الصين: تاريخ حي ومهد الحضارات وجنّة المؤرخين

2

موقع الصين بعيون عربية ـ
خالد الفضلي*:

الصين حاضرة المستقبل في عراقة وعبق الماضي، فهي من دون أدنى شك من أعرق الحضارات على مر العصور في قِدم عهدها، فنونها، وحكمتها، حسن سياستها وفي تذوّقها للفلسفة، فهي بيت حكمة الشرق والأرض الطيبة والأعداد المهولة، ومتحف الخلود في سورها العظيم وآثارها الشامخة الممتدة الى الآن والى الغد في مسيرة البقاء اللامتناهي الأزلي. فليس من الغريب ولا العجيب تغنّي الفلاسفة والمؤرّخين بالحضارة الصينية العريقة الموغلة في عمق التاريخ الإنساني الممتدة جذوره الى الآف السنين، فهي جنّة المؤرخين وعقل المتفلسفين، ولسان المتحدثين وقلم الأُدباء والنجباء.
وليس هناك أنسب مما قاله فيلسوف التاريخ الألماني الكونت هرمان كيسرلنج عن الصين وحضارتها، في خاتمة كتابه الذي يُعد من أغزر الكتب علماً، وأكثرها نفعاً وتصويراً، حينما قال: “لقد أخرجت الصين القديمة أكمل وأبهى صورة من صور الإنسانية، وأنتجت أعلى ثقافة عامة عرفها التاريخ الانساني، ولعل الرّجل الصيني أعمق رجال العَالم على بكرة أبيهم في حكمته وصمته، وليس ثمّة مَن يُجادل في تفوّق الصين في كل شأن من شئون الحياة”(1).
وإذا ما استنطقنا التاريخ، فأنه سوف يُخبرنا على أنها تلك البلاد التي سبقت العالم إلى التحضر والمدنية والعمران، وتفوّقت على كل الامم في ترسيخ مفهوم “التعايش السلمي” عبر الثقافة الصينية التقليدية، من خلال توفيرها الأساس المادي المتماسك للمجتمع الصيني، وتشكيل ثقافة مشتركة مُستمدة من ثالوث عقدي تاريخي (الكونفوشيوسية والطاوية والبوذية)، هذا المُثّلث الذي جَمع بين القِيم الروحية والمادية في آن واحد، عمل على الربط الموضوعي بين المسائل المجتمعية والحياة الإنسانية بشكل عقلاني(2). وعليه فإن الصين لا تبحث عن مكان لها تحت الشمس، بل هي تستعيد مكانتها اللائقة بوصفها هذه “الشمس”.
كيف حمل الصينيون هذا الإرث العظيم على عاتقهم
يقف خلف كل ما سبق إثنان من المفاهيم المُميّزة هما “إرادة الشعب” و “مشاعر الشعب”. وطرح هذان المفهومان لأول مرة من قِبل منسيوس (372-289) قبل الميلاد، ويُمكن أن تكون إرادة الشعب عابرة وتتغير بين عشية وضحاها، في حين مشاعر الشعب تميل إلى أن تكون مستقرة ودائمة، مما يعكس كل مصالح الأمة على المدى الطويل(3). تلك المفاهيم التلقائية الموروثة من الحِكم الكونفوشية وغيرُها المغروسة في الثقافة الجمعية لدى الصينيين، هي التي جعلت من الشعب سيداً على مصيره، فبدأت مسيرة رد الاعتبار واستعادة المجد وتحديد الهدف، فحكم نفسه بنفسه ورسم الطريق الى مستقبله، فـجمعوا تلك الخبرات على مر السنوات، وعقدوا الحياة بالمخترعات والابتكارات، وانتقلوا من الحقول إلى المدن، وأناروا القلوب قبل العقول بحِراكهم الإبداعي، مجتازين أنهر اليأس بجِسر العزيمة والاصرار.
