رسائل صينية محددة في الداخل والخارج وراء اجتماع “الدورتين” بعد تفشي (كوفيد-19)

0

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
الدكتورة نادية حلمي*:

لقد تم تأجيل المؤتمر السنوى خلال الجلستين (ليانغهوى) عدة مرات منذ شهر مارس الماضى، بسبب إنشغال الصين في الداخل بإجراءات مكافحة فيروس كورونا. ولكن وسط تصميم السلطات الصينية هذه المرة على توجيه عدة رسائل داخلية وخارجية، وبأن الحكومة الصينية قادرة على التعافى والعودة لممارسة النشاط السياسى والإقتصادى بشكل سريع بعد جائحة كورونا التى أرهقت الصين داخلياً، وتسببت فى حدوث اضطرابات وخسائر عالمية، لذا تم الاتفاق على إقتراح إفتتاح الدورة السنوية الثالثة للمجلس الوطنى الــــ 13 للمؤتمر الإستشارى السياسى للشعب الصينى، أعلى هيئة إستشارية سياسية فى البلاد، في بكين يوم 21 مايو 2020. وتعد هي المرة الأولى لـ “تقرير أعمال الحكومة الصينية” بعدم تأسيس هدف محدد لمعدل النمو الإقتصادي السنوي الكمي، لأن الوضع الوبائي والوضع الإقتصادب غير مؤكد حتى الآن، نتيجة لأن التنمية الإقتصادية الصينية تواجه بعض الآثار التى لا يمكن التنبؤ بها.
وأكدت اجتماعات (المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني) بمشاركة (المؤتمر الإستشاري السياسي للشعب الصيني) على التركيز على المهام الرئيسية للحزب والبلاد، وتقديم إقتراحات وخطط جيدة لقضايا، تتمثل في: الوقاية من الوباء والسيطرة عليه وبناء مجتمع مزدهر بشكل معتدل في جميع النواحي والتخفيف من حدة الفقر، ووضع الخطة الخمسية الـ 14 خلال إجتماع “الدورتين” هذا العام.
وتم خلال المؤتمر التعاون بين المكتب السياسى للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، ونواب المقاطعات المختلفة في الصين لوضع رؤية مشتركة لما بعد أزمة (كوفيد-19). وطالب خلالها (وانغ يانغ) رئيس (المؤتمر الإستشاري السياسي للشعب الصيني) بجمع الحكمة والقوة من النواحي كافة للوصول إلى أهداف البلاد في التخفيف من أثر الوباء، وبناء مجتمع مزدهر بشكل معتدل في جميع النواحي. وستقوم الباحثة المصرية بشرح النقاط المتعلقة بذلك كافة في السطور التالية.

