سكك الحديد الصينية.. شريان العالم النابض بالحياة

0

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
د. حمزة رافع الفضلي:

عالم سريع التغُير

خلال الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، كانت السكك الحديدية تجسد انتصار الإبداع العلمي من أجل التغلب على قيود الزمان والمكان.  فمنذُ  تلك اللحظة، بدأت الأمم تتسابق لتحصيل أسباب المنعة, القوة والتفوق, وكما انطلقت أمم الارض جميعها تنطلق الصين اليوم، استكمالاً لمشروع النهضة (الاصلاح و الانفتاح 1978) التي اعلنته قبل نيّف وأربعة عقود ماضية، مستمسكةً بثالوث المعرفة: الاكتشاف، الاختراع والإبتكار, لتصبح  سكك الحديد فائقة السرعة “بطاقة عمل وطنية”، تعكس هوية الصناعة المحلية بكل فخر واعتزاز (صنع في الصين), وواحدة من أنجح الصناعات الإستراتيجية والإبداعية على المسرح العالمي(1).

لمحة تاريخية

على إثر زيارته لليابان في أكتوبر(1978), قام نائب الرئيس “دنغ شياو بينغ”، بتجربة الشينكانسن (شبكة من القطارات فائقة السرعة في اليابان)، وقد صرح للوفد المرافق و للمحررين المجودين معه حينئذ: هذه التجربة تدفعنا الى الهرولة, ونحن نحتاج بشدة الى الهرولة. تلك الكلمات كانت تحمل في طياتها الكثير والرغبة الملحة للتحديث السريع واللحاق بركب الدول المتقدمة(2). وبعد مضي أربعة عقود على تلك الكلمات الملهمة، كانت الصين “تهرول” و “تسابق الزمن”،  فقد طورت سكك الحديد فائقة السرعة الخاصة بها لتصل الى سرعة فعلية، تقدر بنحو 394 كم/ساعة، متجاوزةً بذلك “الشينكانسن الياباني 250 كم/ ساعة “، وبإجمالي طول ما يفوق أوروبا واليابان, صارخةً في وجه العالم أن خارقة السرعة (الآرمادا- سي تشي أر) صنع بأيدي سحرية وعقول صينية خلاقة. فالصين لم تغير فقط مفهوم السرعة في عالم تنقل القطارات, و لكنها تنقل الناس لعالم الزمان والفضاء في الوقت ذاتة.

الانطلاق نحو المستقبل (الحزام و الطريق)

في خريف عام 2013، أطلق الرئيس الصيني “شي جين بينغ” مشروعاً اقتصادياً استراتيجياً, غير مسبوق باسم مختصر “الحزام والطريق”، حيث وصفه الرئيس بنفسه بأنه “مشروع القرن” الذي سيبدأ عصراً جديداً وذهبياً من العولمة، في مطلع الألفية الجديدة. من أبرز تصوراته: تعزيز البُنية التحتية والاتصال بين بلدان أوروبا وآسيا, و أن يكون لطريق الحرير في القرن الحادي والعشرين, شبكات مكثفة من خطوط سكك الحديد عبر آسيا، ممتدة الى أوروبا “هدفها الكسب المشترك والربح المبني على أسس التعاون لخدمة التبادلات الثقافية والتجارية, داخل آسيا وأوروبا”، وبالتالي توليد نتاج اقتصادي واجتماعي وربما سياسي متكامل, ونافذة للمستقبل تبني عليها الدول آمالاً واسعة وطموحات منشودة. وتُعرف الصين هذه المبادئ بأنها عقيدة “مجتمع المصير المشترك”. ايضاً تهدف المبادرة بشكل أساسي في جعل المقاطعات الغربية والشمالية الغربية من البلاد أكثر ديناميكية من خلال ربطها بعضها ببعض. ويبقى طريق الحرير رمزًا للتاريخ والثقافة الصينية، لما له من  أهمية وقيمة, وسكك الحديد أصبحت الشريان النابض بالحياة للعالم(3).

أن جوهر طـريـق الـحـريـر الـجـديـد هو خلق نقاط ربط بين جميع الدول والقارات تجعلها تشترك في نظام تنمية عالمي، لذلك يكون بناء الطرق  الطويلة والجسور العملاقة حاجة حيوية. وعصب هـذه الطرق هـو بـنـاء سـكـك الـحـديـد، واسـتخدام الـقـطـارات العالية السرعة، مثل قطارات الرفع المغناطيسي ماغليف,(Maglev)، فهي محرك الإنتاجية.

واقتبس أخيراً كلمة الرئيس شي جين بينغ: ” إنني أتطلع إلى مشاركتكم جميعاً في النظر إلى الأمام، بعد الوقوف على قمم الجبال الشاهقة“، والمضي قدماً يداً بيد، وخلق مستقبل جميل للبِناء المشترك لـ”الحزام والطريق”(4).

 

نبذة عن الكاتب:

# د. حمزة_رافع_الفضلي: مُتخصّص في الشؤون الصينية، ومُقيم في جمهورية الصين الشعبية، وصديق مُقرّب من #الاتحاد_الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء (وحُلفاء) #الصين.

المصادر:

1-            وي شنغ, أنظمة خطوط سكك الحديد فائقة السرعة Wei, Sheng, et al). Exploring the potential of open big data from ticketing websites to characterize travel patterns within the Chinese high-speed rail system).

2-            جانغ وي,  Zhang, Wei-Wei) الزلزال الصيني : نهضة دولة متحضرة).

3-            ماو هاييو : مبادرة الحزام والطريقMao, Haiou, Does Belt and Road) .(Initiative Hurt Node Countries?

4-            خطاب الرئيس شي جين بينغ في الجلسة الافتتاحية للدورة الثانية لمؤتمر  الحزام والطريق المنعقد في العاصمة بكين في تاريخ  بكين في تاريخ ٢٠١٩/٠٤/ ٢٦، تم الاطلاع عليه بتاريخ 17/8/2019.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.