الموسيقى اللبنانية في وجهة نظر باحث صينـي – الأخوان رحباني نموذجا

هو كاي(منصور)
أستاذ في كلية اللغة العربية، جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، جمهورية الصين الشعبية

المقدمة:
في عام 2003، التحقت بكلية اللغة العربية بجامعة الدراسات الأجنبية ببكين حيث أخذت أتعلم اللغة العربية والثقافة العربية، كنت أبحث عن الأسطوانات الموسيقية العربية بصفتي هاوي الموسيقى العالمية وطالبا مستمعا في الكونسرفاتوار الوطني ببكين، وبمساعدة الخبيرة العربية التي كانت تدرسني مادة المحادثة، تعرفت على الموسيقى العربية عامة والموسيقى الشرقية في بلاد الشام خاصة، ما زلت أذكر أن أول أغنية عربية لبنانية استمعت إليها كانت “حبيتك بالصيف” للثلاثي الكبير الأخوين رحباني وفيروز ومن ثم فرقة الميادين التي يترأسها مارسيل خليفة إضافة إلى الأغاني الفولكلورية الشرقية مثل “بنات الاسكندرية” و”البنت الشلبية”، فوجدت نفسي منهمكاً في المقامات العربية الجميلة رغم غرابتها في البداية. كما وجدت نفسي منهمكاً في الأنغام والقوالب الموسيقية العربية الملونة قدا حلبيا أو موشحا أو طقطوقةً أو دورا، فيمكن القول إن الموسيقى العربية عامة والموسيقى اللبنانية خاصة إنما صُنعت، صنعت بسحر وبجمال في وجهة نظري.
اشتهرت بيروت، عاصمة لبنان، بفنونها ومفكريها وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. والموسيقى المحلية التي كانت تصاحب رقصة الدبكة منتشرة مع موسيقى الرعاة التي اعتمدت على المزمار، لكن الأغنية اللبنانية كانت بصفة عامة “فنا تابعا للهجة والكلمة المصرية حتى منتصف القرن العشرين، وليست فنا إقليميا متميزا بشخصية حرة مستقلة” (1).
مع استقلال لبنان وتشجيع الفنون، بدأ موسيقيون لبنانيون ألفوا الموسيقى اللبنانية بطابع فلكلوري لبناني وأنشأوا موسيقى لبنانية أصيلة بصورة بارزة ومنهم فيلمون وهبي وزكي ناصيف ووديع الصافي الذين ساهموا غاية المساهمة في تأليف المغناة اللبنانية العربية وتطويرها. أما الدكتور وليد غلمية وتوفيق الباشا وسليم سحاب فاشتهروا بسمفونياتهم العربية الضخمة. إضافة إلى ذلك، ذاع صيت الأخوين فليفل في لبنان من حيث تأليف الموسيقى الوطنية فكانا من رواد تأليف الأناشيد الوطنية العربية والموسيقى العسكرية.
أما الأخوين رحباني، فيعتبر فنهما أو فن الثلاثي عاصي ومنصور وفيروز “أهم ظاهرة فنية وثقافية عرفها لبنان خلال النصف الثاني من القرن الماضي وبات هذا الفن الموسيقي والمسرحي أحد المقومات الثقافية والشعورية والنفسانية والأخلاقية للحياة اللبنانية” (2) حتى تتجاوز الحدود الجغرافية لتصل إلى العالم العربي من المحيط إلى الخليج حيث يعد الأخوان رحباني من الرواد العرب الذين طوروا الموسيقى والأغنية العربية وأثروها.