أولاً: الخطط المشتركة للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، وممثلى المقاطعات (النواب) لتعافي الصين من أزمة (كوفيد-19)
إهتمت الباحثة المصرية – على المستوى الشخصي – بتحليل عدد من الجوانب العامة فى الإجتماع، بما لها من دلائل وأهمية قصوى (داخلياً وخارجياً) لـــ “الدورتين” في هذا العام لعقد المؤتمر سريعاً، وتسليط الضوء عليه صينياً في الداخل والخارج أيضاً، من أجل تحقيق الخصائص والمزايا الآتية:
1) حرص اجتماع الجلستين على مناقشة (بناء مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل)، خلال مداولات الدورة الثالثة للمجلس الوطني الـ 13 لنواب الشعب الصيني. وكانت أبرز النقاشات التى دارت من أعضاء باللجنة الدائمة للمكتب السياسى للجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى، مثل: السادة (لي تشان شو، ووانغ يانغ، ووانغ هو نينغ، وتشاو له جي، وهان تشنغ)، وجميعهم أسماء معروفة للشعب الصينى وحول العالم، أكدوا على دعمهم الكامل لتقرير عمل الحكومة الذي قدمه رئيس مجلس الدولة الصيني (لى كه تشيانغ) خلال الدورة.
2) كما أتفق ممثلو اجتماعات الجلستين على عمل دراسة متأنية لمسودة (القانون المدني الجديد) فى الصين، ويتوقع أن يكون أول قانون أساسي يعرف بأنه “مجموعة قواعد قانونية شاملة” لجمهورية الصين الشعبية حال تبنيه.
– وربما يتساءل البعض عن أسباب مناقشة (القانون المدني الجديد) في الصين في مثل هذا التوقيت؟
والإجابة بإختصار هي أنه لذلك ضرورة ملحة وحقيقية في مواكبة التغيرات التي حدثت بعد أزمة (كوفيد-19)، مثل:
أ) مع الحاجة لزيادة إستخدام التقنيات التكنولوجية المتقدمة تبرز أهمية (حماية المعلومات الشخصية للأفراد وحماية البيانات الضخمة للأفراد والممتلكات والشركات والمصانع) وغيرها.
ب) مع بحث إمكانية وسبل عمل وإبرام وتوقيع (العقود الإلكترونية) في بيئة الإنترنت وإتمامها.
ج) والشيء الجديد، هو حرص قادة المجلسين أيضاً، على وضع (مدونة السلوك) المتعلقة بأنشطة البحث الطبي والعلمي الخاص بالجينات البشرية، والأجنّة البشرية. لأنها موضوعات جديدة تستلزم وجود آلية قانونية فنية جديدة ومتخصصة لمناقشة مثل تلك الموضوعات العالمية الجديدة.
3) أجمع أعضاء المجلسين على ضرورة تحسين النظام القانوني لمنطقة (هونغ كونغ) الإدارية الخاصة وآليات إنفاذ القانون، لحماية الأمن الوطني في المقام الأول، خاصةً وأن الإطار العام الذي يحترمه الصينيون هو الدستور الصينى، كما أن تحسين الإطار القانوني الأساسي لمنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، هو أمر يحترمه أبناء الشعب الصينى، وبالأخص أبناء الصين في هونغ كونغ.
4) كذلك تمت مناقشة ممثلي المقاطعات الحاضرين لإجتماع الجلستين، فعلى سبيل المثال، طالب (وانغ يانغ) رئيس المجلس الوطني للمؤتمر الإستشاري السياسي للشعب الصيني، نواب مقاطعة (سيتشوان) بمعالجة التأثيرات السلبية لوباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، ومشاركة جهود الرئيس الصيني (شى جين بينغ) في معركته ضد الفقر.
5) وكان من أكثر ما لفت الأنظار، هو تشديد السيد/ وانغ هو نينغ، عضو الأمانة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، على دعم التنمية المنسقة خاصةً للمدن الكبرى لما لذلك من دلالة حضارية أمام العالم، وبالأخص مدن: (بكين، تيانجين، خبي)، كذلك دعم المشروعات والتطور في منطقة (شيونغآن) الجديدة.
6) والجميل فى الأمر هو إعلان الجلستين عن ضرورة الاستعداد الصيني الجيد لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية في عام 2022، واتفاق نواب مقاطعة (خبي) التي ستسضيف الدورتين على ضرورة الإستعداد لها من الآن لإبراز صورة الصين ما بعد جائحة كورونا.
7) حرص النواب على مناقشة موضوع مكافحة الفساد، وتشديد الرقابة على تنفيذ القرارات والتدابير الرئيسية. وهو ما تحمس له نواب مقاطعة (هيلونغجيانغ)، متفقين مع تأكيدات (تشاو له جي)، أمين اللجنة المركزية لفحص الإنضباط بالحزب الشيوعي الصيني.
8) أكد نواب مقاطعة (شنشي) على أهمية خلق مجال أكبر لتطوير كيانات السوق، ودعم جهود الدولة كافة في مقاطعتهم لتحقيق التنمية الاقتصادية والإجتماعية، وتوفير حلول عملية لمواجهة التحديات كافة التي تواجه التنمية.
9) وكان الحرص الشديد أيضاً خلال الإجتماعات على مناقشة آليات وسبل تطوير (جيش التحرير الشعبي) الصيني، وتحديث جهود الدفاع بشكل جيد، في ظل التحديات الإقليمية والعالمية حول الصين.
10) ونجد أنه كما هو متوقع فإن تركيز الدورتين هذا العام على وضع خطط مدروسة ضد تفشي وزيادة حالة البطالة، والتي نتجت عن توقف العديد من الأعمال بعد تفشي الوباء، لذلك أكد نواب وممثلو المقاطعات على دراستهم لاحتياجات الأسواق الخاصة بمقاطعاتهم، ودراسة نسبة البطالة والمتعطلين عن العمل بعد الفيروس.
11) ونتيجة أيضاً لتأثيرات الفيروس، اتفق الجميع على أهمية حماية الفئات المحرومة والمهمشة والفقراء الذين تأثروا سلباً بالوباء.
12) حرص النواب على مناقشة كيفية وطرق تقليل العبء على الشركات الصغيرة والمتوسطة، ومساعدة السوق على التعافي، وزيادة وتنوع فرص العمل المتاحة، وإعطاء أهمية كبرى لصناعة الخدمات.
13) كان من أهم أولويات إجتماع الدورتين هذا العام وضع خطط لدراسة كيفية معالجة حالة الركود والإنكماش الإقتصادى بعد الوباء، وهو ما أثر سلباً على مستوى دخل السكان.
14) وأتت موضوعات (تحقيق الإستقرار في التوظيف، والتمويل، والتجارة الخارجية، والاستثمار الأجنبي، وجذب الاستثمارات، والتوقعات لضمان التوظيف، وسبل العيش الأساسية، والجهات الفاعلة في السوق، وتأمين احتياجات السكان والبلاد من الغذاء والطاقة، وتوفير سلاسل التوريد الصناعية الرئيسية للشركات والمصانع في الصين).
15) وحرص ممثلو الدورتين السنوية هذا العام على مناقشة كيفية الالتزام بتحقيق النمو الاقتصادي ما بعد الوباء، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتوسيع الطلب المحلي باعتباره نقطة ارتكاز إستراتيجية تؤكد تضامن جميع أبناء الشعب الصينب معاً، مما يسمح بدفع عجلة النمو الإقتصادي.
16) وكنتيجة ملحة لأسباب تفشي الوباء منذ البداية، لذا، طالب الجميع بضرورة المراجعة الشاملة لقانون حماية الحياة البرية، وأن تتخذ اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب قراراً خاصاً بشكل سريع لحظر استهلاك الحيوانات البرية، واتخاذ إجراءات صارمة ضد الإتجار غير المشروع بالحيوانات البرية.

