محاربة الفقر في الصين: مقاربات ذات رؤية استراتيجية واضحة

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
رشيد ازريقو*:
في سنة 2013 أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ عن سياسته الخاصة، الهادفة الى استئصال الفقر نهائيا عام 2020. ها هي سنة 2020 لم يبقَ فيها إلا شهور معدودة على رؤوس الأصابع، وتزامن هذا العام مع جائحة فيروس كوفيد-19، التي عطّلت وأجّلت العديد من المشاريع الكبيرة والصغيرة، وكشفت هشاشة النظام العالمي، وأزالت الستار عن النيولبيرالية المتوحشة، التي لا تملك حلولا للأزمة الراهنة، اللهم إلا نقل أموالها من دولة الى دولة، ومن بنك الى بنك، لتزيد الفقير فقرا والغني غنى.
تاريخ الصين الحديث حافل بالتجارب، والمخططات، والمراحل في محاربتها الفقر، معتمدةً على مقاربات ذات رؤية استراتيجية واضحة في البرامج التنموية، من بينها إصلاح وتجميع الأراضي، وتطوير الصناعات الموجهة إلى التصدير، واستثمار بشكل كبير في البنية اللوجستية في المناطق الفقيرة لمواكبة التطور التكنولوجي، وتثمين المنتجات المجالية، وكذلك تشجيع السياحة القروية، ومنح القروض الصغرى بدون فوائد للتعاونيات وغيرها من المبادرات التي مكّنت القرويين من الخروج من اقتصاد معيشي إلى اقتصاد يقوم على التسويق والتصدير داخل وخارج البلاد.
التسوق في الصين، في ظل انتشار فيروس كوفيد-19، كان يشبه عالماً من الخيال، حيث المستهلك قابع في منزله لكنه يتجول في جميع أنحاء البلاد عبر تصفح منصات التسوق الإلكترونية المتطورة بخاصية البث المباشر، مما ساعد الفلاحين والمزارعين على عرض منتجاتهم عن بعد، وساهم في خلق رواج اقتصادي رغم الأزمة التي خلفتها جائحة كورونا.
المقاربة التشاركية التي تبنتها الصين في محاربة الفقر، مكنت الفئة الأكثر هشاشة من التخلص من الفقر المدقع بشكل ملموس، وأصبح سكان الأرياف أكثر إنتاجية ومردودية، وذلك بالتنسيق بين المناطق والمقاطعات الغنية والفقيرة لتحقيق تنمية مستدامة وخضراء، وتشير الأرقام في العام الجاري سيتخلص 5.51 مليون من الفقراء من معضلة الفقر، ما يدل على أن 10 أشخاص سيودعون عالم الفقر في كل دقيقة.
رغم التحديات والصعوبات التي تواجهها الصين حاليا في معركتها ضد الفقر، فهي عازمة وبخطوات ثابتة على كتابة قصة تشبه سورها العظيم في محاربة الفقر والتخفيف من حدّته.
الإنجازات والنتائج المذهلة التي حققتها الصين في محاربة الفقر، هي نتيجة لقرارات وسياسات حكيمة، تضع الشعب ورفاهيته في المقام الأول، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مما شجع التنافس بين المسؤولين في تحصيل نتائج كبيرة ومرضية، مما يكرس قيم الحوكمة الجيدة، ويجعل من المواطن فاعلاً ومسؤولاً. والرهان الأساسي هو على تجاوز الطرق التقليدية في التسيير وتعزيز القدرات المحلية في التدبير، واشراك المواطنين والفاعلين في تشخيص مشاكلهم ومعاناتهم، وبالتالي مساهمة كل الأطراف في إنجاز وتقويم المشاريع التنموية.
العامل الرئيسي الذي ساهم في إنجاح المبادرات والمشاريع الصينية في محاربة الفقر هو إعطاء الأولوية للعامل البشري في جل مخططات التنمية، والتركيز على الإنسان كفاعل محوري في التنمية المستدامة.
فالصين اليوم ليست بعيدة، وبابها مفتوح ويدها ممدودة للتعاون مع باقي دول العالم وخاصة الدول العربية؛ عن طريق مبادرة الحزام والطريق التي تهدف إلى التعاون والعمل والربح المشترك تحت راية مجتمع المصير المشترك للبشرية.
يشير ويليام إيسترلي في كتابه “عبء الرجل الأبيض” إلى ان المساعدات الخارجية تضر أكثر مما تنفع، وتشكل حجر عثر في طريق التنمية للدول النامية، وتؤدي الى خلق بؤر للفساد والزبونية تحول دون استغلال هذه المساعدات بالشكل المناسب. في ظل انتشار فيروس كورونا المستجد، شاهدنا ما قامت به بعض الدول العربية من إجراءات احترازية استباقية مكّنتها من تجنب الأسوأ، وحققت نتائج يشهد لها العالم بناجعتها.
لكن، لماذا لا تطبق هذه الإجراءات بالصرامة والجدية نفسها في محاربة الفقر والهشاشة، وخلق مشاريع تنموية ذات مرجعية وطنية؟ الى متى سنبقى اتكاليين، ننتظر مساعدات الغرب التي تزيد الطين بلة، ولا يصل منها للجهات المستهدفة إلا الفُتات؟

*إعلامي مغربي مقيم في الصين ـ مقدم برامج رئيسي في قناة الصينية ـ العربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.