الصين في الشرق الأوسط في وقت الإنحدارالغربي

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
أنطوان شاربنتيي*:

أصبح طريق الحرير الذي أنشأته أسرة هان حوالي عام ٢٠٦ قبل الميلاد لتوسيع الطرق التجارية الصينية مع أوروبا عبر الشرق الأوسط، مرة أخرى في أيامنا هذه، التحدي الرئيسي في العالم.
يقارن جوشوا كوبر رامو، نائب مدير مجلة تايم البريطانية “التصرف السياسي لبكين” بـ “التصرف السياسي لواشنطن”. وتكشف هذه المقارنة كيف تعتزم بكين أن تطور مكانتها في العالم من خلال الدبلوماسية والإقتصاد، في حين أن واشنطن ترسخ مكانتها ومنذ عقود، لاسيما بعد سقوط الإتحاد السوفياتي, على أساس نموذج ليبرالي للغاية، يؤدي إلى زيادة إفقار الفقراء وزيادة ثراء الأثرياء. ويترافق هذا الترسيخ بسيناريوهات حروب دموية كالجارية في منطقة الشرق الأوسط منذ عشرات السنين، وتحديدا منذ دخول الولايات المتحدة الأمريكية إليها، خصوصاً عندما حلّت محل الأوروبيين, فالولايات المتحدة الأمريكية تنشر فكرها السياسي في جميع أنحاء العالم تحت مسمى “الديمقراطية” والتي ليست بالحقيقة سوى مناورات، وحروب، واحتلال، وتدمير وتسلّط على ثروات الشعوب و مقوماتها .
تعتبر أحداث ١١ أيلول في عام ٢٠٠١ لحظة محورية في التاريخ الإجرامي للولايات المتحدة الأمريكية، التي استغلت صعود الإرهاب التكفيري ـ الذي شاركت هي فعلياً بتأسيسه وتغذيته ودعمه منذ حربها في أفغانستان ضد الإتحاد السوفيتي ـ لتجعل من هذا الإرهاب الذريعة والحجة أولا لجعل الإسلام عموماً العدو الوحيد في العالم, وثانياً لترسخ وجودها في عدد من الدول العربية التي تمتلك مخزونا كبيرا من البترول والغاز، كالعراق والعربية السعودية وقطر, حجتها في ذلك الدفاع عن هذه الدول ضد الإرهاب التكفيري.
منذ تلك الفترة أصبح الإرهاب التكفيري الذي تموله الولايات المتحدة الأميركية بشكل كبير ـ بإعتراف قادتها السياسيين ـ الأداة الأساسية لتدمير جميع البلدان، والإطاحة بجميع القادة الذين لا يخضعون لإملاءاتها ولا يطبقون قراراتها، ولا يخدمون مصالحها. لكن هذا المنطق السياسي الأميركي أدى إلى تراجع المعسكر الغربي في العالم بشكل عام وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، مما وضع الغرب في طريق مسدود. وكان هذا أحد العوامل التي ساعدت صعود روسيا والصين على الساحة الدولية والدخول إلى الساحة الشرق أوسطية.
لم تستند الصين في إستراتيجيتها إلى سياسة التدخل الإنساني، ولا إلى مفهوم معين للديموقراطية، ولا إلى فرض إرادتها من خلال القوة العسكرية المفرطة، بل تبنت مبدأ التنمية الإقتصادية فحسب.
فخلال زيارة قام بها الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى كازاخستان عام ٢٠١٣، تكلم عن مشروع “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير”. وبعد بضعة أشهرٍ في إندونيسيا، أثار الرئيس الصيني نفسه فكرة “طريق الحرير البحري”. ومنذ ذلك الحين، كانت لدى الصين رغبة في التوسع في الشرق الأوسط. ومن هذه الفكرة، بدأ الرئيس الصيني سلسلة من الزيارات إلى دول الشرق الأوسط بما في ذلك المملكة العربية السعودية وإيران ومصر والإمارات العربية المتحدة والعديد من البلدان الأخرى.
وكان قادة الصين قد أعلنوا مراراً وتكراراً, منذ منتدى الصين للتعاون بين الدول العربية في عام 2004، أن الشرق الأوسط مجال حيوي وضروري وحاسم بالنسبة لهم. ومع حلول عام ٢٠١٨ اكتسبت مبادرة “حزامٌ واحد، طريقٌ واحد” زخماً كبيراً. وقد تعهدت الصين بتقديم 20 بليون (مليار) دولار لإعادة البناء الاقتصادي في الشرق الأوسط. هذا ووقعت مصر على عددٍ كبيرٍ من العقود والإتفاقيات مع الصين، ويقدر عدد الشركات الصينية العاملة في مصر بحوالي 1558 شركة, وهذه الإستثمارات لها ما يماثلها في إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية ودول الخليج.
