في تجربة بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.. جدلية العلاقة بين النظرية والواقع في الماركسية

0

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
د. كاوه محمود*:
تعتبر قضية العلاقة بين النظرية والواقع من المواضيع الأساسية التي تناولتها الماركسية على الصعيد النظري وبالارتباط بتقييم الواقع العملي في تجارب الشعوب في بناء الاشتراكية، ومن ضمنها تجربة بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.
فأحدى الموضوعات الرئيسية للمادية التاريخية تتعلق بالوجود الاجتماعي الذي يحدد الوعي الاجتماعي. والمقصود بالوجود الاجتماعي في المادية التاريخية الحياة المادية للمجتمع، وقبل كل شيء نشاط الناس الانتاجي والعلاقات الاقتصادية التي تنشأ بين الناس في عملية الانتاج. أما الوعي الاجتماعي فهو حياة الناس الفكرية، الافكار والنظريات والاراء التي يسترشدون بها في نشاطهم العملي.
ان جوهر نظرية ماركس هو ان طريقة انتاج الحياة المادية هي التي تصنع بصفة عامة نمو الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية.
أشار ماركس الى” ان الناس يصنعون تاريخهم بيدهم، انهم لا يصنعونه على هواهم. انهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم بل في ظروف يواجهون بها وهي معطاة و منقولة لهم مباشرة من الماضي”. (1)
ونستنج من مؤلف انجلز الشهير(أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة) بأن الشرط الاساسي لكل تاريخ انساني هو وجود الافراد الاحياء ولكن طبيعتهم ترتبط بالشروط المادية التي تحدد انتاجهم.
وضمن هذه الوجهة أوضحت الماركسية العلاقة الجدلية بين النظرية والممارسة من خلال معرفة القوانين العامة الحاكمة لحركة المجتمع والظروف التاريخية الحقيقية والملموسة لها، والتحول من الخبر والتجارب السابقة التي تخلق المجرد الى الملموس لكون الحياة العملية أكثر تعقيداً من النظريات المجردة. ولكي تصبح التطورات التاريخية منتظمة وبعيدة عن الثغرات والتراجعات، وخاصة في الانعطافات الحادة، لا بد من تجنب احلال ما هو حقيقي وملموس بما هو مجرد، لأن من شأن ذلك فقدان التعامل مع الماركسية كمرشد للحركة والممارسة. ومن هنا يعلمنا الماركسية بعدم الاعتماد على ما يسمى بالحقيقة المجردة، لأن الحقيقة دائماً ملموسة.
واعتمادا على المادية التاريخية كان لينين يكرر دائما أن “النظرية رمادية لكن شجرة الحياة الأبدية خضراء”. فالحقيقة الحية أكثر ثراء في تطورها واحتمالاتها وتعقيداتها من التجريد أو التخمين النظري، ولذا نجد البعد العملي في الأعمال النظرية للينين.
ولكي تكون الماركسية مرشدا للعمل جرى التأكيد على تجنب الجمود العقائدي وعدم تكرار الصيغ المحفوظة عن ظهر قلب والتي لن تكون قادرة سوى على رسم اطار للمهمات العامة تلك المهمات التي تتغير بالضرورة بتغييير الظروف الاقتصادية والسياسية لكل فترة في العملية التاريخية.
وقد أكدت تجربة التحولات الثورية من بدايات حركة التحرر الوطني في الصين واستمرارا بتحربة بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية على توجه طلب الحقيقة من الواقع كونه جوهر الماركسية، وكون التجريد النظري لا يتماشى مع الفعل الثوري دون فهم قوانين التطور التاريخي. ومن هنا تأتي أهمية الربط بين النظرية وعمليات تطور الصراع والممارسة الثورية، و تقييم كل قضية أو مفهوم نظري على اساس علاقته بمفهوم الحاجة والضرورة.
ان الممارسة بدون نظرية تقود حتما الى حالة من الضبابية والوقوع في الأخطاء، وعلى الجانب الآخر فان دراسة النظرية بمعزل عن النضال لا تعني سوى فصلها عن مجراها الحيوي أي الحركة والممارسة.
وضمن هذا المفهوم المادي للتاريخ حول الضرورة والحقائق الموضوعية، قال ماو تسي تونغ في مقالة عام 1949 بعنوان (افلاس مفهوم التاريخ المثالي) رداً على أتشون وزير الخارجية الأمريكي:
“واذا كانت الماركسية اللينينية استطاعت، بعد دخولها للصين أن تلعب فيها هذا الدور الكبير، فأن ظروف الصين الاجتماعية كانت تستلزم ذلك و لأنها ارتبطت بممارسة الشعب الصيني الثورية ولأن الشعب الصيني استوعبها. أن أية ايديولوجية ــــ ولو كانت افضل ايديولوجية حتى الماركسية اللينينية ذاتها ـــــ لا يكون لها تأثير اذا لم ترتبط بالحقائق الموضوعية ولم تلب الحاجات القائمة موضوعياً ولم تستوعبها بالجماهير الشعبية. نحن أنصار للمادية التاريخية ومعارضون للمثالية التاريخية”. (2)
