشير الى أن مجموعة من الدول ترى في أن تسريع التنمية الصناعية هو مجال يمكن للمبادرة الصينية أن يؤدي الى تلبية حاجات الدول العربية في ظل تسارع عديد السكان تبعاً لتزايد المواليد، وبسبب أوضاع الفقر في عددٍ من البلدان العربية ومتطلبات كفاية السكان فيها. وفي هذا المنحى أدرج تقرير السياسة الصينية تجاه الدول العربية الذي صدر في عام 2016، المجالات التقليدية مثل السكك الحديدية، والطرق السريعة، والموانئ، وكذلك الطيران والأقمار الصناعية ضمن مجالات التعاون في البُنية التحتية مع “الشرق الأوسط”.

إن حضور الصين في البلدان العربية من خلال “المبادرة”، يُـبرز مِثالاً جديداً ومغايراً للمِثال الغربي الذي نظر دوما للمنطقة العربية من خلال منظور استعماري إمبريالي، يعمل على تقويض المنطقة العربية وما حولها، ونشر المزيد والمزيد من الفوضى والخلافات والتعصب الديني والطائفي من أجل تسهيل السيطرة على الثروات العربية، لكن السياسة الصينية في المنطقة تقوم على التنمية والتعاون وبناء قدرات دول هذه المنطقة والدفاع عن حقوقهم الشرعية والطبيعية، وهذا الأمر ينسحب على القارة السمراء التي ترتبط بالصين بروابط تاريخية قوية للغاية، إذ عملت الصين وماتزال تعمل على تنمية قدرات تلك القارة، وتطوير قدرات التشغيل فيها وإقامة الاستثمارات والمصانع والمزارع وما إليها..

ولذلك، تعود أهمية مبادرة الحزام والطريق الصينية، الى الأفعال على الارض، وهي في هذا المجال تساهم بشكل فعّال في انعاش الاقتصاد العالمي الذي يعاني من العِلل، وتخلق نمواً إقتصادياً ومضاعفة في عملانية الابتكار في مجالات التكنلوجيا الرقمية والفضاءات التجارية الاخرى، ولو نظرنا نظرة سريعة للانجازات المتحققة نتيجة لإطلاق المبادرة، سوف نقر بأهمية المُشيّد من خطوط السكك الحديدية بين مومباسا ونايروبي بكينيا، وخط اديس أبابا – جيوبتي، وإنشاء الطريق السريع الممتد الى الباكستان من جنوب غرب الصين، والذي يُعتبر مشروعاً عملاقاً من حيث الطول والكلفة والوقت، وهو يمر عبر النهر الاسود العملاق الرابط بين روسيا والصين، إضافة الى إنعاش ٤٢ميناءً في ٣٤دولة في مختلف بقاع الارض، كاليونان، وسيرلانكا، وجيبوتي، ولا ننسى هنا ميناء ”ميناء غوادار” في الباكستان (في اللغة الأُردية: گوادر بندرگاه)، كما تم إنجاز إستراتيجيات التنمية في ٩٠دولة، وتنامي الرحلات السككية والجوية والبحرية فيها، والانتهاء من تشييد عدد كبير من الشركات بمختلف تخصصاتها ونشاطاتها، وقد اظهرت التجارة الالكترونية والتبادل البشري نتائج جيدة ضمن المبادرة بعد الانجازات التي حققتها المبادرة، وقد جذبت دولاً عدة متباينة التطور، منها نامية، واخرى أقل نموّاً، وحتى دولاً متقدمة صناعياً وتجارياً على شاكلة فرنسا وبريطانيا، وساهمت بتحفيز الاستثمار الاوربي ضمن المبادرة.
