مَزيج مُبدع مِن “الإسلامية” و”الصّينية”

1

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
أبو موسى وانج هونجوا*:

تعتبر هذه الأيام بالنسبة للمسلمين فى الصين أيام السعادة المزدوجة، فنحن الآن نعيش في مسّرات تُعبّر عن مزيج مُبدع لثقافتين هما الصينية و الاسلامية.

 

إذ أن المسلمين في الصين منغمرون وفي غاية الفرح والسرور والبهجة لاستقبالهم العيدين والعطلة الرسمية لمدة خمسة أيام، ومنغمسون بالاحتفالات الأحلى. ففي المنطقة التى يقطن المسلمون فيها مثل منطقة نينغشيا ذاتية الحكم لقومية هوي المسلمة، العيد الديني الاسلامي هو عيد الفطر المبارك، ويأتي بعد شهر كامل من الصيام والقيام، والعيد الصيني التقليدي وهو عيد التسونغتسي (يُسمّى عالمياً ب “عيد قوارب التنين الصيني”، ويُشار إليه ب “عيد قوارب التنين”، لإحياء ذكرى السيد “تشو يوان” – أول شاعر وطني صيني المُلقّب بِ (المحب للوطن)  السياسي الكبير والمُفكّر الفذ والمتبحّر في العلوم والشاطر في الشؤون الدبلوماسية)، وأحد المقرّبين من الملك، والمُنتحر بإلقاء نفسه فى “نهر ميلو”، مُحتضناً الحجر ومتّجهاً بوجهه إلى وطنه الغالي قبل أكثر من ألفي عام، تضحيةً لأجل وطنه ولشرف سيده الملك، واحتراماً من ذاته لنضاله بوجه بعض الماكرين والفاسدين فى البلاط الملكي. وكانت الصين في حقبة الممالك المتحاربة القديمة (عام ٤٧٥-٢٢١ قبل الميلاد) مع لهيب الحرب بين الدويلات، في أوقات عصيبة وأحوال عسيرة، وكان الشاعر “تشيو يوان” من أرستقراطيي المملكة، رجل ذكي وواسع الأفق والمعارف، وقدّم للملك كثيراً من الخطط والاقتراحات في الشؤون الداخلية والخارجية للمملكة، ولكن هذه الاقتراحات والأفكار قد حظيت بحسد ورفض موُعَارِضة المسؤولين المحافظين من الحكومة، وهم وسوسوا وندّدوا وشهّروا به باستمرار أمام الملك، حتى لا يصدّقه ولا يستعين به فى النهاية.

وفي الواقع كان لدى شاعرنا طموحات عالية وأفكار مُستنيرة لإنقاذ وطنه من تغلّب واستيلاء الدولة المجاورة له، فابتأس بالحزن الشديد وأكد استحالة أن يقبل بحقيقة الاستبعاد والعزل من الحكومة، وبعد ذلك ألّف كثيراً من الأشعار الجميلة، مُعبّراً عن تطلعاته الوطنية ومشاعره الغاضبة الحزينة، وحُفظت بعض هذه الأشعار الممتازة إلى يومنا هذا.

وشعر شاعرنا عندما سمع في مكان نفيه عن انهزام وطنه خلال معاركه مع جيش خصومه، وزوال وطنه، بالتعاسة والهلاك والسقوط، وأُصيب بحالة الكآبة والحزن والكربة الشديدة، ولم يَقبل بتلك الحقيقة، فقفز فى “نهر ميلو” مُنتحراّ، في اليوم الخامس من الشهر الخامس حسب التقويم القمري الصيني، في عام ٢٧٨ ق م .

كانت علاقة شاعرنا مع المحلّيين فى المكان الذى نُفى إليه جيدة جداً، ولقي احترامهم له واهتمامهم به، فما إن سمع الناس خبر انتحاره، أسرعوا إلى ضفّتىي النهر لانتشال رُفاته، وبعضهم رمى الخيزران المحشوة بالأرز فى النهر واحدة تلو واحدة، بغية إبعاد الأسماك والحيوانات المائية عنه حتى لا تأكل جثمانه هذا، ومنذ ذلك الوقت فصاعداً، وطالما يَحلّ هذا اليوم يأتي الناس إلى جانبي النهر أو يجذّفون بقوارب التنين إلى وسط النهر، لقذف قطع الخيزران المحشوة بالأرز الى المياه، إحياءً لذكرى هذا الشاعر الوطني القديم، ولتزكية روحه السامية وأخلاقه الحميدة.

طبعاً مع مرور الأيام أصبحت قطع الخيزران المحشوة بالأرز سالفة الذكر طعاماً شعبياً مشهوراً يحمل الاسم “تسونغتسي”، ويتم تحضيرها من الأرز الدبق (اللزج)، مُغلّفاً بأوراق الخيزران فى جنوب الصين، وبأوراق القيصوب في شمالها، لعدم توفّر الخيزران شمال الصين. ونحن كشماليين، نحبه ملفوفًا بأوراق القيصوب لأن رائحتها تفوح بالعبير. وحشو الأرز يختلف من مكان إلى آخر وتكون أنواعه متعددة في الجنوب مثل: تسونغتسي اللحم/ وتسونغتسي العناب/ وتسونغتسي الكستناء/ وتسونغتسي البيض المملح. ولكن فى شمال الصين فإن تسونغتسي اللوبيا الحمراء المعسّلة/ وتسونغتسي العنّاب لقيا إقبالاً ورواجاً كبيرين جداً، وتُباع فى الأسواق، وكذلك تُخصّص بعض المحال لبيع التسونغتسي كأطعمة حلال للمسلمين في مناطقهم، ليتمتع كل الناس من القوميات العديدة بعيد قوارب التينين بلا استثناء .