ثانياً: رؤيتى التحليلة لتقرير “أعمال الحكومة الصينية” خلال “الجلستين”، وأهم النقاط تأثيراً وعمقاً على الصين والعالم
بمطالعتي للتقرير الصيني لعرض “أعمال الحكومة الصينية”، وأهم خططها ما بعد (كوفيد-19) – إتضح لي على المستوى التحليلي – أن الحكومة الصينية قد تبنت سلسلة من الإجراءات الاقتصادية الخاصة والسريعة الفعالية في ظل الوضع الوبائي الخاص.
وعلى المستوى الشخصي، كانت أهم الإجراءات الاقتصادية الأعمق إعجاباً لاجتماع الجلستين هذا العام، هي إجراءات كثيرة تم مناقشتها والدعوة لتفعيلها، فكنت معجبة للغاية من فلسفة الرئيس الصينى، وقيادات الحزب الشيوعي الصيني من ضرورة الإستفادة من هذه الأزمة والتعلم منها، كما يأتي هذا المؤتمر فرصة لتأكيد أعضاء الجلستين أو الدورتين التشريعتين ومؤتمره السنوي العام على تمسكه بالقيادة المركزية والموحدة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، ودعوة للحفاظ على التصميم الإستراتيجي، ومواصلة السعي لتحقيق ذلك.
لذا، حرصت الحكومة الصينية على عمل العديد من الإجراءات والسياسات الإقتصادية من أجل مصلحة الشعب الصيني في المقام الأول، ، وكانت أهم الإجراءات عمقاً وتأثيراً بالنسبة لي، هي التالية:
1) وضع خطط لمعالجة وإنعاش الإقتصاد الصيني خلال الفترة المقبلة في ظل حالة حظر السفر، وإغلاق حدود الصين والعالم للسيطرة على جائحة (كوفيد-19) ، وأول خطة يمكن طرحها هي: تقليل النفقات، من أجل إستعادة النشاط الإقتصادى عافيته وقوته، بما يؤدي إلى تشغيل الشركات والمصانع الصينية بفعالية. للتغلب على التأثيرات السلبية للوباء.
2) وضع آلية وخطط لاستضافة الصين لمعرض “كانتون” الذي يقام سنوياً فى مدينة “غوانغزو”. لكن نظراً لتوقف حركة السفر الدولية وفرض حظر على دخول الأجانب للبلاد، ستحتاج المصانع الصينية لإيجاد مصادر جديدة للأعمال التجارية. وهذا هو ما سيتم مناقشته باستفاضة خلال فترة إنعقاد المؤتمر.
3) هدفت الإجتماعات بالتأكيد لإنعاش قطاع التصنيع في المصانع والشركات الذي يشكل نحو ثلث الاقتصاد الصيني، والذي توقف بشكل مؤقت عن العمل بعد تفشي الوباء.
4) حرصت الحكومة على تناول آليات وبرامج وخطط تنفيذ حزمة إصلاحات وطنية شاملة في قطاعات الاقتصاد، السوق، الحوكمة، والصحة وغيرها، تستهدف تدعيم أنظمة السياسات والحوكمة والأنظمة المؤسسية من خلال نظام إعطاء القروض، وتفعيل نظام وأداة تمويل المشروعات، والقضاء على البطالة، وفقاً لخطة مدروسة علّ النشاط الاقتصادي يستعيد قوته ما بعد كورونا.
5) أعجبت بشدة بمناقشة موضوع مكافحة البطالة في الريف من خلال تعزيز العلاقة بين التخفيف من حدة الفقر، والإنعاش الريفي، وذلك من خلال: التشجيع الشامل لتطوير الصناعات الريفية والمواهب والثقافة والبيئة في الريف، وتشجيع “السياحة القروية” لزيادة دخل الفقراء، كضمان لتشجيع الفقراء على الإندماج فى المجتمع ومكافحة البطالة.
6) ومن أعمق الإصلاحات الإقتصادية لدعم النمو خلال الفترة المقبلة هي: مساعدة الشركات الصغيرة والمتناهية الصغر، وخفض الضرائب والرسوم، وتعزيز توظيف الفئات الرئيسية مثل خريجي الجامعات والعمال المهاجرين، والأشخاص الذين يعانون من صعوبات في العمل.