1. الأخوان رحباني: موسيقاهما وأغانيهما
“نهل عاصي ومنصور أصول الموسيقى الكنيسية المشرقية من ينابيعها الأصلية وعبر مقاماتها المتميزة بالإضافة إلى معرفة جيدة بأصول الموسيقى الغربية” (3) والترانيم المسيحية. نشآ في بلدية أنطلياس وظهرت موهبتهما الفنية مبكرة. لدى الأخوين رحباني حياة فنية ثرية وشاملة امتدت على مدى أربعة عقود من دون إحصاء عدد الألحان والأغاني قبل اعتلاء مدارج بعلبك.
تميز الأخوان رحباني عاصي ومنصور بالاحترام الواضح للأصالة والتراث والنجاح الأكيد في التجديد والرؤية المستقبلية فأنتجا تراثا غنائيا يزيد عدده على ألف أغنية تم تقديم معظمها في إطار المسرحيات الغنائية البالغ عددها 25 مسرحية التي ذاع صيتها في مشرق العالم العربي ومغربه حيث لقيت إقبالا واسعا من قبل الجمهور العربي، وأصبحت الأغاني فيها متغلغلة في نفوس الناس ومشاعرهم. وما زالت العديد من مسرحياتهما الغنائية تعرض في وقتنا الحاضر على مسارح البلدان العربية. تتصف أعمالهما الموسيقية بسمات مشتركة عديدة تتمثل فيما يلي:
1)    الميل إلى الأغاني القصيرة
إذا قلنا إن محمد عبد الوهاب كان صاحب بداية التغيير في الموسيقى العربية في الأغنية “في الليل لما خلي” حيث خفف الضغط عن المطرب، فيمكن القول إن الأخوين رحباني صاحبا المرحلة الثانية للموسيقى العربية الجديدة حيث “لخصا دور المطرب أو المطربة وصغراه وأعطياه عظمة للموسيقى والتوزيع” (4) فنرى أن الأغاني سواء أكانت تقدم ضمن المسرحيات الغنائية أم كأغانٍ منفردة مستقلة أصبحت قصيرة بل ملونة وذلك مراعاة للعصر الذي يسوده التغيير السريع وكثرة مشاغل الحياة والقضايا الاجتماعية المختلفة.
إضافة إلى ذلك، مال الأخوان رحباني إلى كتابة الجمل الموسيقية السهلة البسيطة، إلا أن المستمعين يكتشفون أنها جميلة للغاية دون الشعور بالملل أو بأنها جمل موسيقية ساذجة عند سماعها. على سبيل المثال، كان عاصي ومنصور “يفضلان استعمال مقام نهواند حيث ألفا مئات من أغانيهما على هذا المقام” (5)، لكن المستمعين يكتشفون أن الأغنية “ليالي الشمال الحزينة” تختلف عن الأغنية “آخر أيام الصيفية” ولا تشبه  الأغنية “كرما لك” الأغنية”بتتلج الدني”، الأمر الذي يدل على رقي اللحن وقدرتهما على استنباط الألحان البسيطة والجميلة فيمكن وصف لحنهما بالمثل القائل “السهل الممتنع”.
2)    الاعتماد على الفنون الشعبية بل تطويرها
ظهرت موهبة عاصي ومنصور منذ نعومة أظافرهما، درسا على يد المعلم الأول الأب بولس الأشقر فشاركا في الفرقة الموسيقية المحلية في أنطلياس وجوقة الكنيسة حيث تأثرا بالمناخ الموسيقي اللبناني الشعبي منذ الصغر وثم درسا في الأكاديمية اللبنانية حيث تعلما العلوم الموسيقية بصورة نظامية، فنرى أن الرحبانيين استلهما بهذه الفنون الشعبية الملونة زجلاً أو موّالاً أو أغنية فولكلورية بحيث نجد أن الأخوين رحباني أبدعا تلحينهما اعتمادا على مواويل العتابا والميجانا والغزيل وأبو الزلف والدلعونا والروزانا وغيرها. فغنت فيروز في مسرحية ((ناس من ورق)) أغنية على لحن موال يسمى بالبغدادي وغنت صباح في مسرحية ((موسم العز)) أغنية على لحن مطلع أبو الزلف إضافة إلى لحن زفة العروس الذي نسمعه في هذه المسرحية، كما بإمكاننا أن نجد استعانتهما بلحن فولكلوري على دلعونا عدة مرات في ((جسر القمر)) و((قصيدة الحب)) وغيرهما من المسرحيات العديدة.
