آفاق التعاون الاقتصادي بين الصين والعرب بعد فيروس كورونا

0

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
محمود ريا:

تلعب الصين في هذا العصر دوراً مهماً على صعيد الاقتصاد العالمي، وتمثل مصدراً كبيراً للأمل في تجاوز العقبات التي يمر بها هذا الاقتصاد، بالرغم من الأوضاع السلبية التي يمر بها الاقتصاد الصيني نفسه نتيجة الآثار التي تركها تفشي فيروس كورونا الجديد (كوفيد -19) على أكثر من صعيد.

وينطلق هذا الأمل من مصدرين أساسيين:

ـ المصدر الأول هو قوة الاقتصاد الصيني، كونه الاقتصاد الثاني في العالم في حجمه، بما يمنح هذا الاقتصاد القدرة على التأقلم مع كل الظروف السيئة والتغلب عليها والتعافي بشكل كبير، بالرغم من الندوب التي تظهر هنا وهناك.

ـ المصدر الثاني هو الإرادة الصينية في التعاون مع الدول الأخرى في العالم انطلاقاً من المبادئ السياسية والاقتصادية الصينية وعلى رأسها مبدأ بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية، ومبدأ العولمة الرشيدة، وتطبيق مبدأ الربح المشترك وسياسة “رابح ـ رابح”، بما يشكل قوة للاقتصاد العالمي كله، بما فيه الاقتصاد الصيني طبعاً.

والأهم في هذه الإرادة الصينية أنها لا تقتصر على النوايا الطيبة والتمنيات، وإنما هي تتجسد في إجراءات ملموسة تراها كل دول العالم، يأتي على رأسها دون شك “مبادرة الحزام والطريق” التي تمثل في الواقع فرصة حقيقية لمختلف دول العالم المشاركة فيها كي تتواصل وتبني آليات تعاون عملية ومفيدة بدأت نتائجها تظهر على أرض الواقع.

ولا يمكن إنكار الانعكاسات السلبية الكبيرة التي تركها تفشي فيروس كورونا المستجد على هذا التعاون، وبالتالي العقبات الكثيرة التي وضعها أمام تعزيزه وتطويره.

ولكن بالمقابل ايضاً لا بد من النظر إلى الفرص الكبيرة التي يخلقها هذا الواقع الجديد، إذ يمكن الاستفادة من المشاكل لفتح آفاق جديدة تخدم العلاقات بين الطرفين.

وفي هذا المجال يمكن إيراد الأفكار التالية التي يمكن اعتمادها للاستفادة من تهديد الفيروس وتحويله إلى فرص لتطوير العلاقات وبناء مشاريع اقتصادية مشتركة على أرفع المستويات:

ـ لقد قدمت الصين الكثير من المساعدات للدول العربية المختلفة في إطار مكافحة فيروس كوفيد ـ 19. هذه المساعدات مهمة جداً، وجاءت في جزء منها كرد للجميل على التضامن المعنوي والمادي الذي قدمته الكثير من الدول العربية للصين في لحظات ذروة انتشار الفيروس فيها. إن تبادل التضامن بهذا الشكل أنتج صورة إيجابية لا بد من تعزيزها، من خلال استمرار المساعدات وتبادل الخبرات، مع ملاحظة أن ما قدمته الصين لم تقدمه أي دولة كبرى أخرى، ما يعطي الصين امتيازاً كبيراً من المناسب تعزيزه، كي يرسخ في ذهن المواطن العادي مَن الذي وقف معه ومن الذي تخلى عنه ولم يهتم به في ظل الجائحة الخطيرة التي تستهدفه.

ـ ينبغي أن تعمل الصين على استكشاف فرص جديدة للاستثمار في الدول العربية، سواء على مستوى ثنائي، أو على مستوى مجموعات أو مستوى جماعي عام، ولا سيما في ظل تراجع الدول الأخرى وانشغالها بأوضاعها الداخلية. ليس من المناسب أن تبقى الصين محجمة عن المبادرة والتقدم نحو الفرص الاستثمارية المتوافرة في العالم العربي، بل المطلوب البحث عن هذه الفرص ضمن إطار المصلحة المشتركة والاستفادة المتبادلة، بما يضمن الفائدة لمختلف الأطراف.

