الصين… سياسة الانتظار الايجابي

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
د. شاهر إسماعيل الشاهر*:

لم تكن دعوة الرئيس الصيني شين جين بينغ إلى الاسراع في تبني نموذج العولمة إلا دليل واضح على التحول في الفكر السياسي الصيني من نيوليبرالية السوق الى نيوليبرالية الدولة، وبالتالي الانتقال من رأسمالية تنظمها آليات السوق الى رأسمالية تنظمها الدولة.
كان ذلك بعد أن شهدت العلاقات الدولية تغيراً ملحوظاً مع بداية القرن الواحد والعشرين، ويرى الواقعيون الجدد أمثال” كينيث والتز” “جون ميرشايمر” ” كريستوفر لاين” أن النظام الأحادي القطبية يحمل بذور فنائه لأن الدول ستوازن الولايات المتحدة الأمريكية، ويقول “لاين” أن النظام الدولي يشهد تحولاً في توزيع القوة والامكانيات لصالح الصين، وهذا يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية تواجه مرة أخرى قوة تنافس طموحها في الهيمنة والتظاهر بأيديولوجية عالمية، وتعميم النموذج الأمريكي على أنه الأفضل لكل شعوب العالم، مستخدمة مجموعة من الأدوات مثل الشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي ومجلس الأمن، والعملاء في جميع دول العالم لخدمة أهدافها الاستراتيجية في السيطرة على ثروات البلدان النامية وتحويلها لسوق استهلاكية لمنتجاتها.
كذلك ترى الصين أنه ليس هناك بالضرورة علاقة بين الديمقراطية والتنمية كما كانت العولمة الغربية تفترض. فتسعى إلى نشر نموذجها للعولمة عبر مشروع الحزام والطريق الذي يعتمد على التمدد من خلال الاقناع لدول العالم بهذه الفكرة، لا عبر الاكراه والاستغلال، بل عبر تحقيق المصالح المشتركة. وهو انتصار جديد للاقتصاد على السياسة، فاضحت البراغماتية الاقتصادية هي دالة الفكر السياسي، فالصين اليوم تقود اتجاهاً يمكن أن نسميه “عولمة بديلة” للعولمة الغربية تقوم على أساس التنمية السلمية والتعاون والفوز المشترك، وتلتزم الصين بتطوير علاقات الصداقة والتعاون مع جميع الدول على أساس المبادئ الخمسة للتعايش السلمي، واحترام حق الدول في اختيار النظم الاجتماعية والطرق التنموية الخاصة بها وبإرادتها، وتعارض اعتداء الدول الكبيرة على الصغيرة والقوية على الضعيفة، وترفض الهيمنة وسياسة القوة، وتلتزم الصين بحل النزاعات والخلافات عبر الحوار والتشاور، في ضوء الرؤى والمصالح المشتركة، وتقرر الصين موقفها وسياستها تجاه القضايا الدولية انطلاقاً من تاريخها وثقافتها التي امتدت لآلاف سنين، ومن المصالح الأساسية للشعب الصيني وشعوب العالم.
سيكون للصين منطقة تجارية واقتصادية تنافس في مساحتها وقوتها الاقتصادية منطقة الأطلسي التجارية التي أخضعت العالم كله لإرادتها وأنظمتها ولقنته مفاهيمها التجارية والثقافية على امتداد ثمانين عاماً هي عمر الجماعة الأطلسية. وبذلك تكون العولمة الصينية بديلاً للقوى الغربية التي زجت العالم في أتون حربين عالميتين بسبب صراعها على مناطق النفوذ والتوسع بالقوة العسكرية، وفي سبيل تحقيق هدفها أنشأت بكين منظمات مالية دولية بديلة لتلك التي تخضع للنفوذ الأمريكي كالبنك والصندوق الدوليين، ففي يونيو/ حزيران 2014 أُعلن عن إنشاء البنك الآسيوي للاستثمار، برأسمال قدره 100 مليار دولار بمشاركة أكثر من 50 دولة، بهدف إنهاء سيطرة أمريكا على أسواق المال في العالم.