أما الدبكة اللبنانية، فتبرز في إبداعاتهما المسرحية الغنائية بصورة واضحة حتى نجد أسطوانات مدمجة خاصة تشمل مقطوعات موسيقى الدبكة التي كانت متداولة في المسرحيات الغنائية أو أعمالهما الموسيقية. تعد الدبكة في القرى اللبنانية فنا شعبيا تراثيا صاحب أفراح الناس كلها منذ أقدم مراحل التاريخ. فنرى في ((موسم العز))، فريق الضيعة يبدأ الدبكة مع أغنية “هويدا لك هويدا لك”، كما نجد الشخصيات التقليدية في مسرحية ((هالة والملك)) يبدون أفراحهم بدبكة شعبية على ايقاع حيوي جميل.
3)     ربط العناصر الموسيقية الغربية بالموسيقى العربية الشرقية
لم يعتمد عاصي ومنصور على الزجل والمواويل وغيرها من الأغاني الشعبية اللبنانية فحسب بل حاولا التفتيش عن موسيقى شعوب العالم وتقديمها إلى جانب الغناء اللبناني والعربي بصورة مقبولة ومتناغمة، ولم يعتمدا على الهارموني الغربي فحسب بل حاولا تقريبها إلى الأصول الموسيقية الشرقية، ولم يعتمدا على الألحان المحلية فحسب بل حاولا إدخال الأوركسترا الغربية في تنفيذها.
كون الغناء الشرقي يحتوي على الكثير من الارتجال والقليل من التركيز على الكتابة الموسيقية المدونة، أما كون الغناء الغربي فيتركز بشدة  على النوتات الموسيقية المدونة الدقيقة، ما أبدعه عاصي ومنصور الرحباني هو الاندماج السلس بين هذين النوعين من الغناء والموسيقى، وذلك لا يستغني عن قدرة فيروز المتميزة على أداء الجمل الموسيقية في عدد هائل من محتوى خزانة الكنوز الرحبانية.
من جهة أخرى، بدأ الأخوان في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي بأغنيات تعتمد على الأشعار والقصائد والأوركسترا الشرقية الصغيرة من حيث أسلوبها وعدد آلاتها، ثم تحولت إلى الأوركسترا الكبيرة التي تشبه بالكلاسيكية من حيث التوزيع وعدد الآلات سواء أكانت نفخية أو إيقاعية أو وترية إلى جانب المقامات الكلاسيكية والأوزان الإيقاعية المتجسدة في سامبا ورومبا ومارش وغيرها. فتأثيراتهما بأعلام الموسيقى الكلاسيكية الغربية الرومانسية تتمثل في التأثير الشاعري الساحر بتلك الألحان التي تخاطب عقل المستمع ومشاعره. إضافة إلى ذلك، نجد دقة العزف من حيث التوافق بين الآلات بوحدة متآلفة منسجمة: ففي أغنية “بكتب اسمك يا حبيبي”، “نجد وحدة متكاملة بين مجموعة آلات الكمان التي تم عزفها بتوافق زمني موحد بين بداية السلم الموسيقي من الأسفل أو من الأعلى” (6).
أما في أغنية “زهرة المدائن” مثلا، فاستعمال الآلات النفخية النحاسية الغربية لعب دوراً كبيراً لربط العناصر الموسيقية الغربية بالمقامات الشرقية العربية. على سبيل المثال، ما سبق البيت ((الغضب الساطع آت)) من الصوت النفخي عبارة عن الإنذار المباشر والتنبيه المفاجئ للمستمعين إلى هذه المقطوعة تجاوباً لما تطلبها القصيدة نفسها.
2. الأخوان رحباني: مسرحياتهما الغنائية
لا يخلو الحديث عن الأخوين رحباني وأعمالهما الموسيقية من مسرحياتهما الغنائية. يقول البعض إن مسرحياتهما استعراضية سهلة لا تحتاج إلى التعمق في اقتفاء مضامينها ومحتوياتها، إلا أننا سنجد فراسة ملاحظاتهما ودقة تعليقاتهما على القضايا الاجتماعية المتواجدة في قرى لبنان ومدنه.
إن المسرح الغنائي عندهما لم يأتِ عفو الخاطر بل نتيجة إرهاص كبير، كان يختزل إبداع كل من ساهم في بناء المسرح الغنائي العربي ابتداءً من مارون نقاش ومرورا بسليمان قرداحي ويوسف خياط وأبي خليل القباني وسلامة حجازي وسيد درويش حتى الوصول إلى ذروته على أيدي عاصي ومنصور الرحباني. يعتمد مسرحهما الغنائي على النصوص الشعرية والموسيقى الجميلة والروح الإنسانية حيث “يتسم النص المسرحي الرحباني بالمسحة الشاعرية فتغدو شعرية النص أساسا للحوار غالبا ماً يتشح بها العمل كله” (7) وخاصة في “جسر القمر” و” دواليب الهواء” وغيرها من مسرحيات المرحلة الريفية الأولى.