ـ الدول العربية تسعى للتخلص من قيد الاقتصاد القائم على النفط، وذلك نتيجة ما تشهده السوق النفطية من تجاذبات ومن صعود وهبوط. وهذا يشكل فرصة مؤاتية للصين للانخراط في إنشاء بنية تحتية صناعية وزراعية تقوم على الإنتاج في هذه الدول، من خلال تقديم المشاريع وخطوط الإنتاج والخبرة العميقة في مختلف المجالات.

ـ مبادرة الحزام والطريق خلقت انسيابا حقيقياً للبضائع والسلع من الصين نحو أوروبا، ومؤخراً بدأنا نشهد خطاً موازيا لتبادل السلع، إذ لم تعد القطارات الناقلة للبضائع إلى أوروبا تعود فارغة، وإنما محملة بالسلع الأوروبية، نتيجة توسيع الصين للاستيراد من هذه الدول. إن هذه التجربة الناجحة ينبغي أن تنقل إلى خط التواصل العربي الصيني عبر القطارات ووسائل النقل الأخرى. وهذا يتطلب تعزيز البنية التحتية للنقل والتنقل بين الدول العربية والصين، من خلال ربط شبكات القطارات بعضها ببعض وتطوير الأقسام المتخلفة منها كي تصبح الشبكة في مستوى واحد وتستطيع تحمل حركة البضائع والنقل ذهابا وإيابا، وفي هذا منافع ضخمة جداً للطرفين.

ـ هذا الانفتاح الصيني يتطلب بالمقابل انفتاحاً مماثلا من الجانب العربي، وذلك من خلال إيمان المسؤولين العرب بأن التعاون الاقتصادي مع الصين فيه فوائد كبرى للدول العربية. للأسف، هذه القناعة ليست متوافرة عند الكثيرين من أصحاب القرار في العالم العربي نتيجة تفكيرهم القائم على التوجه نحو الغرب. إن التعريف بحجم الفوائد التي يمكن أن تجنيها الدول العربية من التعاون مع الصين يمكن أن يحوّل أنظار هؤلاء المسؤولين العرب ـ ولو بشكل جزئي ـ الأمر الذي يجعل العلاقات الاقتصادية العربية الصينية أكثر قوة ويفتح أمامها آفاقاً واسعة.

ـ لقد شهدنا في الفترة الماضية إقامة الكثير من المعارض في الصين وفي الدول العربية التي تعرض المنتجات المتوفرة عند هذا الطرف أو ذاك. وسواء كانت المعارض صينية ـ عربية، أو كانت شاملة بمشاركة دول عربية أو مشاركة الصين، فإن هذه المعارض تشكل فرصة حقيقية للتعارف القتصادي المتبادل، ومن ثم تعزيز العلاقات الاقتصادية. صحيح أن فيروس كورونا عطّل إقامة المعارض خلال هذا العام، إلا أن تعزيز فكرة إقامة المعارض عبر الشبكة الإلكترونية (أون لاين) يمكن أن يسد هذه الثغرة، لا بل يمكنه أن يفتح آفاقاً أوسع نتيجة سماح هذه المعارض لعدد أكبر بكثير من العارضين بالمشاركة فيها، وينوّع إمكانيات التعاون الاقتصادي ويفتح الباب أمام توقيع صفقات أكثر بكثير من المشاركة المباشرة في المعارض.

 

هناك الكثير من الأفكار التي يمكن إدراجها ضمن هذه النقاط وفي موازاتها، ولكن تبقى النقطة الأهم هي الإيمان المتبادل بأن التعاون الاقتصادي العربي الصيني هو خيار لمصلحة الطرفين، والعمل على الأرض انطلاقاً من هذا الإيمان، بما يحقق المصير المشترك للأمتين، من ضمن بناء مجتمع المصير المترك للبشرية جمعاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.