العلاقات اللبنانية – الصينية على ضوء طرح السيد نصر الله: هكذا تُرسم خارطة الطريق

0

موقع العهد الإخباري ـ
محمود ريا:

أثارت الرسالة التي وجهها الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله إلى المسؤولين اللبنانيين للتوجه شرقاً نقاشاً واسعاً على الساحة اللبنانية نظراً لجدّتها وفرادتها، وبحثاً عن المآلات التي يمكن أن توصل إليها على المستويين السياسي والاقتصادي في لبنان.

ما قاله السيد نصر الله لم تعتَدْ عليه الساحة اللبنانية التي تتركز عيون معظم الفاعلين فيها على الغرب، بما يمثله أميركياً وأوروبياً، ونتيجة لذلك شكّل هذا الكلام صدمة ـ إيجابية أو سلبية ـ عند كل المتابعين للوضع على الساحة.

ولعلّ المساحة الواسعة التي أعطاها السيد نصر الله لموضوع الصين والتعاون مع الدولة والشركات الصينية هو الذي لفت أكثر من غيره، لأنه بدا طرحاً متكاملاً يحمل في طياته الأسباب الموجبة والأهداف وآليات العمل، بحيث إنه لا يحتاج إلا إلى تحويله إلى نص قانوني بالمصطلحات المعتمدة دستورياً وقانونياً قبل إقراره وبدء العمل به.

فهل لبنان مستعد للسير بهذا المشروع؟ وهل يمكن أن يؤدي سلوك هذا الطريق إلى إنقاذ لبنان فعلا من أزمته الاقتصادية، ومن ثم السياسية؟

مما لا شك فيه أن آفاق العلاقات الصينية اللبنانية واسعة جداً، فالصين دولة عظمى، واقتصادها منطلق بقوة ليصبح الاقتصاد الأول في العالم، وعلاقات الصين مع دول العالم قائمة على مبادئ المصير المشترك للبشرية والمنفعة المتبادلة على قاعدة “رابح ـ رابح”، وليس على أسس استغلال القوي للضعيف وهيمنة الكبير على الصغير.

ولبنان دولة صغيرة ومنهكة اقتصادياً، وبحاجة إلى دعم سخي ومتواصل للنهوض من الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها. ولكنه أيضاً دولة تتمتع بموقع جغرافي هام جداً كبوابة باتجاه الشرق العربي من ناحية، وباتجاه أوروبا من ناحية أخرى. كما أن لبنان يمتلك إمكانيات مهمة جداً على رأسها العنصر البشري الخبير والمدرب والقطاع المصرفي المتطور والملَكات التجارية المميزة والمواسم الزراعية رفيعة المستوى والصناعات التقليدية والغذائية التي تغري المواطن الصيني.

وهذا يعني إمكانية وجود تقاطعات اقتصادية كبيرة بين البلدين، إذا ما تم العمل عليها فإنها ستعود بالفائدة على الصين وعلى لبنان أولاً، وعلى منطقة غرب آسيا وأوروبا بشكل عام.

بعد عرض كل هذه الإيجابيات المفيدة لتطوير العلاقات اللبنانية الصينية يأتي السؤال: لماذا لم يحصل هذا الأمر بعد؟ هل هناك إهمال لهذا الملف عند المسؤولين اللبنانيين أم هناك عقبات تعترض نيّتهم السير في هذا الاتجاه؟

المتابع للأوضاع في لبنان يمكنه القول بصراحة مطلقة إن هذا الملف ليس مدرجاً بحرارة على طاولة المسؤولين التنفيذيين اللبنانيين، وإنما يجري التعاطي معه ببرود واستنسابية وفي بعض الأحيان ـ للأسف ـ باستخفاف.

يمكن هنا الحديث عن “الهوى الغربي” للكثير من المسؤولين اللبنانيين كعائق أساسي في التعاطي مع العلاقات مع الصين بشكل جدي، وهذه نقطة تحتاج إلى معالجة منفصلة وعميقة وليس موقعها في هذا النص.

بعد ذلك يمكن الحديث عن عقبات يضعها الغربيون أنفسهم في وجه تطوير العلاقات الصينية – اللبنانية، وذلك من خلال التهديد والتهويل وإرسال الرسائل المحذرة للمسؤولين اللبنانيين إزاء إمكانية بحث أي عرض قد يكون تم تقديمه من الجانب الصيني.

ولا بد من الإشارة إلى نقطة أخرى مهمة جداً تتعلق بآلية عمل المؤسسات والشركات الصينية في العالم، وهي كونها تعتمد الصرامة والشفافية في تقدير التكاليف والنفقات، وهذا الأمر لا يتناسب مع بعض السلوك السائد في أوساط المسؤولين اللبنايين الذين يرغبون في بعض “الضبايبة” في الأرقام لحفظ “مصالحهم الخاصة” من الصفقات.

كل هذه العقبات وغيرها كغياب إطار قانوني ينظم التبادل الصيني اللبناني، يجعل العلاقات بين البلدين بعيدة عن المأمول من اللبنانيين، ومن الصينيين أيضاً، ويجعل كل ما يُحكى عن تطوير لهذه العلاقات مجرد آمال تحتاج إلى بذل الكثير من الجهود النفسية والقانونية والإجرائية وإلى قدر كبير من الشجاعة والتجرد والبعد عن الأنانية لدى المسؤولين اللبنانيين لكي تصبح واقعاً على الأرض.

الخطوة الأولى يجب أن تكون إيماناً لدى المعنيين في لبنان بأهمية التوجه شرقاً، ووضع خطة حقيقية وجدية للتعامل مع هذا الموضوع، والبدء في وضع الأطر القانونية اللازمة لجعل العلاقات اللبنانية الصينية مستدامة ومتطورة وتحمل المنفعة للطرفين، وعندها يمكن البدء بالاستفادة من ثمار هذه العلاقات في تخليص لبنان من الأزمة الاقتصادية المستعصية التي يعاني منها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.