التوافق الروسي الصيني جدار منيع

0

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
عبد القادر خليل*:
في الثاني من أُكتوبر من العام 1949، أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية، أي أنها تأسست في اليوم الموالي لتأسيس جمهورية الصين الشعبية (في 1 أكتوبر من نفس العام)، وهو ما يَعني الكثير ويحمل دلالات عميقة لدولتين كبيرتين تربطهما منذ ذلك الحين..،  منذ عهد الزعيمين ماوتسي تونغ وجوزيف ستالين..، أواصر الصداقة الطيّبة، والرفاقية العلوية والشعبية، وحسن الجوار والأخوّة والمحبّة الدهرية.

ومنذ ذلك الوقت، تستمر العلاقات الروسية – الصينية تسير بخطى ثابتة ووتائر متسارعة نحو الأفضل، بغض النظر عن بعض تقلبات التاريخ التي لا نرغب في التطرق إليها، فنحن أبناء اليوم، والمستقبل هو رافعة وآمان للاستراتيجيين، ونسعد لما نلمسه في علاقات بكين وموسكو والتي تحقق الهدف الأسمى للانسانية في السلام والخير والعدالة، طبعاً، بحسب أولويات السياسة الخارجية لكلا الطرفين، وبفضل الإرادة القوية والصالحة لرئيسي البلدين الزعيمين شي جين بينغ و فلاديمير بوتين. بل أنني أجزم على أن هذه العلاقات تنامت وتضاعفت في ظل القيادة النبيهة للزعيمين الصديقين.
في الوقت الراهن وفي ظل سياسة المصالح أحادية الجانب التي تنتهجها الولايات المتحدة، والتي تتسم بإستراتيجية العصا الغليظة، وفرض العقوبات، والحروب التجارية على البلدين، نلاحظ تجاذباً وتقارباً بارزاً بين موسكو وبكين على مختلف المحاور، ويتجلى ذلك باتفاقيات مبرمة بين الطرفين وعلى أرفع المستويات بداية بالمستوى الرئاسي.
في إحدى اللقاءات الإعلامية صرح سعادة السفير الروسي المفوّض فوق العادة لدى الصين أندريه دينيسوف بالتالي: “على خلفية العلاقات غير المستقرة مع بعض الدول الغربية، فإن الشراكة الإستراتيجية الروسية – الصينية تتطور بشكل مطّرد وتدريجي، وهي نموذج للعلاقات المثالية بين الدول. كما إن العلاقات الروسية الصينية الحالية هي الأفضل في تاريخ البلدين، وإن الطرفين واثقان من الإمكانات الهائلة المُتاحة لديهما لتنميتها”.
تعد الصين وروسيا أكبر القوى المجاورة، ولديهما حدود مشتركة بطول أكثر من 4 آلاف كيلومتر، ومن المهم والموضوعي لكليهما، ضمان أن تظل المنطقة مبنية على حسن الجوار والصداقة والتعاون، وأن التقارب والتمازج في كثير من الأحيان لمصالحهما في السياسة الخارجية يُحددان التفاعل الوثيق في الساحة الدولية، مما يُشكّل حِصناً منيعاً ودرعاً واقياً وجداراً صلباً أمام قوى الهيمنة الأمريكية التي يحاول ترامب فرضها على العالم برمته، وذلك واضح للجميع من خلال المواقف والقرارات السلبية التي تصدرها أمريكا، حتى على مستوى هيئة الأمم المتحدة، وأذكر على الخصوص قضايا حساسة جدا ومنها:

ـ  نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؛

– المواقف المضادة للرئيس الشرعي لفنزويلا نيكولاس مادورو مع محاولتها وبدعم إسرائيلي إغتصاب السلطة لفائدة المعارضة؛

– إقرار أمريكا بالسيادة الإسرائيلية على أراضي الجولان المحتلة؛

ـ فرض عقوبات على روسيا والعديد من دول العالم؛

ـ شن حرب تجارية ضد الصين.

وغيرها الكثير من القرارات الأحادية الجانب التي تحاول من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية استعراض عضلاتها وكأنها تقول للعالم : “أنا أمريكا.. أنا الأقوى.. وقراراتي هي الأصح”. لكن هيهات ثم هيهات، إن استطاع ترامب ترويع العديد من دول العالم فإنه لن يستطيع مواجهة لا روسيا ولا الصين، بل سيجد نفسه وحيداً ومعزولاً وضعيفاً أمام التحالف الروسي الصيني.  فمن جهة أخرى تُحاول الولايات المتحدة الأمريكية التغطية على مخاوفها من التعاون العسكري الصيني الروسي، وتناسيها بأن الصين تبوأت مركز الشريك التجاري الرئيسي لروسيا ولعديد بلدان العالم، خاصة في قارتي آسيا وأفريقيا، ومنها بلدي الجزائر الصديقة للصين ولروسيا، والتي تربطهم ببعضهم علاقات شراكة إستراتيجية شاملة.

والمُرعب أيضا لأمريكا هو انضمام ودعم روسيا لمبادرة الحـزام والطريـق التي أعلنها الرئيس الصيني شي جين بينغ سنة 2013 ، خلال زيارته لجمهورية لكازاخستان إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، تلك المبادرة المتمثلة في الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، وطريق الحرير البحري للقرن الـ21، والهادفة لبناء شبكة للتجارة والبُنى التحتية، لتربط آسيا بأوروبا وإفريقيا، وما حولها.  هذه المبادرة التي دون شك ستعود بالنفع المشترك للبلدان وتُضاعف التعاون والتبادل التجاري والاقتصادي والسياحي والثقافي بين الدول الواقعة على طول الحزام والطريق.. ذلك ما دفع أمريكا للسعي وراء عرقلة سيرورة هذا المشروع الهادف ومحاولة منع بعض الدول للانضمام إليه، لكنها كما أسلفت الذكر لن تفلح، فكل مرة ستجد سداً منيعاً يجهض نواياها.

أعتقد، أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تصل الى قناعة بضرورة تغيير سياستها الخارجية، خصوصاً بعد انتهاء الفترة الرئاسية لدونالد ترامب، الذي لن يُعاد انتخابه على الاغلب لعهدة جديدة، لما يلقاه من رفض داخلي وخارجي، وربما الرئيس الأمريكي السادس والخمسين سيساهم في تطبيب الجراح التي تركها ترامب وتغيير السياسة الأمريكية إلى الأفضل.
في الوقت نفسه فإن بناء مبادئ العلاقات المتبادلة في شمال شرق آسيا، وتشكيل آلية للسلام والأمن وتحقيق الاستقرار في أوراسيا وآسيا والمحيط الهادئ لا يمكن أن يتجسد إلا بالتحالف بين موسكو وبكين وبروابطهما الاستراتيجية القديمة الجديدة لبناء جدار منيع، ولأنهما تتوافقان في رؤية مشتركة لخلق نظام عالمي متعدّد الأقطاب بشكل متزايد، نظام لا تسيطر عليه الولايات المتحدة ولا دولة بعينها.
#عبد_القادر_خليل: كاتب وإعلامي ورئيس الفرع الجزائري للاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء (وحُلفاء) الصين، وممثل الاتحاد الدولي بولاية ورقلة في الجزائر، وخريج الاتحاد السوفييتي، ومؤسس رابطة أصدقاء الصين في الجزائر، وصديق قديم لإذاعة الصين الدوليةCRI ومجلة “الصين اليوم”.
***
**

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.