موريتانيا والصين علاقات اقتصادية مثمرة أم متعثرة؟

0

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
د. يربان الحسين الخراشي*:

 

 

بدأت العلاقات  الموريتانية الصينية في المجال الاقتصادي  مبكرا بعد توقيع البلدين على اتفاقية التعاون في المجال الاقتصادي والتجاري سنة 1967، وحافظت هذه العلاقات  طيلة الثلاثين سنة اللاحقة على شبة استقرار في حجم التبادل التجاري بين البلدين بمعدل سنوي يترواح بين 10 إلى 30 مليون دولار سنويا، وكانت 2004 سنة مميزة، حيث قفز حجم التبادل التجاري لأول مرة إلى مستوى 100 مليون دولار بسبب بدأ إستيراد الصين لخامات الحديد الموريتاني، وخلال عشر سنوات فقط تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين أكثر من 20 ضعفا، حيث بلغ سنة 2013 أكثر من ملياري دولار.

لكن بعد  أزمة انهيار أسعار خامات الحديد سنة 2014، وبعد دخول الصين في معركة  إعادة هيكلة اقتصادها والارتقاء به، وبعد إعلانها عن نسختها للعولمة ” مبادرة الحزام والطريق”، التي من خلالها تحقق  نمطا جديدا من التعاون والانفتاح على العالم الخارجي  بدأت  هذه العلاقات تأخذ منعطفا جديدا يتسم بالضبابية والفتور خاصة  في المجالين التجاري والاستثماري ،  ونكتفي اليوم بذكر ثلاثة مؤشرات على ذلك، وهي :

 (1)

إختلال في العلاقات التجارية

 

تكشف الأرقام الرسمية الصينية عن حجم الإختلال الذي طرأ على العلاقات التجارية بين البلدين، بحيث تحولت الصين من أكبر مساهم في  تنامي الفائض التجاري لصالح بلادنا إلى أكبر مساهم في تفاقم العجز التجاري الإجمالي الموريتاني، حيث تشيرالبيانات الرسمية الصينية إلى أن حجم التبادل التجاري بين  البلدين بلغ سنة 2013  حوالي 2.34 مليار دولار، موزعة على 600 مليون  دولار واردات ، و1.74 مليار دولار قيمة صادرات موريتانية، وهذا ما  يعني تحقيق  فائض في الميزان التجاري لصالح موريتانيا بلغ حوالي 1.14 مليار دولار. كما تشير بيانات أخرى إلى أن حجم التبادل التجاري بلغ سنة 2018  حوالي 1.988 مليار دولار، من بينها 861 مليون دولار قيمة صادرات موريتانيا، و1.037 مليار دولار قيمة الواردات، وهذا ما يعني حدوث عجز في الميزان التجاري بقيمة 176 مليون دولار. إن حجم الإختلال في العلاقات التجارية مع أكبر شريك تجاري ا الذي أصبح منهكا للاقتصاد الموريتاني  قد يكون له دور في  ارتفاع الدين الخارجي، وتخفيض قيمة العملة الوطنية خلال الخمسية الأخيرة.

 

 

(2)

الحضور الحذر في مشروع القرن

 

على الرغم من أن موريتانيا وقعت رسميا على مذكرة التفاهم للتعاون مع الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق  مطلع سبتمبر 2018  خلال زيارة فخامة رئيس الجمهورية للصين للمشاركة في منتدى التعاون الصيني الإفريقي، إلا أنها مازالت تنظر إلى هذه المبادرة  بعين الريبة والحذر، ولازالت واحدة من أقل شركاء الصين في المنطقة نشاطا في هذه المنصة الجديدة للتعاون مع الصين، وقد جاء انضمامها متأخرا خمس سنوات بعد الإعلان عن المبادرة، كما أنها حتى الآن لم تنضم وتصبح عضوا في  البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، هذا بالإضافة إلى عدم بلورة رؤية وطنية تتقاطع وتتلاقى مع المبادرة، وعدم المشاركة في المنتدى الدولي الثاني للمبادرة المنعقد في بكين نهاية إبريل المنصرم، والذي تمخض عن التوقيع على 283 مشروعا على المستوى العالمي بقيمة 64 مليار دولار كان نصيبنا منها معدوما.

 

(3)

تراجع الاستثمارات الصينية المباشرة

 

منذ سبعينيات القرن الماضي بداية دخول الشركات الصينية إلى السوق الموريتاني لتنفيذ مشاريع الدعم الحكومي الصيني والعلاقات الموريتانية الصينية في مجال الاستثمار تتطور وتتعزز، وهذا ما تمت ترجمته  خلال العشرية الأخيرة إلى شراكات استثمارية كبيرة خاصة في مجال صيد الأسماك ومعالجتها، كما أن حضور الشركات الصينية في مجال المقاولات كان قويا إلى درجة أن سعادة السفير الصيني لدى بلادنا سبق وأن صرح مارس 2017  “أنه  يتردد على لسان القاصي والداني في بلادنا  مقولة  يمكن رؤية مشروع صيني في كل كيلو متر  من مساحة موريتانيا”.

لكن اليوم وعلى الرغم من ضخامة حجم الاستثمارات الصينية المباشرة في شبه المنطقة إلا أن نصيب بلادنا منها كان محدودا جدا قدرته بعض المصادر بحوالي 29.55 مليون دولار خلال 2018، والأهم من ذلك أن مساهمة الشركات الصينية في تخفيف البطالة محليا مساهمة ضعيفة  لا تتماشى وحجم مشاريعها واستثماراتها، كما أنها لم  تنجح حتى الآن في خلق قناة لنقل الخبرات إلى الكوادر الموريتانية.

 

إن صمود العلاقات الثنائية بين البلدين أمام كل تقلبات الوضع الدولي على مدار أكثر من نصف قرن يعتبر ثمرة دينامية دبلوماسية فعالة، لم يتم توظيفها جيدا لصالح العلاقات في المجالات الأخرى خاصة العلاقات الاقتصادية التي تعاني من تعثر بات واضحا في تفاقم عجز الميزان التجاري بين البلدين ، ونقص تدفق الاستثمارات الصينية  المباشرة ،  ونعتقد أنه من أهم الأسباب في ذلك نظر موريتايا  إلى الصين من خلال العيون الغربية، وعدم مواكبتها لما يحدث داخل الصين من تطورات، فالصين ما بعد 2013  تختلف كليا عن الصين ما بعد 1978، وستختلف جوهريا عن الصين ما بعد 2021 ، ومع ذلك يبقى  تطويرو تعميق الشراكة مع الصين خيار استراتيجي طويل الأجل لموريتانيا، وهو خيار يستند على تاريخ حافل بالتعاون الدبلوماسي الناجح.

 

*كاتب من موريتانيا، متخصص بالشؤون الصينية وعلاقات الصين مع العالم العربي، ولا سيما في الشأن الاقتصادي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.