أما المسرحيات المدينية فتعتبر نقطة التحول في الإبداع الفني لدى الأخوين رحباني من ناحيتي المضمون والأسلوب الفني حيث تركا وصف الحياة الريفية البسيطة وبدآ انتقاد المدينة التي تمتليء بالخدع والأكاذيب بعيدة عن العدالة في النظام الاجتماعي. وحاول الأخوان رحباني تنبيه الشعب اللبناني للاهتمام  بهويتهم اللبنانية الأصيلة في ظل الإصلاح الاقتصادي اللبناني وحرب 67 والظروف الاجتماعية قبل اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وتعكس المسرحيات المدينية المواضيع العديدة التي تتمثل في فساد الحكومة والانزعاج النفسي لدى الجمهور اللبناني إضافة إلى موضوع ظاهرة الهجرة التي تتناوله مسرحية ((المحطة)) في عام 1973. مقارنة مع المسرحيات الريفية، لم يكن الموضوع المحوري في الفترة المدينية ترويج فكرة حل المشكلة بالحب والمحبة كما دعا إليه عاصي ومنصور في مسرحية ((جسر القمر)):” كل ضيعه بينها وبين الدني جسر القمر، وطالما فيها قلب بيشد قلب، مهما تعرض للخطر ما بينهدم جسر القمر” (8)  بل تحول إلى إبراز المشاكل الناجمة عن الظروف الاقتصادية والسياسية في لبنان وقتئذ. أما الأسلوب الفني الذي تميز به الأخوان في هذه المرحلة، فيتمثل في استعانتهما بعناصر الفن العبثي والأسلوب الساخر على أساس الواقعية الاجتماعية.
أشار الأستاذ هشام زين الدين إلى أن ” أهم ما يميز المسرح الرحباني هو أصالته. فهو مسرح إبداعي أصيل غير منقول، وهو ذو طابع إنساني بالدرجة الأولى يرفع شأن الإنسان وحريته وحقوقه ويطالب بالعدالة الاجتماعية ويعلي من شأن الحب وينبذ الكره ويدعو إلى التلاحم ويمقت الفرقة ويناضل من أجل التقدم والتطور ويحارب التخلف والرجعية وينحاز إلى الخير العام الذي يقدّس الإنسان في كل زمان ومكان.”  (9)
قال جورج هيغل: “ينتسب كل فن  مهما كان نوعه إلى عصره وأمته ليعكس الظروف الخاصة ويتعايش مع الأهداف التاريخية الخاصة.” فيمكن القول إن المسرحيات الريفية في بداية المرحلة الإبداعية للأخوين رحباني كانت تتركز على تراث الفولكلور الشعبي وإعلاء مكانة الحب والمحبة من أجل حل المشاكل والصراعات بين أهالي القرى والأرياف المختلفة بفضل تجربة حياة صاحبيها منذ الصغر في بلدية أنطلياس. أما التحول من الريف إلى المدينة، فكان متأثراً بالوضع الحقيقي للمجتمع اللبناني المتغير المتحول في الفترة ما بين منتصف الستينيات والسبعينيات من حيث الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فتُظهر المسرحيات المدينية أمام أعيننا صورة واضحة عن المشاكل والأمراض الاجتماعية في تلك الفترة حيث مسحا لنا ضباب الكذب والظلم التي تنغرس في جذور المجتمع وكشفا ضعف الناس وتعقيداتهم النفسانية عند وقت الشدة والضيق وتساءلا لصالح شعبهما عن كيفية المعاملة مع الحياة الحقيقية: هل سيهرب من الواقع القاسي جبانا أم يصر على الاستمرار في الحلم والايمان شجاعا؟ أما العودة إلى موضوع الريف في المرحلة الثالثة لفن الرحبانيين، فقاما بإعادة النظر في دور الحب والمحبة في حل الخلافات والصراعات. الجدير بالذكر أن المسرح الرحباني بالإضافة إلى دوره البارز في رفع النقاب عن القضايا الاجتماعية “خدم ذيوع أغنيات فيه وحوارات غنائية، أخذت بعد العرض المسرحي تذاع منفصلة فراجت وشاعت وتداولتها الأسماع لاحقا وأَمّنت للعمل مُثولاً مستمراً في أذهان الناس” (10).

