السينما الصينية والمشاهد العربي

2

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
قاسم بكر*:

نحن نعيش في عصر يتعرض فيه الدماغ البشري لكل أنواع (الحقن الإعلامية) وبكثافة غير مسبوقة في مجال الصورة المرئية، والمواطن العربي يُشاهد أكثر مما يقرأ، ويقضي وقتاً طويلاً أمام التلفاز، وفي السنوات الأخيرة شاعت موجة المسلسلات غير العربية المدبلجة إلى اللغة العربية والتي تعرض على عدة قنوات فضائية عربية، ولها جمهور عريض جداً من المشاهدين؛ وكي ندرك التأثير العميق لهذه المسلسلات يكفي أن نُلاحظ أعداد العرب الراغبين بتعلّم اللغة التركية متأثرين بالمسلسلات التركية، بل إن السياحة إلى تركيا تسجل أرقاماً قياسية من العرب، وكثيرون ذهبوا إلى تركيا مدفوعين بتيارات تتحرك في أعماق عقولهم الباطنة مصدرها ماشاهدوا من مسلسلات تركية.

هذا الشغف العربي بالمسلسلات المدبلجة يماثل ذاك الذي كان منتشراً في عالمنا العربي سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات، وصولا لبداية التسعينات للسينما الصينية، فهنا في الأردن كانت الأفلام الصينية ذات حضور دائم في دور السينما أغلب أوقات العام، وكنت وأنا صغير أواخر السبعينات والثمانينات أستمتع بتأمل بوسترات الأفلام الصينية الملصقة على الجدران في عدة أماكن من المدينة التي أعيش فيها، وكم وقفت طويلاً أمام بوسترات أفلام لممثلين مثل (وانغ يو)، و (بروس لي)، و (جاكي شان)، و (جت لي)، و (يو فان تشاو) وهم من ممثلي أفلام (الآكشن) والتي كانت النوعية المسيطرة تماماً في دور السينما وذات الاقبال الجماهيري الكثيف، ولازلت أذكر عدد المشاهدين الهائل والذين كانوا ينتظرون خارج إحدى دور السينما كي يدخلوا ويُشاهدوا فيلم (لعبة الموت)، للممثل الراحل (بروس لي)، حيث استعانت دار السينما بالشرطة لتنظيم دخول المشاهدين، وكان هذا عام ١٩٧٨، أما أنا فقد بلغ تأثري بهذا الفيلم أن ألححت على والدي، وكنت صغيراً وقتها، أن يشتري لي نفس البدلة الرياضية الصفراء والتي ارتداها (بروس لي) في الفيلم، وعندما أحضر والدي البدلة الصفراء ارتديتها وأخذت أستعرض وأتمشى أمام الناس في منطقتي السكنية، وللحظات خاطفة كنت أظن أنني بروس لي.

كانت أفلام (الآكشن) الصينية هي صاحبة التواجد الأوحد من السينما الصينية في دور السينما الاردنية، ولم يَعرف المشاهد الأردني الأفلام السينمائية الصينية ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية. فمثلا فيلم (ربيع في بلدة صغيرة) الصادر عام ١٩٤٨، وفيلم  (الأرض الصفراء) الصادر عام ١٩٨٤، وفيلم (ملاك الشارع) عام ١٩٣٧، وفيلم (في حرارة الشمس) عام ١٩٩٤، فهذه أفلام لم تجد طريقها للعرض في دور السينما في الأردن، ولولا تقنية أفلام DVD ما تعرفنا إلى هذه الجواهر وغيرها من السينما الصينية.

ونحن نعيش عصرآ تعمل فيه أمريكا كل مابوسعها لتحطيم التنين الصيني الصاعد بقوة نجد أن ( هوليود) الأمريكية تنتج أفلاما تحاول الحط من قيمة الثقافة الصينية عبر أفلام مشوهة، فنرى أن الصيني غالباً مايظهر بصورة المجرم ومهرب المخدرات في أفلام هوليودية كثيرة، وهذه الأفلام لها تأثير في غسل الأدمغة وتشكيل صور نمطية قاتمة في أذهان المشاهدين حول العالم. من هنا حبذا لو تقوم الحكومة الصينية بتأسيس مراكز ثقافية لها في دول من العالم، وتعرض داخل هذه المراكز الأفلام الصينية التي تعطي الصورة الحقيقية عن الصين ذات العُمق الحضاري والإرث الثقافي عميق الإنسانية.

  • #قاسم_بكر: ناقد #سينمائي من الاردن، ومن أصدقاء الفن الصيني، وصديق قديم لرئيس الاتحاد الدولي وصديق للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحلفاء #الصين
2 تعليقات
  1. بشار جابر يقول

    مقال رائع، والمعاهد الثقافية هي ذراع الصين لمحو صورة الجهل التي ترسمها هوليود عن ثقافتهم

  2. مروان سوداح يقول

    مقالة ممتازة ومريحة ولازمة وفي وقتها تم نشرها لأهمية السياسة الناعمة في التوعية العامة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.