وفي الشهر التالي شهدت شنغهاي افتتاح مقر بنك التنمية الجديد برأس مال مبدئي 50 مليار دولار تتقاسمها بالتساوي دول البريكس الخمس، وتم الاتفاق على إنشاء صندوق الاحتياطات النقدية بقيمة 100 مليار دولار، وبذلك اكتملت المنظومة المالية العالمية البديلة، والتي انضمت لها عدداً من الدول الغربية المهمة كبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وسويسرا.
بالطبع لن تكون القروض والتمويلات التي تقدمها تلك المؤسسات مرفقة باشتراطات البنك الدولي وصندوق النقد والتي كانت تصب في خانة تدعيم النفوذ الأمريكي والتمكين لنظام العولمة والاقتصاد الحر.
وبالتوازي مع النظام المالي الجديد، أنشأت الصين منظمة شنغهاي كنظام للأمن الجماعي العالمي على غرار حلف الأطلسي الذي تهيمن عليه واشنطن، لمنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول بحجة مبادئ الإنسانية وحماية الحريات وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات الغربية، وهو حلف عسكري يضم الصين وحلفاءها مثل روسيا وكازاخستان وباكستان والهند وقيرغيزستان وأوزباكستان وطاجكيستان، أي أنه يضم 4 دول نووية وشعوباً يبلغ تعدادها نصف البشرية تقريباً، بالإضافة إلى تمتع إيران وأفغانستان وروسيا البيضاء ومنغوليا بصفة مراقب، ومنح الشراكة – وهي درجة أقل من العضوية – لتركيا وأرمينيا وأذربيجان ونيبال وسيريلانكا وكمبوديا.
الصين تدافع في المقام الاول عن مصالحها، ولا تولي مسألة المعاملة بالمثل إلا النذر اليسير من اهتمامها. والاستراتيجية الصينية لا تسعى في الأساس للانقلاب على النظام الدولي وهدمه، وإنما السيطرة الناعمة عليه بالاعتماد على عامل الزمن والانتظار الإيجابي، وزيادة حجم مشاركتها، والانتشار الواسع على أساس التقبل والشراكة، وقد اتبعت الصين خطة محكمة للتواجد القوي في كل المضائق الاستراتيجية والقنوات الملاحية، عبر إطلاق الرئيس الصيني عام 2013 لمبادرة “الحزام والطريق”، ومن خلالها تعزز الصين مصالحها الاقتصادية مع الدول التي يمر عبرها طريق الحرير من الصين وصولاً لأوروبا.
العولمة الغربية ليست قدراً محتوماً، والعالم المعاصر يولد ردود فعل مختلفة على العولمة الغربية. ويعترف المنظرون الأمريكيون بأن بلادهم تسير في طريقها إلى التراجع، وهم في ذلك لا يحاولون تحدي السنن الكونية بل التخطيط لهذا التراجع وإدارته بالشكل الذي يصل ببلادهم إلى أن تكون إحدى قوى الصف الثاني بدلاً من أن تنهار، وعلى حد قول المفكر الأمريكي روبرت كابلان فإنه ليس هناك شيء أفضل بالنسبة إلى بلاده من تهيئة العالم لاحتمال زوالها، وترتيب آلية مناسبة للتراجع المتناسق كي تطيل من أمد بقائها كأمة قوية، مشيراً إلى أن العولمة التي اخترعتها الولايات المتحدة الأمريكية لترسيخ هيمنتها على العالم استغلتها قوى أخرى (على رأسها الصين) كأداة لتقويض النفوذ الأمريكي من داخل هذا النظام.
* بروفيسور في مدرسة الدراسات الدولية
جامعة صن يات سين- الصين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.