موقع متخصص بالشؤون الصينية

التقدم الصيني خلال سبعة عقود: الأسباب وسبل الإستفادة من التجربة

0

 

عدنان برجي/ مدير المركز الوطني للدراسات – بيروت

يصادف هذا العام الذكرى 70 لقيام الصين الجديدة، وخلال العقود السبعة الماضية حققت الصين تقدّماً واسعاً لا ينكره إلا جاهل مما جعلها في مصاف الدول الأكثر نموّاً صناعيّاً وتجاريّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً، فما هي الأسباب التي أدّت الى تلك الإنجازات وما هي سبل الإستفادة من هذه التجربة وطنيّاً وقوميّاً؟.

لمحة تاريخية موجزة وسريعة.

الجميع يعلم أن الصين بدأت مسيرة تحرّرها من الإستعمار الخارجيّ والاستغلال الداخليّ قبل قرن من الزمان، وهي وإن استطاعت تحرير أرضها من الإستعمار عام 1949، فقد حوصرت سياسيّاً واقتصاديّاً من الدول الأجنبيّة مدة ثلاثة عقود بعد التحرير، كما أنّها بقيت اسيرة الأفكار الماركسيّة ، الى أن دخلت في العام 1978 مرحلة الإصلاح والإنفتاح وبناء التحديثات الإشتراكيّة بقيادة دنغ شياو بينغ. وهي مرحلة نظام اقتصاد السوق الإشتراكي، وطرح بناء الإشتراكيّة ذات الخصائص الصينيّة.

وهكذا فخلال الفترة الممتدّة من عام 1978 الى عام 2010 تضاعف إجمالي الحجم الإقتصادي أربع مرات، وبلغ معدّل الزيادة السنوي للإقتصاد الصيني 10,7 % من عام 2003 الى عام 2011 ،وارتفع ترتيب إجمالي الحجم الإقتصادي للصين في العالم من المركز 11 عام 1978 الى المركز 2 في عام 2010 وما زال يحتفظ بهذا المركز.

كما ارتفع حجم الإستيراد والتصدير من 20 مليار دولار عام 1978 الى 2974 مليار دولار عام 2010.

و ابتداء من العام 2012، بدأت الصين في عهد الرئيس الحالي شي جينبينغ مرحلة جديدة تعتمد العناصر الخمسة المندمجة وهي: البناء الإقتصادي، البناء السياسي، البناء الثقافي، البناء الإجتماعي، وبناء الحضارة الإيكولوجية. على قاعدة انه ” لن تنهض دولة على قدميها إذا لم تكن لديها الكرامة الوطنيّة والحرص على استقلالها الوطني” كما اكد الرئيس شي في الوقت عينه على ” التعلّم بتواضع لكل ما هو مفيد وجيّد في الدول الأجنبيّة لكن لا يجوز نسخ كل شيء ولا يمكن قبول الأشياء السيئّة الأجنبيّة، ولا يجوز الإستخفاف بالذات الوطنيّة وبأصول الأسلاف”.

في العام الحالي 2019 بدأت مرحلة الحرب الأميركية الإقتصادية على الصين ، وزادت الحرب السياسيّة عليها فبعد احتضان تايوان أميركيّاً بدأنا نقرأ ونسمع عن تحركات تتسم بطابع انفصالي في هونغ كونغ.

اسباب النجاح :

إدراك القيادة الصينيّة لأهمية موقع الجغرافي للصين في قلب الكتلة الأوراسيّة التي تحدّث عنها العالم الجغرافي الإنكليزي هالفورد ماكيندر (1861-1947) في مؤلَفّه نظريّة الأرض الداخليّة.
إدراك القيادة الصينيّة للسياسة الأميركيّة بعد الحرب الباردة الهادفة الى زرع الشقاق بين روسيا والصين قُطْبا الكتلة الأوراسيّة ( الصين اقتصاديّا وروسيا عسكريّا). فبدل التباعد الصيني- الروسي جرى تقاربا وتكاملا ورسم استراتيجيّات مشتركة بعيدة المدى، ولعلّ قيام منظمة شانغهاي وانجازاتها خير دليل على هذه الاستراتيجيات المشتركة.
اختلاف السياسة الصينيّة الخارجيّة عن السياسة الأميركيّة. فالسياسة الأميركيّة تقوم على مبدأ السيطرة على العالم وان كان على حساب الشعوب، وهي لا تتوانى في سبيل ذلك عن محاولة إزالة مَن يعترض طريقها. فيما السياسة الصينيّة تقوم على مبدأ” التمسّك بدفع عجلة بناء مجتمع ذا مصير مشترك للبشريّة، وفق استراتيجيّة الإنفتاح المتّسمة بالمنفعًة المُتبادلة والفوز المشترك، وترسيخ مفهوم الأمن الجديد المُتجسّد في التشارك والتكامل والتعاون والإستدامة، وتعزيز التواصل الحضاري المُتصّف بالوئام مع إبقاء الخلاف وضم كل ما يفيد من الأفكار” ( من كلام للرئيس الصيني الحالي شي جينبنغ).

