رسالة إلى الحكومة اللبنانية الجديدة للحث على تمتين العلاقات اللبنانية – الصينية

0

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
محمد زريق*:

منذ القدم، كان لبنان مركزاً للتلاقي الحضاري ما بين الشرق والغرب، فَمِن على الشواطئ اللبنانية انطلقت السفن التي تنقل الحرير الصيني إلى أبرز عواصم الغرب. كانت بيروت الرابط الفعلي بين شعوب العالم، خصوصاً أنَّ وسائل النقل كانت بدائية والقارة الأميركية لم تكن موجودة على خريطة العالم.

استفادت الصين القديمة من موقع لبنان الاستراتيجي خلال الفترة الفعلية لطريق الحرير حيث كان لبنان منطقة مهمة على طريق الحرير القديم وجزءاً أساسياً منه. إنَّ غنى لبنان بالموارد الطبيعية والموقع الجغرافي المتميز هي من أهم أسباب ضم لبنان إلى السلطنة العثمانية قديماً، وقد جعلت فرنسا من لبنان موطئ قدم لها ونقطة استراتيجية مطلة على منطقة الشرق الأوسط. فبالرغم من مساحته الجغرافية الصغيرة إلا أنَّ الدول الكبرى كانت مهتمة بلبنان بسبب موقعه الجغرافي وإطلالته على شواطئ البحر الابيض المتوسط والذي يجعل منه بوابة للدخول لمنطقة الشرق الأوسط أو للانطلاق نحو الغرب.

إنَّ الواقع السياسي اللبناني والسياسة الدبلوماسية المبنية على الجمع ما بين دول الغرب والشرق على طاولة واحدة دون عداوة أو خلافات قد جعلت من لبنان معضلة سياسية، حيث أصبح دولة مركزية في تحقيق أهداف السياسات الاستراتيجية الكبرى لأهم الدول. فالولايات المتحدة لن تستطيع السيطرة على منطقة الشرق الاوسط بشكل مُحكم دون الدخول من بوابة هذه المنطقة واستحواذها على مفتاح البوابة، كما أنَّ الصين لن تستطيع أن تنفذ مبادرة الحزام والطريق بشكل سَلِس وفعَّال دون العبور من البوابة اللبنانية نحو الغرب، فلبنان هو دولة عضو في مبادرة الحزام والطريق، وقد لعب دوراً هاماً في إنجاح طريق الحرير القديم.

يَمُر لبنان اليوم بمرحلة حساسة ومفصلية من التاريخ السياسي المعاصر، بحيث أنَّ الشعب يُجمع على استعادة القرار السياسي من القوى العظمى إلى الساحة الوطنية، فقد جرت العادة أنه عند انتخاب أي رئيس أو اتخاذ أي قرار، على ممثلي الأقطاب السياسية في لبنان التواصل مع القوى الإقليمية والدولية دون الاحتكام إلى الإرادة الشعبية. ربما تكون هذه العملية الخارجة عن الأطر القانونية والدستورية والتي تعتبر مخالفة لسيادة الدولة هي السبب الأهم وراء فشل دخول الاستثمارات الصينية بقوة إلى لبنان، هذه الاستثمارات التي ستكون الدافع الأكبر لتشغيل عجلة الاقتصاد اللبناني وضمان السيادة الوطنية في الوقت نفسه.

استبشر اللبنانيون خيراً بتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور حسان دياب، وقد أطلقت هذه الحكومة وعدها المهم بالابتعاد عن الزواريب السياسية والعمل بشكل جدّي على إنقاذ الاقتصاد اللبناني ودعم سعر صرف الليرة مقابل العملات الأجنبية.

من أجل تحقيق هذه المهمة وَقَعَ الإختيار على الدكتور غازي وزني كوزير للمالية. إن الدكتور وزني وكخبير إقتصادي هو على يقين تام بأنَّ عملية إنقاذ الاقتصاد الوطني لن تتم من الداخل، فلبنان بحاجة إما لهبات دعم من دول شقيقة أو الاستدانة مجدداً على شاكلة مؤتمر سيدر، الذي سيكلف الدولة الكثير ويزيد من نسبة الدين العام، والمخرج الأخير هو اعتماد الحكومة سياسة جديدة مبنية على تسهيل الإستثمارت الخارجية داخل الأراضي اللبنانية، مما يزيد من الواردات على الخزينة الوطنية ويُعَجِل من حركة النمو الإقتصادي وذلك عن طريق تأمين الوظائف وإدخال العملات الأجنبية وإعادة الثقة بلبنان كشريك اقتصادي محتمل.

أثبتت التجارب مع الحكومات السابقة أنَّ لبنان لا يزال في دائرة الارتهان الخارجي وأنه لا وجود لقرار سياسي لبناني داخلي فعلي. ظهر هذا الارتهان بشكل جلي بعد أن تمَّ وضع ملف الإستثمارات الصينية في درج الإهمال والنسيان، كما جرت العادة مع غيره من القضايا المهمة والمفيدة اقتصادياً واجتماعياً. وفي حديث مع السفير الصيني في لبنان وانغ كه جيان أكّد فيه على أنَّ الصين مستعدة للاستثمار في لبنان وتقديم التسهيلات لأهم الشركات الصينية للقدوم والاستثمار بشرط الطلب الرسمي من الحكومة اللبنانية، وأن يكون الجو العام مناسباً لهذه الخطوة.

إنَّ لبنان هو شريك رسمي للصين عبر مبادرة الحزام والطريق، وهذه هي الفرصة المناسبة للبنان من أجل دعم اقتصاده الوطني وتحسين البنية التحتية، علماً أن الصين قد باتت واحدة من أهم الدول الصناعية وهي قادرة على جعل لبنان واحة استقرار وازدهار لا مثيل لها في منطقة الشرق الأوسط. ففضلاً عن الموقع الاستراتيجي المُطل على البحر الأبيض المتوسط، لقد تمَّ اكتشاف حقول غاز بحرية تحتوي على كميات هائلة، وهذه أيضاً من الفرص المهمة للشراكة الاستراتيجية بين الصين ولبنان عبر المساهمة في التنقيب عن النفط.

إنَّ الحكومة اللبنانية الجديدة والتي تتبنى شعارات الاستقلالية وعدم التبعية ومحاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة، هي مطالبة اليوم بفتح الأبواب أمام الاستثمارات الصينية وتشجيع تطوير العلاقة بين الصين ولبنان في الميادين كافة. إنَّ جزءاً كبيراً من المشكلة التي يمر بها لبنان حالياً هي العجز الإقتصادي وعدم قدرة الدولة على تلبية حاجات السوق المالية، لذلك ومن أجل خير الاقتصاد اللبناني والصالح العام على الحكومة الجديدة المبادرة بشكل فوري على إعطاء الضمانات للصينيين من أجل القدوم والاستثمار، وأن يكون هذا الموقف وطنياً دون تأثيرات خارجية لا تضمر سوى الخراب للبنان.

 

*مرشح للدكتوراه في Central China Normal University وعضو اتحاد الكتّاب والصحفيين أصدقاء وحلفاء الصين، مهتم في سياسة الصين الخارجية تجاه المنطقة العربية مع تركيز خاص على مبادرة الحزام والطريق، لديه العديد من الكتابات والمنشورات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.