في اليوم الوطني السبعين “ما الذي حققته الصين؟”

0

جريدة الغد الاردنية، الثاني من أكتوبر تشرين الاول ٢٠١٩م
بشار جابر*:

تحتفل جمهورية الصين الشعبية في الأول من أكتوبر بـ”اليوم الوطني” الـ(70) على تأسيسها، وتعم الفرحة في الصين بهذه المناسبة، وهي عطلة رسمية لمدة أسبوع كامل، لذا تجد المدن الرئيسية تكتظ بعشرات الملايين بسبب السياحة الداخلية، وتصبح بعض المواصلات مشغولة بنسبة تصل لـ(100%)، بالطبع كل الشعوب تحتفل بأعيادها الوطنية، ولكن قليل منها تحقق لها الاستقلال الفعلي، وعدد أقل حققوا الرخاء أيضاً.

اليوم أًصبحت الصين قوة اقتصادية يخطب ودها، بعد أن أهلكتها وقسمتها حربي “الآفيون الأولى والثانية” خلال القرن الـ(18) وصولاً للعدوان الياباني عليها في ثلاثينيات القرن الماضي وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، مما يعني بأن الصين خرجت من هذه الحروب منهكة ومتداعية والأسوء مقسمة -بسبب الامبريالية الغربية-، وبقيت كذلك حتى حسم الشعب والحزب الشيوعي الصيني الحرب في العام 1949 وقاد حزبها نهضة أمة ليومنا هذا.

منذ ذلك التاريخ قام الحزب الحاكم بقيادة الرئيس “ماو” بتنظيم أموره الداخلية تأسيساً لانطلاقة الصين نحو القمة، وتبنت الصين سياسات إصلاحية مخططة وناجحة منها “الإصلاح الزراعي” و”الثورة الثقافية”، وفي العام 1978 تابع أمين عام الحزب “دنغ شياو بينغ” النهج الإصلاحي للصين وأصبح لديه قاعدة انطلاق قوية، ومنها قرر بداية “سياسة الباب المفتوح” للصين على العالم و”محاربة الفقر” و”الارتقاء بالمستوى التعليمي”، هذا التأسيس وهذه الانطلاقة مهدت لدخول الصين بمصاف الدول العظمى.

وعودة للسؤال الرئيسي، نجد أن إنجازات الصين متعددة، فلعل أهمها تحقيق الصين قفزة عظمى في الناتج القومي الإجمالي بحلولها ثانياً على مستوى العالم بإجمالي (13.28) ترليون دولار أمريكي للعام 2018 مقارنة بإجمالي (149) مليار دولار أمريكي فقط للعام 1978 أي أن الناتج تضاعف (89) مرة، مما ساعد في رفع دخل الفرد من (171.2) يوان في العام 1978 الى (28,228) يوان بفي لعام 2018 ، وباعتقادي لا يكاد يخلو بيت من منتج صيني وهو ما يعد دليل على القفزة الانفتاحية للاقتصاد الصيني، وأيضاً حققت انخفاض دراماتيكي بأعداد من هم تحت خط الفقر، ففي العام 1978 بلغ عدد فقراء الصين (770) مليون وهو ما يعادل (97.5%) من التعداد السكاني، الى (16.6) مليون تقريباً حتى نهاية العام 2018، ودليل آخر على مستوى الرخاء وصول هو أعداد مليونيري الصين لأكثر من (1.3) مليون بالمرتبة الثانية على مستوى العالم.

أما في مجال التعليم العالي، فيجب القول بأن السمعة العالمية للجامعات الصينية بتحسن مستمر وذلك بفضل سياسات انتهجتها الحكومة مثل مشروع (211) و(985) و(مبادرة الدرجة الأولى المزدوجة)، فمثلا ارتفع تصنيف الجامعات الصينية لتصبح (6) من الجامعات الصينية ضمن الـ(100) الأولى في العالم، كما ساهم ذلك بجذب الطلاب الأجانب ليلامس (500) الف طالب، منهم جزء بسيطة على حساب المنح الصينية أقل من (13%)، مما جعل الصين تحل ثالثة بأعداد الطلبة الأجانب بعد كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، والمثير أكثر للإعجاب أنها انتقلت للمركز الثالث في العام 2018 بعد ان كانت بالمركز التاسع عام 2015.

أما في مجال السياسة الخارجية فقد حققت الصين العديد من الإنجازات، منها انتزاع مقعدها بالأمم المتحدة عام 1971، وأيضاً اعتراف عالمي بسياسة “الصين الواحدة”، وفي العام 2013 قام الرئيس الصيني “شي” بإطلاق مبادرة “الحزام والطريق” والتي شكلت منعطف تاريخي لاقتصاد الصين والدول المشاركة بها وخاصة الآسيوية، فهذا التكتل الاقتصادي يهدف الى ربط الصين بأوروبا وأفريقيا مروراً بالدول الأسيوية، وبالطبع قامت العديد من الدول بالمشاركة في هذه المبادرة، وتم البدء بربط اقتصادات الدول المشاركة وصولاً للتكامل المستقبلي، واليوم يعتبر التكتل التجاري الثاني من حيث عدد الدول واقتصاداتها.

اليوم وفي عهد الرئيس “شي” تعتزم الصين للتوجه الى “صناعة الابداع في الصين”، حيث تستقطب الصين أصحاب الأفكار الإبداعية من كل حدب وصوب، لتطبيق مشاريعهم واقتراحاتهم من قلب الصين، مع العلم بأن التطور الملاحظ بالصين يضاهي الدول المتقدمة، وأذكر منها شبكات النقل والاتصالات وأنظمة الدفع الذكية، والتسويق من خلال تطبيقات ذكية لكافة البضائع، بالإضافة الى انشاء مدن جديدة وحديثة مثل “شينزين وتيانجين”، وهذا التطور خاصة في تقنيات الاتصالات وأعني الجيل الخامس “انترنت الأشياء” أزعج الولايات المتحدة، فهذا يعتبر تطور تخطى المسموح به للدولة تعتبر منافسة من وجهة نظر الكاوبوي الأمريكي.

بالختام، قليلة هي التجارب التي تثير الاعجاب لدول انتفضت من رماد الاستعمار والجهل والتخلف وصولاً لقمم الاقتصاد والإنسانية، والصين مثال جيد على ذلك، وأكثر ما أثار دهشتي هو قدرة الحزب على إدارة بلد عدد سكانه يقارب (1.4) مليار نسمة، وبالطيع يشبه الحزب “الحكيم الخبير” الذي يعرف مخارج ومداخل مجتمعه وادارته، وبحكم (70) عام من الحكم تم بلورة فكره وقدرته على تجديد شبابه كل ما سنحت له الفرصة وأصبح كمنظمة متعلمة لديها نظام ذكي يتوقع المشاكل وقادر على حلها.، كما أنه قاد مسيرته وانفتاحه على العالم من دون حروب ونزاعات تذكر، فالطبيعة المسالمة للشعب تنعكس على سياسته الخارجية التي تعتمد “رابح-رابح” في نهجها وتجنب الحروب التي لا نفع لها.

#المسؤول الأكاديمي في الاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء الصين، ومُحلِّل سياسي واقتصادي أردني، وطالب دكتوراة في التجارة الدولية (الاقتصاد التجاري) جامعة UIBE.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.