وكدليل على رصد الإدارة الأميركيّة للتقدم الصيني ومحاولة عزل الآخرين عن الشراكة مع الصين فقد زار لبنان عام 2007 وفد اميركي مؤلف من خبراء وأكاديميين بهدف ترويج الخطر الصيني ( د. زياد حافظ – الكتلة الأوراسية)، فكانت النتيجة ان تضاعفت العلاقات الإقتصاديّة مرّات ومرّات بين الصين ولبنان، وكذلك الحال مع اغلب الدول العربية.

إطلاق مشروع الطريق والحزام الواحد الذي يُعيد إحياء طريق الحرير القديمة التي ربطت الصين باليونان قبل العصر الميلادي، وهو يهدف الى” توثيق الترابط بين الدول على قاعدة الإستفادة للجميع وليس على قاعدة اللعبة الصفريّة التي تعتمدها الإدارة الأميركية حيث القويّ يفرض شروطه على الضعيف”( الدكتور زياد حافظ – الكتلة الأوراسية).
عدم جمود الفكر السياسي والإقتصادي وعدم تقديس الأيديولوجيا وتنفيذ دعوة مؤسس الصين الحديثة ماو تسي تونغ الى ” تصيين الماركسية” التي اطلقها عام 1938 ، فكانت سياسة الإشتراكية ذات الخصائص الصينيّة التي توازن بين سياسة السوق وبين حماية المواطن من الفقر والعوز. تجدر الإشارة الى ان الصين سوف تتخلص من الفقر لجميع مواطنيها في العام المقبل 2020.
اعتماد الخطط المرحليّة ورسم أهداف كل مرحلة والسعي الى تنفيذ وتحقيق هذه الأهداف:”هم يحددون الأهداف لأنهم يعتبرون أن الإنسان، إن لم يحدّد هدفاً فلن يُنجز شيئاً، وأنّه ينبغي أن يكون التوجّه الأساسي مفيداً على الأقل لمئة سنة، دون تزعزع، حتى يثق الشعب بالقيادة ويواكب خطواتها. .. إن التاريخ يتقدم الى الأمام دائما، فهو بالتالي لم ينتظر ولن ينتظر المتردّد، والمراقِب، والمتراخي، والضعيف ويضيفون : ان الذي يواكب التاريخ ويشارك العصر في المصير هو وحده القادر على الفوز بمستقبل مشرق” ( الصين والمصير المشترك للبشرية للكاتب).
التلاحم بين الشعب والقيادة، ومحاربة الفساد واعتماد الحوكمة الرشيدة، والحفاظ على وحدة التراب الصيني وإن تعددت الأنظمة الإقتصادية.

****

هذه بعض اسباب النجاح الصيني في تحقيق التقدم المطرد والواسع والشامل على مدار سبعة عقود من الزمن. فهل يمكن لوطننا ولأمتنا العربية الإستفادة من هذه التجربة؟.

نعم يمكن الإستفادة من هذه التجربة لبنانيّا وعربيّا وفق الأسس التالية :

قراءة التجربة علميّا وموضوعيّا وعدم نسخها كما هي، فلكل مجتمع خصائصه وميزاته ومعطياته ونقاط قوته ونقاط ضعفه. المهم ان ترسم الحكومات الأهداف وأن تخلص في السعي الى تحقيقها بعيدا عن الأنانيات والمصالح الفئوية الضيقة. ان لبنان وعموم الدول العربية يملكون مقومات النهوض والتقدم وبناء مجتمع الرفاهية للشعب، لكن استمرار الإرتهان لنصائح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من جهة، والإرتماء بأحضان الإدارة الأميركية من جهة ثانية، تعطل كل محاولة جادة للخروج من الواقع الحالي. ان تجربة جمال عبد الناصر (1952-1970) تؤكد امكانية بناء مجتمع العدالة وتكافؤ الفرص وان يكون العرب قوة مؤثرة عالميّا وليسوا قوة هامشيّة.
إدراك ان بناء القوة العربية لا يقوم على التجزئة. فهذه التجربة الصينية رائدة في قبول اكثر من نظام سياسي واقتصادي ( هونغ كونغ ومكاو) لكن عدم قبول اجتزاء اي بقعة من الأرض الصينية ( تايوان).
محاربة الفساد وترهل الإدارة، فلولا جرأة القيادة الصينيّة في محاربة الفساد الذي كان مستشريا في مرحلة من المراحل لما استطاعت الصين انجاز ما أنجزته. لقد تواكب الإنفتاح مع الإصلاح الذي يتعمق اكثر فأكثر مع القيادة الصينية الحاليّة بقيادة الرئيس شي جينبينغ.
تعميق العلاقات العربيّة – الصينيّة والعلاقات العربية – الأوراسية، “فمستقبل المعمورة سياسيّاً وأمنيّاً وعلميّاً سيكون في الشرق الممتد من بحر الصين الى المحيط الأطلسي شمالا غربا والى شواطئ البحر المتوسط جنوبا غرباً”.
أخيراً لا يصنع الحريّة الا الأحرار ولا يصنع التقدّم الا اصحاب العزائم والإرادات الصلبة. فإن توفرّت الإرادة استطعنا الإستفادة من كل تجارب العالم وان بقيت إرادتنا سليبة فلن يستطيع احد في العالم انقاذنا مما نحن فيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.