تلك الاستقلالية (ليست الفردانية بل الجماعية)، ساهمت بشكل كبير في زيادة منسوب وعي ونضج الفرد الصيني، معلنه عن وجوده في منظومة من الصعب اختراقها أو كبح جماحها في فضاء مليء بالتغيرات والتناقضات على نحو إبداعي لا إتباعي، مُستلهَماً من التاريخ العبر، ومن الحاضر اليقظة، ومن المستقبل الأمل. لعله يحضرني القول القديم التالي: “من أعماق الجحيم ينطلق صوت الخلاص، واللحظة السوداء العظمى هي تلك اللحظة التي تتشكّل في قلبها الرسالة الحقيقية للتحوّل، ومن أشد اللحظات حلكة ينبجس الضياء “(4).
ميلاد عصر جديد
جاء ميلاد الصين الجديدة بعد انتصار “ثورة الشعب الصيني” عام 1949، ومنذ ذلك الحين بدأت أولى خطواتها على طريق النهوض ونفض غبار التخلّف والجمود والركود والانعزال، والانطلاق الى العَالم بوصفه طموحات مشروعة نتيجة الامكانات التي تتوافر عليها الصين من مقومات ناعمة وخشنة، وعقلية تمتاز عن غيرها من العقليات في الأمم الأخرى بسرعة تحوّل النظريات الى أخلاق عامة في الشعب بأكمله. لا شك أن ميلاد الصين وميلاد النظام الجديد كان انتصاراً في وجه القوى الغربية، وكانت الضربة الأقوى من بين الضربات التحريرية المتلاحقة في عمليات عصر نهاية الاستعمار وتصفيته، والتي أطاحت بسلطان الغرب فكراً وثقافة، وأقالته عن عرشه (5).
بدأت الصين مشوارها برسم استراتيجية المستقبل معتمدةً على إعادة بناء الإنسان، لتتوفر له الإمكانيات المادية والمعنوية الملائمة للمنافسة على المستوى العالمي، وعلى آلية العِلم والتكنولوجيا باعتبارهما أداة تشكيل المستقبل والتحدّي الأكبر في عصر التكنولوجيا والعولمة، آخذتً بعين الاعتبار الابتعاد عن الاستنساخ الأصم والتقليد الأعمى للعِلم والتكنولوجيا في شكل مشروعات جاهزة، بل في تضييق الفجوة المعرفية وتقليص الهوّة الرقمية عن طريق خلق الابتكار والابداع فعملت على رهن إنجازاتها في العِلم والتقّانة.
ختاماً، إن الأُسلوب الوحيد لوجود الصين هو أن تعيش ماضيها مرة أخرى، وليس ثمة آلية مقبولة في الثقافة تمكّن الصينيين من مواجهة الحاضر سوى أن يلوذوا بقوة إلى إرثهم ويستلهموه(6).

# خالد_الفضلي: كاتب وباحث متفرغ , مهتم بالحضارة #الصينية، والاقتصاد السياسي، وحاصل على ماجستير “أدارة اعمال” جامعة الزرقاء الخاصة – الاردن، وصديق مُقرّب من #الاتحاد_الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء (وحُلفاء) #الصين.

ـ المصادر:
1- قصة الحضارة ويل ديورنت ص:12.
2- محمد عطية فرحان ص:37.
3- تشانغ وي زي مدير مركز بحوث نموذج الصين للتنمية، بجامعة فودان في شنغهاي.
4- قوة الاسطورة جوزيف كامبل ص: 46.
5- الصين التجربة و التحدي ص45.
6- مارتن جاك , عندما تحكم الصين العالم ص:254.

2 تعليقات
  1. بشار جابر يقول

    مقال جميل للاستاذ خالد يناقش الاساس المتين للثقافة الصينية في بناء مستقبلها.
    كل التوفيق

    1. Khalid يقول

      شكراً استاذ بشار
      لا ننسى رقة قلمك و صلابة موضوعاتك التي دائماً تتحفنا بها .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.