3. المدرسة الرحبانية والموسيقى اللبنانية
بعد وفاة منصور في عام 2009، أصدرت الوزيرة اللبنانية للتربية والتعليم العالي السيدة بهية الحريري قرارا لإدخال إنتاج المدرسة الرحبانية الفنية في المناهج المدرسية اللبنانية، الأمر الذي يدل على أهمية هذه المدرسة الموسيقية المتميزة وعمق تأثيراتها على لبنان وطنا وشعبا.
لم تؤثر المدرسة الرحبانية على رأسها الأخوان رحباني إلى جانب إلياس وزياد وأسامة وغيرهم من الرحابنة على الموسيقى اللبنانية والمسرح الغنائي اللبناني فحسب بل على الموسيقى العربية أيضا وذلك يتجسد في الاهتمام بالتوافق بين الأصالة والحداثة  وبين التوريث والتحديث الذي كان يسعى إليه عاصي ومنصور على قدر الإمكان والذي يعد قاسما مشتركا يتصف به المبدعون الموسيقيون في لبنان، فبدون هذه السمات المشتركة، لن يتم تطوير غناء الموال العربي الارتجالي عند وديع الصافي الذي اختطّ لنفسه نهجا غنائيا وشكّل مدرسة في الصوت والأداء والتلحين والارتجال (11) ؛ بدون هذه السمات المشتركة، لن يتم تأليف مقدمة ميس الريم على يد زياد الرحباني الذي كان مراهقا عبقرياً ومتأثرا بأسلوب والده وعمه ولن يتم إصدار عدد كبير من الأغاني الجميلة التي تشهد تناغما سلسا بين موسيقى الجاز واللحن الشرقي؛ بدون هذه السمات المشتركة، لن نسمع “تقاسيم حجازكار” و”لونغا نهواند” في ((كونشرتو الأندلس)) لمارسيل خليفة أو المغناة ((أحمد العربي)) الجريئة أو السماعيات أو البشارف التي قام بإعادة توزيعها في أعماله المستجدة؛ بدون هذه السمات المشتركة، لن نتمتع بالقفلة الجميلة والمفاجئة من قفلات البشارف الشرقية الكلاسيكية في ((قادسية)) الدكتور وليد غلمية؛ بدون هذه السمات المشتركة، لن نجد الأداء الجديد ل “لما بدا يتثنى ” وغيره من الموشحات الأندلسية المتداولة على ألسنة أجيال متتالية من الفنانين اللبنانيين المتفوقين؛ بدون هذه السمات المشتركة، لن يتم تأسيس فرقة الأنوار اللبنانية العالمية التي شارك في تأسيسها الفنان الكبير زكي ناصيف الذي لحن الموشح وجدد الفلكلور اللبناني بقالب جديد مزيج من الألوان الشرقية ومطعّم بالتقنية الغربية ومتعايشٍ مع العصر مثل “يا حبيبي خدني بايدك” بأداء وداد أو”أهلا بهالطلة أهلا” بأداء صباح؛ بدون هذه السمات المشتركة، لن يسعى شربل روحانا إلى تجديد أسلوب العزف على آلة العود ولن نصغي إلى “دوزان” شربل آخر ألبوماته التي تعد عصارة التجارب المتعددة لمبدع  موسيقى العودين هذا.  لو كتبت آلاف الصفحات عن هذه المدرسة المميزة وهذا النوع من الموسيقى العربية، لبقيت مقصّرا بحقها بما قدمته منذ قرابة نصف قرن ونيف من العطاء المتميز للفنون العربية لحنا وغناءً؛ لو ضربت مئات الأمثلة عن الذين طوروا وما زالوا يطورون موسيقى لبنان وغناءه، لبقيت مقصراً  كذلك بحقهم بما يقدمونه من المساهمات الجليلة في الوطن العربي تراثا وفنا.