وضمن حديث الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني شي جين بينغ حول أهمية التأكيد على الحقائق الموضوعية، أشار الى وجهة دنغ شياو بنغ منذ بداية عملية الاصلاح والانفتاح عام 1978 في تأكيده على طلب الحقيقة من الواقع باعتباره جوهر الماركسية وينبغي التشجيع عليه. وذكر أيضا العبارة التي استخدمها دنغ شياو بنغ أثناء تدقيقه مسودة التقرير المقدم الى المؤتمر الرابع عشر للحزب، أذ قال ” هناك الكثير من الاشياء في عملية الاصلاح والانفتاح طرحتها الجماهير في ممارساتها العملية”. و الشيء الجديد لا يخرج من عقل شخص واحد وهذه حكمة الجماهير والحكمة الجماعية (3).
لقد استطاع الحزب الشيوعي الصيني ان يربط بين النظرية والممارسة بشكل ديالكتيكي، فالممارسة يتم توصيفها بالنظرية والنظرية يتم تفعيلها بالممارسة، كما ان الافكار تتجدد باستمرار ارتباطاً بالتطور التاريخي الحقيقي.
ويرتبط تحقيق النجاحات في العمل الحزبي بالنجاج في رسم سياسات وبرامج وتدابير تتفق مع الواقع واتخاذ اساليب عمل واقعية لتحقيقها. فبدون برنامج واقعي لا يمكن ان يبقى الحزب كياناً سياسياً متكاملاً قادراَ على السير وفق المسار الذي ححده، ولا يكون قادراً على تقديم اجابات محددة لمواجهة المشاكل المعقدة.
ان الطريقة الوحيدة للتحقق من صحة الخطط الأستراتيجية أو التكتيكات هي اختبار الممارسة العملية، أي من خلال تطبيق هذه الخطط على خلفية خبرة التطور الفعلي والضروري للنضال على أساس المعرفة العقلانية للنظريات العلمية وعلى أساس المعرفة الصحيحة للقانون التاريخي وعلى الاستيعاب الدقيق لوضع البلد المعني.
في كلمة ألقاها الأمين العام للحزب شي جين بينغ في ندوة حول الذكرى السنوية العاشرة بعد المئة لميلاد دنغ شياو بنغ، اشار الى شخصيته وقدرته على “الاستخدام الجيد للمادية الجدلية والمادية التاريخية لمراقية العالم، واساليب التفكير للتعامل مع المشكلات والمهارة القيادية لنستوعب القوانين الموضوعية، ونشجع على اسلوب العمل العملي والعالي الفعالية (4).
وقد سبق أن أشار دنغ شياو بينغ حول التغيرات التي تجري في العالم الى “ان وضع العالم يشهد تغييرات يومياً، خاصة ان العلوم والتكنلوجيا الحديثة تتطور بسرعة في وقتنا الحاضر. وان العام الواحد يساوي عشرات السنين أو مائة سنة أو اكثر من ذلك في العصور القديمة.
وأشار أيضا “اذا لم نتوارث وتطور الماركسية بأفكار ووجهات نظر جديدة لن نكون ماركسسن حقيقيين. (5)
ربط التقرير السياسي المقدم الى المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني بين كل من المنطق التاريخي والنظري والتطبيقي في عملية التنيمة السياسية، مشيرا الى “ان طريق التنمية السياسة للاشتراكية ذات الخصائص الصينية نتيجة حتمية تتفق مع المنطق التاريخي والمنطق النظري والمنطق التطبيقي للنضال الطويل الأمد الذي خاضة الشعب الصيني منذ العصر الحديث، ومطلب حتمي للتمسك بطبيعة الحزب الأصلية وتطبيق هدفه السياسي…. فالنظام السياسي لا يمكن تقيمه وتقديره بصورة تجريدية بعيداً عن الظروف الاجتماعية والسياسية المعينة والتقاليد التاريخية والثقافية المميزة، وينبغي عدم حصره في نمط وحيد، ولا يجوز تقليد النظام السياسي الاجنبي تقليداً آلياً بغض النظر عن اختلاف الظروف”. (6)
ان تجربة بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية وهي تجرية تتعلق بالميادين المختلفة للحياة من خلال طرح البديل والنمط الاشتراكي في الاقتصاد والسياسة و التحولات الاجتماعية تؤكد على أهمية استكشاف قانون التطور البشري من خلال تعميق التجربة وتقاسمها وانجاحها من خلال الافعال، والتأكيد بأن الحقيقة دائما متحركة و متحولة.
وكما قال الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني “ان الأمر لا يمكن انجاحه الاً بالأفعال، والطريق لا يمكن جعله سالكا الاً بالمشي.. الاستكشاف المستمر بالممارسة. عبور النهر بتحسس الحجارة بالاقدام.. استكشاف القانون و الحصول على المعارف الحقيقية من خلال الممارسة.

*الدكتور #كاوه_محمود: إعلامي وكاتب وباحث، وسكرتير الحزب الشيوعي الكوردستاني، ووزير الثقافة السابق، وصديق مُقرّب للاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء الصين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
1ـ كارل ماركس الثامن عشر من برومير “لويس بونابرت” ص6
2ـ ماو تسي تونغ افلاس مفهوم التاريخ المثالي 16 سبتمبر 1949 المجلد الرابع ص 583
3ـ شي جين بينغ حول الحمكة والادارة المجلد الثاني ص 5.
4ـ شي جين بينغ حول الحكم والادارة المجلد الثاني ص7
5ـ المجلد الثالث من مؤلفات دنغ شياو بينغ المختارة طبعة 1993
6ـ التقرير السياسي المقدم الى المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني ص 40
دار النشر باللغات الاجنبية بكين2018
7ـ شي جين بينغ حول الحكم والادارة المجلد الأول ص 76

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.