الصين وإيران: قوة الإنسانية من الحضارتين العريقتين

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
هيفاء شيه يانغ (الصين):

 

إن إيران بلد بعيد ومألوف بالنسبة لمعظم الصينيين، “بعيد” بسبب البعد الجغرافي نسبيًا؛ “مألوف” لأن إيران دائما تقع في بؤرة الأخبار الدولية الساخنة والرأي العام العالمي، ونحن الصينيين نعلم أنها تعاني من حصار قاسٍ، ونعلم أنها بلد شيعي إسلامي تقي؛ وأنها تتميز بحضارة ممتدة لآلاف السنين، حيث ولدت الكلاسيكيات العالمية مثل أعمال فردوسي وهيام وسعدي وحافظ، وأيضا أعمال داريوش شايغان المفكر المعاصر العظيم؛ ونعرف أن السجادة الفارسية تعتبر من أروع السجاجيد في العالم، وأنه منذ زمان قديم جدا، بدأ التواصل والتبادل بين الصين مع الإمبراطورية الفارسية.

في هذه الأزمة – زمن وباء كورونا، هزّت إيران كل الصين.

في بداية اندلاع الوباء بالصين، مدّت إيران يد العون بكل السرعة: يوم الأول من فبراير/ شباط وصَلَت إلى الصينَ المليونُ كمامة التي جمعتها جمعية الهلال الأحمر الإيراني؛ ويوم الثالث من فبراير/ شباط أعرب وزير الخارجية الإيراني ظريف عن تضامن إيران مع الصين، قائلا: “إيران تقف بحزم مع الصين دائما”، واقتبس بيتا من «كتاب الأغاني» القديم الصيني: “لا تقلق على نقصان الكساء، لأعطك ثوبي دفاعا لك عن برد الشتاء”. ويوم 13 فبراير أوصلت إيران الدفعة الثانية من الكمامة الطبية إلى الصين. وفي مساء يوم 18 فبراير، رفع برج الحرية في طهران شعارات تشجيع باللغات الصينية والفارسية والإنجليزية: “شدّي حيلك يا ووهان، شدّي حيلك يا صين!”

نحن الصينيين نفهم جيدا أن الثلاثة ملايين كمامة ليست أمراً سهلاً بالنسبة إلى بلد يعاني من الصعوبات الاقتصادية. ونحرص كل الحرص على هذه المشاعر الصادقة، في هذه الدنيا هناك نوع من الصداقة: ما أعطاه صديقك إياك ليس كثيرا، ولكنه قد أعطاك كل ما عنده.

يوم الرابع من مارس/ آذار، نشرت صفحة سفارة إيران لدى بكين في موقع “ويبو” طلب مساعدة عاجلة لإيران. في اليوم التالي أي مساء الخامس من مارس/ آذار، نشرت السفارة بوستا آخر:”إن الـ 24 ساعة الماضية سنذكرها إلى الأبد. إذ خلال 24 ساعة فقط، تبرع الأصدقاء الصينيون بما مجموعه أربعة ملايين يوان” (المبلغ يساوي ستمائة ألف دولار)، حيث تدفق الصينيون إلى سفارة إيران أو حولوا الأموال من خلال طرق مختلفة إلى حساب السفارة في الصين. نتبرع عادة بمبدأ الطوعية أي حسب الرغبة الشخصية، ولكن تجاه ايران، تتبرع بعض المؤسسات بشكل جماعي، وتفرض أيضا على كل واحد التبرع باسم شخصي وتحديد أدنى حد للتبرع وإرساله مباشرة إلى السفارة، ذلك كدرس التوعية الإنسانية لشبابنا أيضا، حتى نذكر طيبة الشعب الإيراني في ظل حصاره القاسي.

هذا ما قرأته من صفحة سفارة إيران لدى بكين على موقع ويبو للتواصل الاجتماعي:

سنواصل كتابة رسائل شكر إلى الصين.

رسالتنا اليوم إلى بيلي وياسمين من تشنغدو سيتشوان.

عزيزي بيلي وعزيزتي ياسمين، نحن سعداء إذ تركت إيران ذكريات جميلة في رحلتكما إليها، حيث جربتما جمال طهران وقم ومودة الإيرانيين من ابتساماتهم الصادقة. هاتان المدينتان تحاربان حاليًا الفيروس، والستمائة كمامة التي أرسلتها إليهما وصلتنا وهي تأييد قيّم لنا. نرحب بعودتكما إلى إيران حين يتبدد كابوس الوباء وتتفتح الورود!

رسالتنا اليوم، نريد توجيهها أيضا إلى آلاف الصينيين أصدقائنا الذين يقلقون على وضع الوباء في إيران. نتأثر بعشرات الآلاف من الرسائل التي نتلقاها كل يوم، ونبذل قصارى جهدنا دائمًا للرد عليها واحدة تلو الأخرى، إذ نحرص على كل قلب وكل محبة.

لقد تأثرنا بتبرع قدره عشرين يوانًا (ثلاثة دولارات)، هذا الصديق من ووهان قال: “هذا المبلغ خجول فعلا، أنا من أهل ووهان. رغم أني لم أعمل لشهرين ولم يكن لديّ أي دخل، أريد متابعة الدفء الذي كان يحتضن ووهان إلى الآخرين.”

لقد تأثرنا بالمواد المختلفة، إذ بينها الخضار والفواكه والمكسرات والبيضات، مكتوب عليها: “نخشى أن السفارة مشغولة ولم تجد وقتا لشراء بعض الحاجات.”

نعجز عن حكاية كل ما يهزنا في هذه الفترة، لنقل جملة واحدة: “نشكركم أيها الصينيون المحبوبون والأحباء!”

 

وفي هذه الفترة وجدت الكثير عن تعليقات الصينيين:

“الوباء غيّر انطباعي عن إيران، هي بلد المودة، من كان يحاول تشويه صورتها قائلاً إنها دولة إرهابية؟!”

“بدأت أتابع كل ما يتعلق بإيران، وأعشقها.”

“لم أعلم إلا هذه اللحظة أن الحصار قاس بهذه القسوة، حتى المستلزمات الطبية ممنوع نقلها إلى إيران.”

رغم المعاناة والآلام الناتجة عن الوباء، عزز كورونا التواصل والتعارف بين الشعبين الصيني والإيراني، إذ أبرز بقوة بعض النقاط المشتركة بيننا: كلانا لا نتردد أمام الإنسانية، ونبذل قصارى جهودنا من أجل أصدقائنا، وكلانا نتعرض للتشويه والتخويف والتخريب كثيرا، ولم ننكسر أبدا حتى الآن.

رغم كل ما نتعرض له، تستمر حضارتانا وأمتانا عبر آلاف السنين بدون انقطاع ولن تنكسرا أبدًا. أليس هذا ما يستحق أن نفتخر به؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.