4. الموسيقى اللبنانية في الصين
لم تكن الموسيقى اللبنانية غريبة على الجمهور الصيني بصورة عامة والطلاب دارسي اللغة العربية وآدابها في الصين خاصة، إذ أن العديد من الفرق اللبنانية الفنية أو الموسيقية قد أقامت حفلات وسهرات على مسارح صينية في السنوات الأخيرة. ففي الدورتين الأولى والثانية من مهرجان الثقافة العربية اللتين أقيمتا في بكين وشانغهاي برعاية وزارة الثقافة الصينية، استمتع الحضور الصينيون برقصات لبنانية جميلة من فرقة كركلا وبموسيقى عبد الحليم كركلا الملهمة إضافة إلى المقطوعات الموسيقية الشعبية. وفي العام الفائت، كان الفنان اللبناني شربل روحانا وفرقة بيروت للموسيقى الشرقية يجذبان أنظار الكثير من المتفرجين الصينيين في معرض شانغهاي العالمي عام 2010 حيث قدم الجناح اللبناني للجمهور الصيني لمحة سريعة عن موسيقى شربل والأخوين رحباني وفيلمون وهبي وغيرهم من الموسيقيين اللبنانيين، أما في نهاية السنة الماضية، كانت المطربة اللبنانية غادة شبير حظيت بشعبية كبيرة لدى مواطني مدينة قوانغتشو أثناء فعاليات الألعاب الآسيوية الثقافية بفضل صوتها الرنان وأنغام الموشحات الأندلسية الساحرة والأغاني الفولكلورية ذات الطابع اللبناني الخاص.
الذي يجدر ذكره هو مبادرة دارسي اللغة العربية والأدب العربي في الجامعات والمعاهد العليا الصينية التي تتمثل في رغباتهم في معرفة الموسيقى العربية والأغاني العربية. على سبيل المثال، في كلية اللغة العربية بجامعة الدراسات الأجنبية، يتم تقديم محاضرتين كل مرحلة دراسية عن الموسيقى العربية للطلاب الجامعيين إضافة إلى تعريف الطلاب الجدد بالأعلام الموسيقيين عربا ولبنانيين. ناهيك عن ذلك، قد تم تأسيس فرقة الرقص والغناء للكلية منذ قرابة عقد فيجتمع أعضاؤها كل أسبوعين أو ثلاثة ليتعلموا نبذة عن تاريخ الموسيقى العربية وكبار الموسيقيين وأعمالهم بما فيهم الأخوين رحباني وفيروز ووديع الصافي ومارسيل خليفة وإلخ، في الوقت نفسه، يتم تقديم المعلومات عن أغنيات البوب العربية التي تعجب جيل الشباب ومنها أغنيات مروان خوري وراغب علامة ونجوى كرم وإلخ.
أما المدارس والجامعات الصينية لتدريس العلوم الموسيقية، فما زالت الموسيقى العربية والموسيقى اللبنانية موضوعا جديدا عليها طلابا وأساتذة، رغم أن تاريخ التواصل بين الصين والعالم العربي في مجال الموسيقى ضارب بجذوره في التراث الشرقي المشترك، ورغم أن آلة العود أو البزق أو الرباب قد أثرت تأثيرات عميقة على الآلات الموسيقية الصينية التقليدية منذ بضعة قرون، ورغم أن الشعب الصيني خاصة أهل مقاطعة شينجيانغ ذات الحكم الذاتي يعرفون المقامات الشرقية معرفة جيدة منذ زمن بعيد، إلا أن فعاليات التبادل الموسيقي بينهما قليلة إلى حد ما. في الفترة ما بين الستينيات والثمانيات من القرن الماضي، تم ترجمة العديد من الكتب عن الموسيقى العربية إلى اللغة الصينية، إلا أنه لا يوجد دراسات شاملة حتى الآن عن هذا الفن الموسيقي الهام، قد يرجع سبب ذلك إلى الحواجر اللغوية التي تعوق الباحثين الشغوفين به عن إجراء الدراسة فيه وقلة وجود أعمال التعاون والتبادل بين مدارس وجامعات الجانبين في مجال الموسيقى والغناء.
الخاتمة:
لا شك أنه لن أكتفي بالتأكيد بهذه العجالة السريعة لتناول موضوع الموسيقى اللبنانية معتمدا على نموذج الأخوين رحباني. الحديث عن موضوع الموسيقى اللبنانية مهمة يسيرة وعسيرة في آن واحد، إذ أنه من اليسير أن يذكر دارسو اللغة العربية والثقافة العربية أو الباحثون المتخصصون بالموسيقى الشرقية في الصين أسماء أعلام الموسيقى اللبنانية  مثل حليم الرومي أو خالد أبو النصر كما من اليسير أن يجد الجيل الجديد من الطلاب والمستمعين عبر الإذاعات أو القنوات الفضائية أو الشبكة الدولية أسماء مشاهير موسيقى البوب الذين لقوا إقبالاً واسعاً في لبنان حتى العالم العربي بأكمله، إلا أنه من العسير أن نصل إلى تعمق التذوق في جماليتها وإنسانيتها إلى جانب طرق تحليل سماتها وشخصياتها وقيمتها الفنية.
الحديث عن الأخوين رحباني موضوع مزيج بين السهولة والصعوبة أيضاً. فإنه لأمر سهل أن يغني المستمعون متخصصين أم هواة مع ألحانهما وأنغامهما بفضل انتشار أعمالهما الموسيقية وذيوع شهرة السيدة فيروز التي تدعى بسفيرة العرب إلى النجوم في مشرق العالم العربي ومغربه، إلا أن طريق هضم ما وراء أبيات القصائد أو سطور الكلمات من المغزى العميق يتطلب من الدارسين أو الباحثين بذل جهودهم الدؤوبة، إذ أن فنهم بحر تتعاقب فيه أمواج من النوتات الموسيقية والقصائد الرائعة  والأفكار الروحانية. أما التحديات الكبرى للدخول إلى الموسيقى اللبنانية العربية بالنسبة إلى الباحثين الصينيين فتتمثل في كيفية تعريف الجمهور الصيني بها بغية تعزيز التواصل والتبادل والتفاعل بين الحضارتين العريقتين الضاربتين بجذورهما في التراث الحضاري المشترك.
في مساء بكيني رذاذي ، جلست أمام الكومبيوتر لأدوّن هذه الألفاظ العربية مفكراً في هذين الموضوعين ومستمعاً إلى صوت فيروز الملائكي على لحن عاصي ومنصور الخالد راجيا أن يتم توضيح  ـ بهذه الكلمات القليلة المتواضعة ـ “وجهة نظري” التي تتمثل فيما أود أن أقوله عن المنجز الفني الرحباني اللبناني وما يعبر عنه الموسيقاران الكبيران بأنفسهما!
الهوامش