ونلاحظ في هذا السياق، أنه كلما زاد طول “الحزام والطريق”، إتّسعت الفرص الاقتصادية، وكذلك كلما زادت المعرفة بمبادرة “الحزام والطريق “كلما زاد الاهتمام بالمشاركة فيها وزيادة الثقة في الصين، ذلك أن بكين منفتحة وشاملة باهتماماتها في البحث عن أرضية مشتركة مع الدول الاخرى، مع الاحتفاظ بالخلافات والقناعات لدى مختلف الاطراف، كما يؤكد “تشن يوشو”، رئيس رابطة رجال الأعمال الصينيين المغتربين في جنوب المحيط الهادئ.
ولقد أفضى فشل العولمة الامبريالية بتحقيق نتائج إقتصادية عادلة للجميع وفيما بينهم، الى هوّة كبيرة ما بين الدول الغنية والفقيرة، والى تدمير واسع لطبقات إجتماعية عديدة، حيث مارست الشركات الاحتكارية الكبرى في ظل تلكم اللون من العولمة، إهمالاً متعمداً للدول الأقل حظاً، متزامنناً مع السعي لتحقيق الربح الفاحش، واليوم جاءت الفرصة لكثير من الدول للاستفادة من مبادرة الحزام والطريق، للتخلص من التخلف الاقتصادي والفقر، وللاستفادة من مشاريع البُنئ التحتية والمبالغ الداخلة في الاستثمار الصناعي والعقاري.
تساهم المبادرة في بناء اقتصاد عالمي مُستدام، وبات في حكم الواقع ان مبادرة الحزام والطريق لاقت مقبولية لدى اغلب دول العالم، وهي تصب في تحسين الحوكمة العالمية، على الاقل في الوقت الحاضر، وعلى الامد المتوسط، وخلال هذه السنوات تعزّز التكامل التنموي المشترك وعلى مستوى مناطق العالم في اوروبا واسيا وافريقيا، حيث حصل هناك تحديث للبُنى التحتية العالمية واستقرار نسبي للاقتصاد العالمي، ويسعى اعضاء المبادرة جاهدين لإيجاد حلول للكثير من القضايا العالمية الملحة، مثل قضية المناخ والفوضى الحاصلة في التعاون الاقليمي، ومعالجة موضوع الموجات البشرية الهائلة التي تنجذب الى عملية الهجرة نتيجة الفقر والتخلف الذي يفتك ببلدان البشر المتحدرين من تلك الموجات.
وفي الوقت الذي لاقت فيه مبادرة الحزام والطريق قبولاً عالمياً واسعاً، ظهر هناك مَن يُعارضها، إلا أن المؤيّدين لها هم أضعاف أضعاف المعارضين لها، إذ أن من شأنها أن تسهم في دفع عجلة التنمية للسنوات الطويلة المقبلة، لكونها مبادرة عالمية عابرة للقارات، تحقّق منفعه مشتركة لمختلف شعوب العالم وفق مبدأ الكل رابح ولا وجود لخاسر، وهو مبدأ لا يتفق مع ممارسات القوى الرأسمالية الجشعة، التي تعرقل سعي الصين الى تعزيز التجارة الحرّة في آسيا والمحيط الهادئ ومناطق العالم الاخرى، ويُحافظ على النظام الدولي الاقتصادي مستقراً، لكونها شريك إقتصادي لأكثر من ١٢٤دولة، ولأنها القوة المحركة الجديدة التي تساهم في الانفتاح على مختلف دول العالم وتسعى جاهده لتدشين خطة استيراتيجية لتنمية اقتصادات أغلب دول العالم على قاعدة خلوها من الاستغلال، وهو كذلك أحد مبادىء وطبيعة منظمة شنغهاي الشهيرة، التي تقوم بنشاط اقتصادي دؤوب لتحقيق الاهداف المرسومة متوافقة مع مبادىء مبادرة الحزام والطريق، ولأجل تحقيق الهدف الرئيسي لها وهو الوصول الى التنمية الحقيقية، والنجاح المؤكد في كافة المجالات، من خلال تعاون بنّاء ومخلص بين الاطراف المنضوية فيها..
*#عبدالإله_جبر_المهنا: إعلامي وكاتب عراقي وعضو المجموعة العراقية للاتحاد الدولي للصحفين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء الصين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.