 

أذكر إيام طفولتي أنه وقُبيل كل عيد قوارب التنين، كنت أشارك جدتي وأمي في تحضير طبخة التسونغتسيي، وقبل يوم من العملية التحضيرية كنا نقوم بغسل الأرز الدبق ونقعه في طاسة كبيرة، وفي الوقت نفسه نغلي اللوبيا الحمراء مع السكر الأسمر على مدفأة الفحم الحجري، حتى تصبح عجيناً يُستعمل كحشوة للتسونغتسي، وفي اليوم التالي نقوم بسلق أوراق القيصوب، وقصّ حبل قنب السيزال لنلّف الأرز الدبق مع حشوه بأوراق القيصوب المسلوقة، ليكون شكله مثلث، وسليقه يستغرق عدة ساعات على نار متوسطة اللهب، وأخيراً نجلس على المائدة نتذوق هذا الطعام اللذيذ المعروف عند كل عائلة صينية.

أنا معتاد على تناول طبخة التسونغتسي مع زوجتي في كل عيد من أعياد “قوارب التينين”، مع أننا مغتربون خارج بلادي منذ زمن طويل، إذ أنه ليس طعاماً فقط، وإنما له مغزى عميق “لا يُنسى أبداً”: البطل الذى كرّس حياته حباً بالوطن الأم وشعبه. قال الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ، سورة البقرة: الآية ١٥٣-١٥٤

إن السيد تشيو يوان إذ توفي فى سبيل العدل والحق، فاسمه محفور فى قلوبنا، وقصيدته التالية تدوي صدى رنّاناً فى آذاننا دوماً وأبداً: “إني مُصِّر على التعقب والاستكشاف مهما كان طريق السعي وراء الحقيقة طويلاً”.

إن قوميتنا المسماة “هوي”، مسلمة، وأكبر جماعة إسلامية فى الصين. فقد هاجر أجدادنا من الامبراطوريتين العربية والفارسية إلى الصين خلال حكم الأسرتين تانغ ويوان الملكيتين في الفترة ما بين القرن السابع والثالث عشر، وبعد الاندماج في الثقافة الصينية قبل أكثر من ١٣٠٠ عام، أصبحت اللغة الصينية لغتهم الأم، ويمارسون الإسلام من خلال المواد المترجمة إلى اللغة الصينية، مما يعكس إضفاء الطابع الصيني في توطين العقيدة الاسلامية وتلاوة القرآن الكريم على نغمات أوبرا بكينن، في شمال الصين، وأما المساجد فقد بُنيت على الطراز الكلاسيكي الصيني القديم، وتَظهر فيها المظاهر المعمارية الإسلامية، ويتمسّك الناس بأصول الايمان الستة، وأركان الاسلام الخمسة، مُخلصين ومتّقين ويتعايشون وأخوانهم من القوميات الاخرى بسلام وتناغم وتسامح، ويحرصون على حماية المصالح الوطنية يداً بيد، وكتفاً إلى كتف، لأننا نعرف جميعاً أن الإنسان بلا وطن هو كيان بلا روح، والإنسان بلا وطن جسد بلا إحساس، فالفاقد للوطن فاقد للأمن والاستقرار، والفاقد للأمن والاستقرار فاقد للاطمئنان، والوطن بلا أمن واستقرار هو غابــة يعيش فيــها القـوي ويهان فيها الضعيف، ونحمد الله على الأمن والأمان الذي نعيشه في بلادنا الصين، أدام الله أمنها واستقرارها.

إن حب الوطن فطرة بشرية أقرها الإسلام، وجعلها من أسس بناء المجتمعات، وسبيلاً للعمل الصالح، وفعل الخيرات، وزيادة التماسك، وأن حب الوطن لا ينبغي أن يقف عند المشاعر والعواطف، بل لا بد أن يترجم إلى سلوك صالح نافع للفرد والمجتمع. وقد أوضح علماء الدين أن الإسلام جعل بناء الوطن من مقتضيات الاستخلاف في الأرض وإعمارها، فكل إنسان مُستخلف ومُطالبٌ بالبناء على قدر ما حَباهُ الله من سِعة وقدرة وعِلم، ويمكن القيام بذلك الواجب في مجالات شتى.  دعونا نتّحد أيها الإخوة والأخوات الصينيين مسلمين أو غير مسلمين، لمواجهة التحّديات الجديدة داخل الصين وخارجها، فإن الانتصار والفلاح والنجاح يكون عندها لنا حَتماً.

ـ #أبو_موسى_وانج_هونجوا: يتقن العربية وعضو ناشط ورئيس ديوان الشؤون والمتابعات الاسلامية في الصين في الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء الصين.

تعليق 1
  1. مروان سوداح يقول

    شكرا للاخ محمود ريا المدير العام بمواقعنا الصينية وامين سر الاتحاد الدولي لنشر هذه المادة الممتعة للاخ ابو موسى وانج هونجوا.

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.