(1)   د. روبير صفدي، تاريخ الموسيقى العربية، دار الفكر العربي، بيروت، 2004، الصفحة 396
(2)   د. فواز طرابلسي، مسرح الغريب والكنز والأعجوبة، دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 2006، الصفحة 11
(3)   د. مسعود ضاهر، زياد الرحباني وهاجس الثقافة المغايرة في لبنان، مجلة الآداب، العدد 11-12 تشرين الثاني – كانون الأول عام 2009، بيروت، الصفحة 40
(4)   د. روبير صفدي، تاريخ الموسيقى العربية، دار الفكر العربي، بيروت، 2004، الصفحة 302
(5)   نزار مروة، إعداد وتنسيق وتقديم محمد دكروب، في الموسيقى اللبنانية العربية والمسرح الغنائي الرحباني، دار الفرابي، بيروت، 1998، الصفحة 313
(6)   صلاح الدين الشماط، التوزيع الموسيقي وتقنيات العزف في المدرسة الرحبانية، موقع الجماليا، 2009.5.13، http://www.jamaliya.com
(7)   الأخوين رحباني، الأعمال المسرحية الكاملة، بياع الخواتم، ديناميك غرافيك للطباعة والنشر، لبنان، 2003، الصفحة 10
(8)   الأخوين رحباني، الأعمال المسرحية الكاملة، جسر القمر، ديناميك غرافيك للطباعة والنشر، لبنان، 2003، الصفحة 15
(9)   هشام زين الدين، المسرح الرحباني: الأصالة والفرادة والتأثير الجمالي، المجلة التربوية العدد الخاص بعنوان “مدرسة الأخوين رحباني الفنية في المناهج التربوية”، آذار 2009، الصفحة 26
(10)   الأخوين رحباني، الأعمال المسرحية الكاملة، بياع الخواتم، ديناميك غرافيك للطباعة والنشر، لبنان، 2003، الصفحة 11
(11)   د. يوسف طنوس، الموال- ارتجال وتراث، وديع الصافي نموذجا، مجلة الحياة الموسيقية، العدد 51، الهيئة العامة السورية للكتاب، عام 2009، الصفحة 51