ثالثاً: إنجازات مؤتمر الجلستين
(تحسين صورة “الحزب الشيوعى الصينى” ضد المحاولات الأمريكية لتشويهه)
بإلقاء نظرة عامة على أهم النتائج التي تمخض عنها إجتماع “الدورتين”، يمكن تحليل النقاط الآتية:
1) نجح المؤتمر في تحسين صورة الحزب الشيوعي الصيني، ضد المحاولات الأمريكية لعرقلة نجاحه، وإثبات مدى تفوقه على الديمقراطيات المتعثرة في الغرب لمكافحة الفيروس، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية.
2) شكل المؤتمر فرصة ثمينة أيضاً لتذكير أبناء الشعب الصينى والمجتمع الدولى بأهم إنجازات الحزب الشيوعي الصيني خلال الفترة السابقة، فقد ذكر الرئيس الصيني (شى جين بينغ) أمام قيادات الحزب الشيوعي مؤخراً: “إن الانخفاض الأخير في الإصابات “أظهر مرة أخرى المزايا البارزة لقيادة الحزب الشيوعي الصيني، ونظام الإشتراكية ذات الخصائص الصينية”.
3) نجح الحزب الشيوعي الصيني في وضع آليات وبرامج وخطط تنفيذ إصلاحات وطنية شاملة في قطاع الصحة تستهدف إصلاح المستشفيات العامة، وتعزيز الرعاية الصحية المتكاملة، وتحسين جودة الرعاية، وتدعيم أنظمة السياسات والحوكمة والأنظمة المؤسسية من خلال نظام إعطاء القروض، وتفعيل نظام وأداة تمويل البرامج وفقاً للنتائج لإصلاح قطاع الصحة الصيني ما بعد كورونا، مع إعلان استعداده لنقل خبراته ومساعدة العالم.
4) وعلى المستوى الدولي، فتم مناقشة مدى نجاح الصين في محاصرة الوباء، والاستجابة الصينية لأزمة جائحة كورونا حول العالم، والتي (هزت الصورة الأمريكية) في النظام الدولي، ونجحت المفاهيم السياسية في السياسة الدولية للرئيس الصيني (شي جين بينغ) للتعبير عن أفكار: الترابط الدولي والتضامن العالمي، والمصير المشترك للبشرية. وهي المفاهيم التي طبقتها الصين (واقعياً) من خلال اتجاه أنظار العالم، وبالأخص الدول الأوروبية نحو الصين لطلب المساعدة.
ومن خلال هذه النقاط السابقة، يتضح حرص الدولة الصينية على التعافي سريعاً ما بعد الجائحة، مع تأكيد إجتماع الجلستين أو الدورتين على مناقشتها هذا العام بشكل استثنائي ملحّ، ومن هنا، وجدنا أن هدف الحكومة الصينية والمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، بمشاركة المجلس الإستشاري السياسي، كأهم حدث سياسي صيني كل عام، لإيصال رسالة مفادها “قدرة الصين على التعافي، وبأن الحكومة تؤدي كامل مهامها لإستعادة النشاط الاقتصادي بشكل تام”.

*أستاذ مساعد العلوم السياسية بكلية السياسة والإقتصاد/ جامعة بني سويف- خبيرة في الشئون السياسية الصينية- محاضر وباحث زائر بمركز دراسات الشرق الأوسط/ جامعة لوند بالسويد- مدير وحدة دراسات جنوب وشرق آسيا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.