لقد منح تحالف روسيا مع الصين هذه الأخيرة فرصة الدخول في عدة ملفاتٍ سياسية في الشرق الأوسط، وكان هذا أمراً غير متاحٍ لها سابقاً لولا هذا التحالف. وهذا يسمح للصين بالإنفتاح على الخارج بهدف كسر الطوق الذي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية فرضه عليها، خصوصاً في البحر الجنوبي.
لم تتدخل الصين بطريقة مباشرة في الحرب القائمة في سوريا كما فعلت روسيا منذ عام ٢٠١٥، لكنها استعملت حق النقض الفيتو عدة مرات, متضامنة بذلك مع روسيا، وسوريا ومحورهما، معطلةً بذلك قرارات المحور الغربي في الأمم المتحدة.
وهكذا أصبحت الصين شريكاً مهماً في محور روسيا، وإلى جانب سوريا في الحرب القائمة ضدها، مما يؤهلها للمشاركة الفعلية في إعمار سوريا وإبرام الاتفاقيات الاقتصادية مع هذه الأخيرة، والتي تقدر بمليارات الدولارات. وهذا ما أكده الرئيس السوري بشار الأسد في عام 2019 في مقابلة مع تليفزيون فونيكس إذ أكدّ أن الصين تشارك مباشرة في إعادة إعمار سوريا.
أما بالنسبة لأوروبا، وبسبب تحالفها السياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية، فهي مُستبعدة من المعادلة السياسية والاقتصادية المستقبلية في الشرق الأوسط وستواجه صعوبة كبيرة في إيجاد مكان لها فيه.
لا يخفى على أي متابع أن الصين عانت كسائر دول العالم وبلدان آسيا من الحركات التكفيرية المتطرفة، وفي مواجهة هذه المعضلة ترى الصين نفسها مجبرة على التوفيق بين علاقاتها الاقتصادية مع الدول الإسلامية، مثل المملكة العربية السعودية، مهد الفكر الوهابي، وبين سياساتها الأمنية ومراقبتها للسلفيين على أراضيها، الذين يمكن استخدامهم من قبل أعدائها في الشرق الأوسط وأفريقيا لضرب استقرارها وتخريب مشاريعها، مما يؤثر سلباً على استيرادها للبترول والغاز.
جدير بالذكر أنه في تموز/ يوليو عام 2014، كشف “الحزب الإسلامي التركستاني” الصيني الإرهابي المتطرف عن وجوده في سوريا، وتحديدا في منطقة إدلب, حيث يدور قتال عنيف بين هذه التنظيمات الإرهابية بعضها ضد بعض وكلهم معاً ضد الجيش العربي السوري أيضاً. وإذا, فالتهديد التكفيري المتطرف ليس بعيداً عن الصين خصوصاً على حدودها مع أفغانستان وباكستان.
تعتبر احتياطات الطاقة في الشرق الأوسط ذات أهمية خاصة بالنسبة للصين، والتي أصبحت منذ تسعينات القرن الماضي مستورداً ومستهلكاً كبيرا لها. ففي عام 2017 ، بلغت واردات النفط الصينية 630 مليون طن من سائر أنحاء العالم، من ضمنها 400 ألف برميل يوميًا من الشرق الأوسط. وهذا يضع الصين في خط مواجهة مباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تحاول بشتى الوسائل منع الصين من الوصول إلى موارد الطاقة في الشرق الأوسط. وحاليا تستغل بكين انسحاب واشنطن من إتفاق فيينا المبرم مع إيران لتحل محلها وتبسط نفوذها. فعلى سبيل المثال، وقعت شركة النفط China Petrolieum Corporation شراكة مع المجموعة الفرنسية Total بهدف استغلال رواسب الغاز الطبيعي الموجودة في المياه الإقليمية لإيران وقطر في الخليج العربي الفارسي، إذ تمتلك الشركة الصينية وحسب الإتفاق حوالي 20٪ مقابل 30٪ للشركة الفرنسية التي اضطرت للتخلي بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية عن مليار دولار من الاستثمارات. وهذا ما يفسح المجال للصين لتحل محل فرنسا بكل سهولة.
إن انسحاب الولايات المتحدة في كانون الثاني/ يناير 2017 من معاهدة الشراكة عبر المحيط الهادئ قد سمح للصين أيضًا بقيادة القوى الدولية اقتصاديًا على الأقل. هذا وقد أنشأت الصين بنك الاستثمار الآسيوي (AIIB) في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2014، والذي انتسبت إليه العديد من دول الشرق الأوسط وهذا يمهد, حسب رأيي, لكسر هيمنة الدوائر المالية الأمريكية.
أخيراً, فإن صعود الصين واستراتيجيتها السياسية والاقتصادية على الساحة الدولية ومحاولاتها خلق نظام نقدي خارج عن هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية وصندوق النقد الدولي، يضعضع بشكل مباشر نظام الهيمنة الأميركية على العالم.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن, هل ستكون الصين في المستقبل عاملاً من عوامل التوازن، والتنمية والسلام في الشرق الأوسط على المدى الطويل؟ وهل أداء الصين سيكون في المستقبل القريب أفضل من أداء الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين؟
*كاتب لبناني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.