صفقة واشنطن وبكين “التاريخية”: هل تنهي نزيف الحرب التجارية؟

0

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
د. خالد رمضان عبد اللطيف:

يوقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكبير المفاوضين الصيني ليو خي، اتفاق التجارة المرحلي الذي يتألف من 86 صفحة اليوم الأربعاء، والذي يصادف الذكرى السنوية الثالثة لزيادة واشنطن التعريفات الجمركية المقررة على الألواح الشمسية الصينية، مما فتح الباب على مصراعيه أمام اندلاع حرب تجارية عنيفة وضعت 735 مليار دولار في مهب الريح، وكبدت الشركات الأمريكية خسائر بنحو 46 مليار دولار، وأضعفت النمو والصادرات الصينية بشكل كبير.

من المرجح أن ينعش الاتفاق التاريخي الآمال بإنهاء نزيف حرب تجارية مريرة كلفت أكبر اقتصادين في العالم مليارات الدولارات، وتراجعت بالنمو العالمي الهش أصلاً لأدنى مستوياته منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وسيكون مهماً على مستوى بناء الثقة بين الطرفين من أجل المضي قدماً صوب مفاوضات المرحلة الثانية المهمة، وربما الحاسمة، في إنهاء الصراع التجاري بين القطبين الكبيرين، بما في ذلك النزاع الذي وصل إلى أروقة منظمة التجارة العالمية، والذي يتجادل فيه الطرفان بخصوص الإعانات الحكومية للشركات، والسياسات الصناعية التي تخلق بيئة تنافس غير عادلة.

برغم أهميته المرحلية، إلا أن الاتفاق لم يحسم نقاطاً جوهرية وقضايا هيكلية أساسية في صميم النزاع الثنائي لا زالت غامضة، مثل مصير القضايا الخلافية المتعلقة بحماية الملكية الفكرية، وتكنولوجيا الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي، وربما يكون الاختراق الأهم هو “تعهد الصين بإصلاح الضرر الذي وقع على المزارعين الأمريكيين، عبر شراء منتجات زراعية بقيمة 200 مليار دولار”، لكن إلى متى ستستمر الصين في شراء سلع زراعية بمبلغ 200 مليار دولار؟.

لو دققنا في تصريحات ترامب الذي ذكر بأن الصين تعهدت بشراء منتجات زراعية بـ 50 مليار دولار سنويًا، فإن هذا يعني أن بكين ستشترى هذه المنتجات لمدة 4 أعوام،  وهذا  يقارب ضعف ما اشترته الصين في ذروة عام 2012، ولهذا فإنه من غير الواقعي أن تزيد الصين من مشترياتها الزراعية بهذه السرعة، والأقرب للمعقولية هو أن ترامب اختار مبدأ النفعية السياسية، على اعتبار أن التوصل إلى اتفاق مؤقت يجري الترويج لتضخيمه إعلامياً، سيهدئ من روع الأسواق العالمية، ويؤمن له بالتبعية إعادة انتخابه على سدة الرئاسة في الولايات المتحدة.

ولحين معرفة التفاصيل، يحق للمصدرين والشركات أن يبقوا سقف الآمال منخفضاً، حتى لو استمرت البورصات العالمية في التهليل للاتفاق، لأن خفض الرسوم الجمركية لن يفيد على الأرجح سوى مجموعة محدودة جدا من أصحاب الأعمال والمصدرين.

وكان من اللافت أمران تم التخطيط لهما بعناية كبادرة على حسن النية عشية الاتفاق، الأول: إسقاط إدارة ترامب وصفها للصين كمتلاعب بالعملة، قبل 24 ساعة فقط من توقيع الصفقة، بعد إدراجها ضمن هذا التصنيف من قبل وزارة الخزانة الأمريكية قبل خمسة أشهر، الأمر الذي دعم قيمة اليوان الصيني ليرتفع مقابل الدولار الأمريكي لأعلى مستوى في خمسة أشهر ليصل إلى 6.8841 دولار، والأمر الثاني: إعلان الجمارك الصينية أن الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة انخفض في 2019 بنسبة 8,5% إلى 296 مليار دولار.

في المجمل، سيؤدي الاتفاق  بالمستثمرين إلى إعادة التركيز والتدقيق أكثر على أسواق السلع والصادرات والنمو مع إعادة تشكل خريطة العلاقات التجارية الأمريكية الصينية، حيث تحتل السلع مركز الصدارة في الصراع التجاري بين الكتلتين الأكبر في العالم، وسيتم مراقبة السلع التي لا تزال تخضع للرسوم، إذ لا تزال واشنطن تفرض رسوما جمركية بنحو 25 في المائة على واردات صينية بحوالي250 مليار دولار سنوياً.

يجب أن يدرك الجميع بيقين، أنه لا فائز ولا مهزوم في الحرب التجارية، فالكل خاسر، أما الاتفاق الجزئي فيبقى على أية حال أفضل من استمرار النزاع التجاري على المدى الطويل، علماً بأن انحناء طرفي الصراع للتوقيع على صفقة تجارية في هذه المرحلة الحساسة من عمر الاقتصاد العالمي، الذي بات على شفا الركود، تأخذ في الاعتبار ما يمكن أن تؤول إليه الأحداث المستقبلية، خاصة وأن كرسي الرئاسة في البيت الأبيض لا زال متأرجحاً، في ظل متاعب ترامب السياسية والمتعلقة بإمكانية عزله عن منصبه، ووسط ترقب منقطع النظير من الجمهوريين والديمقراطيين لما ستؤول إليه معركة الرئاسة نهاية العام الجاري.

يمكن التأريخ للحرب التجارية بما قبل ترامب وما بعد ترامب، ولهذا فمن المرجح ألا تعود الأوضاع الاقتصادية إلى مستوى معدلات النمو والتوظيف والصادرات والطلبيات الصناعية وإنفاق المستهلكين إلى سابق عهدها قبل اندلاع الأزمة، ويتوقع أن يظل الرئيس الأمريكي مهاجماً للتنين الصيني لتعزيز شعبيته كلما اقترب موعده مع الناخب الأمريكي برغم توقيع الاتفاق، إذ يعشق أنصاره تهجمه وانتقاده المتكرر لبكين، ولهذا فإن على الجميع أن ينتظر مفاوضات قاسية خلال المرحلة الثانية من الاتفاق التجاري.

عند طاولة المفاوضات، لا يفوتنا أن نعقد مقارنة بسيطة بين أسلوبي واشنطن وبكين إزاء التفاوض حتى الوصول إلى لحظة التوقيع وفلاشات المصورين، حيث يقوم ترامب أولاً بتحديد نقاط الضعف والقوة في خصمه، ثم يحاول فرض أسلوبه المتهور والعدائي، مع التظاهر بدفع الأمور صوب الهاوية، ثم يتراجع في آخر لحظة على أمل أن ينجح في دفع خصمه للقبول بالعرض الأمريكي، وهو يصف أسلوبه في إحدى تغريداته قائلاً: “إن طريقتي في عقد الاتفاقيات بسيطة للغاية وواضحة.. أنا أضع أهدافا عالية، ثم أضغط وأضغط وأضغط للحصول على ما أريده”، في المقابل يختلف أسلوب التفاوض الصيني عن نظيره الأمريكي، إذ يبتعد تماماً عن أسلوب الضغط محاولاً تسوية المسائل المعقدة وراء الأبواب المغلقة، والقبول بمبدأ المنفعة المتبادلة للخروج باتفاق يحفظ ماء وجه الأطراف كافة.

*كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.