الحضارات الآسيَوية في فِكر الصين

1

صحيفة الدستور الأردنية ـ
مروان سوداح:
تعج جمهورية الصين الشعبية بمختلف ألوان الفعاليات الآسيوية والدولية، ويُشارك فيها عدد ضخم من القلميين، والمفكرين، وأصحاب الشأن والبحث والتعمير الفكري والإنساني، ويَندر أن نجد بلداناً مُمَاثلةً للصين في اهتماماتها بتجذير علاقاتها الدولية ورعايتها الأرفع للحضارات، إذ وصل الجهد الصيني إلى حد تكريس مؤتمرات دولية حاشدة للبحث في موضوعة تعاون وتكامل الحضارات الآسيوية بالذات، وسُبلِ التواصل المُربح بينها ولأجل التقارب الأفعل لمجموعها.
مؤخراً، بادرت الصين الى عقد مؤتمر متخصص بحوار الحضارات الآسيوية، وشارك فيه كل مَن له صِلة بهذا الأمر، وبهدف البحث وتقديم الفكر الأفضل لجعل الحضارات متآخية فعلاً، وفي محاولة لإبعادها عن المواجهات أيّاً كانت، وبذلك إلتأم هذا الصرح على شكل أممي وشامل، فازدحم بمئات اللغات التي تحدث بها المشاركون، الذين كوّنوا جماعة بشرية واحدة، متآلفة ومتناغمة، عملت على التوصل إلى تفاهمات شاملة تكون قاعدة لانطلاقة الشعوب الى غدٍ أفضل إنسانياً وسيكولوجياً، وسياسياً، واقتصادياً، واتفق الجميع على مختلف العناوين التي تطرقوا إليها، وبخاصة الرئيسية منها وهي أن معادلة «رابح – رابح» هي صمّام أمان وسلام المجتمع الدولي. ولهذا بالذات، تفاعلت الألسن وتلاقت وتلاقحت الثقافات، مما عرض الى وجوب الوصول كونياً إلى واقع حضاري واحد في المستقبل، يتلّون بألوان قوس قزح الإنسانية المتآخية، ويفضي الى كبح الأمزجة المتحاربة، إذ إن من شأن الحضارة البشرية الإنسانية الواحدة، ضمان التآخي والتصادق الحقيقي للأمم والدول، وهو وضع دولي تطلّع إليه الفلاسفة والعُقلاء على مدار التاريخ، وها قد جاء يوم للبدء بتكريس هذه الأُمنية الأزلية لناس الكون، بهدف أن تتلاقي الشعوب وتجتمع الإنسانية بكل مكوّناتها وتطلعاتها الفكرية والدينية والسياسية، ولتتحد كل ألسنتها سلمياً على أرض الصين وفي قَلبها، حول الجوامع الأساسية التي يتّفق عليها الجميع ويتحلّقون حولها بعيداً عن أيّة خلافات، وتقف سداً مانعاً بوجه الموانع المصطنعة التي تُزرع بمواجهة الحضرنة.. فالحضارات البشرية المتحدة إنّما هي مفهومٌ ضاربٌ في عمق التاريخ، ويُعدُ هذا إنجازاً هائلاً للإنسان العاقل، ونجاحاً للأنظمة السياسية الواقعية.
يتردد أنه يوجد في العالم أكثر من 200 دولة ومنطقة حكومية، ونحو 2500 مجموعة عرقية، والعديد من الأديان، وقد جعلت هذه كلها العالم أكثر تنوّعاً وروعة، فلكل منها مزاياها، ولا توجد حضارة بلا فائدة، لذلك فقد لفت الرئيس «ِشي» في المؤتمر الحضاري المذكور، إلى أمله في أن تحترم جميع الدول الآسيوية بعضها البعض، وبأن تثق ببعضها البعض، وأن تتعايش في انسجام وفي توسّع للتبادلات العابرة للحدود والزمن والفضاء، وكذلك العابرة للحضارات نفسها، ولتحافظ سويةً على أوقات السلم التي هي أثمن من الذهب، مُطالباُ في الوقت نفسه جميع الدول بخلق شروط لتنمية الحضارات الأخرى، والمحافظة على حيويتها الذاتية في ذات الوقت، وبيّن بأن الحضارة الصينية تتشكّل من خلال التبادلات المستمرة والتفاهم المتبادل مع الحضارات الأخرى.
وقد وفر المؤتمر في الصين منصة لنشر التقدم والمضي قدماً بإنجازات الحضارات الآسيوية والعالمية، مع تشجيع التبادل والتعلّم المتبادل بين مختلف البلدان والحضارات، من أجل النهوض بتطوّر الحضارة الإنسانية وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، وضم المؤتمر ستة منتديات فرعية متوازية بعناوين هي: «حماية تنوّع الحضارات الآسيوية»؛ «التبادلات الثقافية والسياحية والشعبية»؛ «التعلّم المتبادل بين الحضارات الآسيوية وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية»؛ «مسؤولية الشباب في حَمل التراث الحضاري الآسيوي قدماً؛ «تبادل خبرات الحوكمة الآسيوية» و»التأثير العالمي للحضارات الآسيوية».
* صحفي وكاتب أردني، ورئيس الاتحاد الدولي الالكتروني للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء الصين.

تعليق 1
  1. بشار جابر يقول

    مقال رائع للاستاذ والرفيق مروان سوداح، ويبين مدى اهمية الحوار بالنسبة للصين وايضا اهمية التقارب بدلا من التباعد لحماية الإنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.