التاريخ الصيني التونسي الحافل وأهمية الجغرافيا التونسية على الخريطة الصينية

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
بقلم: محمد زريق وامال وسلاتي:
عند الحديث عن تونس فنحن لا نعني ذاك البلد الصغير بحجمه، فالتاريخ يشهد على أنَّ تونس هي أرض غنية حضارياً وثقافياً وتاريخياً، ففي مدينة قفصة على سبيل المثال تمَّ العثور على آثار تعود الى العصر الحجري القديم السفلي، وصولا الى الحضارة القبصية التي أسّست على الأرض التونسية أول مجتمع انساني وذلك بين 6800 ق.م. و4500 ق.م.، ناهيك عن شعوب البربر الأمازيغ التي سكنت البلاد. كما وتتشارك تونس مع وطني لبنان وبعض دول حوض المتوسط الانتشار الفينيقي الذين أسسوا حضارة عظيمة ومتكاملة، فالفينيقيين كانوا أسياد البحار ومن على السواحل اللبنانية أنتشروا إلى بعض المناطق بهدف التجارة، وهكذا تمَّ التفاعل الحضاري وانتشار الثقافة الفينيقية، وتونس هي المركز الفينيقي الثاني بعد لبنان وقد أثبت علماء الاثار هذه الحقيقة.
اشتهرت تونس أو الإمبراطورية القرطاجية بالتجارة وكانت محطة للرحّالة من مختلف بقاع الأرض، وقد تعاقبت العديد من الحضارات على هذا البلد الصغير لما احتوى ظاهره وباطنه من ثروات، ناهيك عن مكانته الاستراتيجية في قلب حوض البحر الأبيض المتوسط.
وتعتبر فترة تأسيس قرطاج هي النقطة المفصلية في التاريخ الافريقي، حيث دخلت المنطقة فترة حضارية وثقافية جديدة ومهمة بدأت مع سنة 814 ق.م.، وقد مرَّ على تونس الكثير من الفترات الحضارية منها الفترة الرومانية والفترة الوندالية والفترة البيزنطية والفترة الاسلامية (بداية مع الفتح الاسلامي ومن ثم الدولة الاغلبية والدولة الفاطمية والدولة الصنهاجية والدولة الموحدية والدولة الحفصية)، وفي 21 يوليو/تموز من العام 1535 استطاع الاسبان السيطرة على تونس وهكذا دخلت البلاد الفترة الاسبانية، ولكن سرعان ما دخل العثمانيون إلى تونس وأصبحت الدولة تحت الحكم العثماني وبعد الحكم العثماني تمَّ تأسيس الدولة الحسينية، ومع تقسيم الدول إلى مستعمرات باتت تونس تحت ظل الاستعمار الفرنسي إلى أن نالت استقلالها وتمَّ تأسيس الجمهورية التونسية.
بالرغم من المطبّات السياسية والاقتصادية التي واجهتها تونس بعد اندلاع الثورة في العام 2011، إلا أنها مازالت محط أنظار المشاريع الإستثمارية والسياحية والتبادلات التجارية. ولعل أبرز ما إكتسبته الدولة التونسية بعد الثورة هو المسار الديموقراطي والإنفتاح والرغبة في المزيد من الترابط الاقتصادي وإقامة علاقات الشراكة وتكوين صداقات مع الكثير من الدول، وواحدة من الدول التي تطورت العلاقة معها هي دولة الصين الشعبية.
يتميز هذا البلد الإفريقي كونه بوابة للسوق الإفريقية والعربية والأوروبية على حد سواء. وقد اعتبر سفير الصين لدى تونس “وانغ وان بين” أنَّ التسهيلات والإمكانيات المميزة للمستثمرين الأجانب وتقديم تشجيعات لتسهيل قدومهم على جميع الأصعدة تمثل عوامل جذب مهمة للمستثمرين.
إنَّ تونس هي من أهم الدول على الخريطة الجيوبوليتيكية في العالم، فهذا التاريخ الحافل هو إشارة واضحة على أهمية هذه المنطقة، وكل تلك الشعوب التي سكنت ومرّت بتونس كانت تعلم أن هذه القطعة الجغرافية الصغيرة هي حجر الزاوية وصِلة الوصل ما بين أوروبا وأفريقيا ومن على شواطئ هذا البلد يمكن الوصول إلى كل أطراف العالم. وبما أنَّ الحديث والحدث اليوم هي الجمهورية الشعبية الصينية التي تبسط جناحيها على كافة أصقاع العالم، خصوصاً مع مبادرة الحزام والطريق فمن الضروري توضيح أهمية تونس بالنسبة للسياسة الخارجية الصينية والدور التونسي المهم جغرافياً وسياسياً والذي يشكل دعامة للتواجد الصيني في تلك المنطقة. كما وتبحث تونس التي تقع في أقصى شمال افريقيا، وهي تعد من أعضاء دول المغرب العربي عن سبل للتعاون والترابط مع مختلف دول العالم ومن أهمها الصين.