المراجع

1)    الأخوين رحباني، الأعمال المسرحية الكاملة(20 مجلدا)، ديناميك غرافيك للطباعة والنشر، لبنان، 2003
2)    د. روبير صفدي، تاريخ الموسيقى العربية، دار الفكر العربي، بيروت، 2004
3)    د. مسعود ضاهر، زياد الرحباني وهاجس الثقافة المغايرة في لبنان، مجلة الآداب، العدد 11-12 تشرين الثاني – كانون الأول عام 2009
4)    د. مفيد مسوح، جماليات الإبداع الرحباني(جزءان)، بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، 2006
5)    د. نبيل أبو مراد، الأخوان رحباني حياة ومسرح – خصائص الكتابة الدراسية، دار أمجاد للنشر والتوزيع، لبنان، 1990
6)    د. يوسف طنوس، الموال- ارتجال وتراث، وديع الصافي نموذجا، مجلة الحياة الموسيقية، العدد 51، الهيئة العامة السورية للكتاب، عام 2009
7)    ريما نجم، فيروز وعلى الأرض السلام، دار شاماس للطباعة والنشر، بيروت، ، 2004
8)    صالح المهدي، الموسيقى العربية في نموها وتطورها تاريخا وأدبا وبحثا، دار الشرق العربي، بيروت، 2003
9)    فواز طرابلسي، مسرح الغريب والكنز والأعجوبة، دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 2006
10)    محمد منصور، فيروز والفن الرحباني الحلم المتمرد والفردوس المفقود، دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الإعلامية، دمشق، 2004
11)    نزار مروة، إعداد وتنسيق وتقديم محمد دكروب، في الموسيقى اللبنانية العربية والمسرح الغنائي الرحباني، دار الفرابي، بيروت، 1998
12)    هنري زغيب، الأخوين رحباني طريق النحل، الأوديسيه للثقافة والإعلام، بيروت،2001

(الأبحاث المنشورة معرضة للتعديل قبل نشرها بصيغتها النهائية.

الأبحاث نشرت بإذن خاص من منسق الملتقى، الدكتور مسعود ضاهر،

رئيس الرابطة اللبنانية الصينية للصداقة والتعاون)

نبذة عن المحاضر:

هو كاي(منصور)

(الباحث هو كاي (منصور) مع الفنان مارسيل خليفة في صورة أرشيفية)

ماجستير اللغة العربية وآدابها، دبلوم في العلوم الموسيقية
أستاذ كلية اللغة العربية بجامعة الدراسات الأجنبية ببكين
له عدد من البحوث المنشورة  في مجلات علمية، منها: “من الريف إلى المدينة، دراسة تغيير الموضوع والأسلوب الفني في المسرحيات المدينية للأخوين رحباني “(بالعربية)، “صورة الصين في عين الجزيرة، برنامج عين على الصين نموذجا”(بالعربية). قد ترجم بعض المسرحيات العربية إلى اللغة الصينية ومنها: مسرحية “شمس النهار” لتوفيق الحكيم  ومسرحية “هالة والملك” للأخوين رحباني(تحت الطبع).
عدد الزوار:7613

تعليق واحد

  1. نبيل حسن

    اشكر السيد هوكاي منصور على هذا المقال الرائع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Castle Technologies