في الذكرى السبعين ونحو المئة.. تأملات في الحزب الشيوعي الصيني

1

موقع الصين بعيون عربية ـ
خالد الفضلي*:
عندما نتصفح مدونة التاريخ البشري, نجد أمامنا مسيرة حزب صيني ثوري شكّل انعاطفاً مهماً في التاريخ السياسي الوطني والعالمي, مُحدثاً شرخ يَصعب التئآمه وسط الرأسمالية المحتضرة. فمنذُ مؤتمره الأول في 23 يوليو/تموز عام 1921، في شنغهاي، وتأسيسه بعقول وسواعد 13 عضواً مؤسساً فقط, وضع على عاتقه مهمة تمدّن الصين, واصلاحها فكرياً, وتحويلها إلى أمة عصرية قوية ومزدهرة. وبعد مرور 28 سنة تغير الوضع في الصين في لمح البصر، وانتهى الحزب سريعاً من تحوّله التاريخي من حزب ثوري إلى حزب حاكم (سنة 1949 مع تأسيسه جمهورية الصين الشعبية)، وقاد الشعب بمبادرته الطليعية ونضاله المرير، فحرَّر الفكر، وأوقد حماسة التقدم، وسار من انتصار الثورة الديمقراطية الجديدة تجاه الانتصار الجديد للإصلاح والانفتاح والبناء الاشتراكي بالخصائص الصينية.
مع عصر العولمة الحالي والاندماج العميق للصين في النظام العالمي الرأسمالي، يعمل الحزب الشيوعي الصيني على كيفية تخطئة الخطابات النظرية الغربية المؤدلجة والمألوفة على مسامعنا، المتعلقة بـ ” القوة الناعمة” و “الدبلوماسية العامة”، من أجل استبدال لغته السياسية الخاصة بـِ”دبلوماسية الشعب”, فعمل على تطبيق وإحياء إستراتيجية “الخط الجماهيري” الماوي الواقعي، لتعزيز الرغبة في أن تشرح الصين عن نفسها للعالم، وتروي قصته جيداً. إلى جانب هذه المبادرة الكبيرة تحقيق هدفٍ سامٍ آخر يتعلق ببناء نمط جديد للعلاقات الدولية، يستند إلى تعاون المنفعة المشتركة وبناء رابطة المصير أو المستقبل المشترك للبشرية جمعاء.
ولقد شكّلت السنوات السبعين التي انطوت علامة بارزة لنجاحات كبرى حصدها الحزب الشيوعي الصيني والدولة الصينية، وتحت قيادة فخامة الرئيس “شي جين بينغ”، شرع الحزب في استكشاف المديات الاقصى التي يمكن للصين أن تشمل إنجازاتها الداخلية والخارجية، لتحويل قوتها الاقتصادية المتنامية إلى نفوذ سياسي وثقافي دائم ومرن, تحت مشروع “الحُلم الصيني” ، الذي يُوصف من ناحية، بـاسم “التجديد التاريخي العظيم للأمة الصينية”، ومن ناحية أخرى، حُلم السلام والتنمية، التعاون والمنفعة المتبادلة للجميع. على عكس عقليات “الفوز أو الخسارة”، و “الفائز يأخذ كل شيء”، و “المكسب الصفري” الذي من المتوقع أن يؤدي نهوض الصين إلى خلق تعاون “مربح للجانبين”، لبناء “مجتمع المصير المشترك”، وإقامة نوع جديد من علاقات القوى الكبرى مع القوى العالمية القائمة, و سيتم تحقيق هذا الإسقاط من خلال مبادرة “حزام واحد وطريق واحد”.
أخيراً, بناءً على تقييم الفرد لنجاحاته وإخفاقاته، يمكن اعتبار تاريخ الحزب الشيوعي الصيني كقوة اجتماعية وسياسية استثنائية، تتميز بمحاولة فريدة تاريخياً لتحويل المجتمع الصيني، الباحث عن بديل جديد للتطور يتحدى بها المعايير السياسية والأيديولوجية “الراسخة” التي شكّلها النظام العالمي الرأسمالي.
الحزب الشيوعي الصيني يناضل منذ قرن لبناء “دولة حضارية” مُفيدة ، مُتجذرة بقوة في ثقافته وتقاليده القديمة، ويبث هويته السياسية والثقافية على نطاق محلي وعالمي واسع ومرن…, هذا المشروع الكبير الذي نادى به الحزب الشيوعي الصيني لن يحرر الانسان في الصين ويأخذ بيده ويسمح له بالتقدم الاقتصادي والازدهار الحضاري والثقافي فقط، بل وسيكون المشروع الذي يُحرّر البشرية جمعاء التي تقف الآن على مُفترق طرق، إما الاشتراكية السّلسة وإما الرأسمالية المُفلسة.

*#خالد_الفضلي: أستاذ باحث في الفلسفة في #الاردن، ومتخصص بالشؤون الصينية، وعضو في الاتحاد الالكتروني الدولي للقلميين أصدقاء #الصين.

تعليق 1
  1. بشار جابر يقول

    مقال رائع ويصف انجازات الحزب بحيادية وواقعية؛ وبالطبع التجربة الصينية مدرسة للاجيال القادمة.
    كل الاحترام للصديق خالد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.