يعتبر الكثيرون أن تونس ليست مهمة بالنسبة للصين وأن الصين تولي أهمية أكبر لبعض الدول الأفريقية بحيث أن المصلحة الاقتصادية الصينية تقتضي هكذا توجه سياسي واقتصادي، إلا أنني أقف على الطرف الآخر وتوجهاتي تتناقض مع هذه النظرية. أجل، إن تونس هي دولة مهمة بالنسبة للصين على الصعيد الافريقي، فكل تلك الحضارات التي مرّت على تونس كانت تعلم أن هذه الأرض هي صلت الوصل بين أفريقيا وأوروبا وفي نفس الوقت يمكن القدرة على الاستفادة من الشواطئ التونسية وتسهيل حركة التنقل، والصين اليوم تولي أهمية كبرى لتونس وربما الموقع الجغرافي يكون من أولى الأسباب التي تعطي تونس هذه الأهمية على الخريطة الجيوبوليتيكية الصينية.
إنَّ القطاع السياحي في تونس هو واحد من أهم القطاعات، فسيكون أمام السائح القادم إلى تونس العديد من الاختيارات التي تمكّنه من أن ينتقي وجهته حسب ما يلائم اهتماماته. السياحة الشاطئية هي الأكثر ازدهاراً بسبب الطقس المعتدل وامتداد الشريط الساحلي على طول الشمال والشرق وتوفر الخدمات الفندقية المناسبة. كما أنَّ هناك تواجد للسياح في الجنوب التونسي حيث الصحراء والمهرجانات السنوية. وعند الحديث عن السياحة في تونس فلا يجب أن يغيب عن ذهننا أبداً السياحة الغابية التي تنشط في الشمال الغربي من البلاد وسياحة التجميل أيضاً التي كانت واحدة من أبرز الأسباب وراء تصنيف تونس كأهم الوجهات السياحية على الصعيدين العربي والدولي، والتوافد على الجراحة التجميلية في تونس هو في تزايد مستمر عاماً بعد عام بسبب النتائج المذهلة للعمليات وكفاءة الجراحين.
عانت تونس ما قبل الثورة من الركود الاقتصادي لعقود طويلة، وقد كانت نتيجة ذلك التأخر في التنمية وتردي الأوضاع على كافة الصعد مؤدية بذلك الى اندلاع الثورة التي أدت إلى تغيير النظام. ومن أهم المتغيرات التي شهدها البلاد كانت إعطاء الجانب الاقتصادي والتنموي اهتماماً أكبر وقد أكّدت نائبة الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ماري كيفيني في حديثٍ لها على ضرورة بذل المزيد من الجهود من أجل النهوض بالبلد، وتعتبر كيفيني أنَّ تونس هي واحدة من الدول التي من المتوقع أن تحقق خطوات تقدمية كبيرة وتطوراً هاماً على مستوى التنمية خلال المرحلة المقبلة، شرط أن تتمكن الحكومة من استعادة ثقة المواطن بها، وأكثر الأمور إلحاحاً في تونس اليوم هي مشكلة البطالة لدى الشباب وضرورة إيجاد حلول جذرية لها.
كما ويعتبر هذا البلد المغاربي من بين البلدان التي تحتوي في باطنها كما في سواعد قاطنيها على ثروات قد تمكنه يوماً ما من تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتتنوع ثرواته كالفوسفات والتمور والملح وزيت الزيتون، كما يُعتبر الطابع السلمي الذي تتسم به البلاد احدى أهم ميزاتها حيث كانت ولا تزال دولة محايدة وبعيدة إلى حد كبير عن النزاعات التي يشهدها العالم العربي والدولي.
إنَّ العين الصينية تتطلع اليوم إلى الجغرافية التونسية خصوصاً مع فترة الانفتاح الصينية التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ وانطلاق مبادرة الحزام والطريق. إن العلاقة بين تونس والصين تعتبر مميزة وهي دائماً في تطور إن على الصعيد الاقتصادي أو الثقافي أو السياسي. في العام 1958 عقدت تونس اتفاقية تعاون اقتصادي مع الصين وبهذا كانت من أوائل الدول العربية التي تبدأ بالشراكة مع الصين، وقد تبعت هذه الاتفاقية العديد من الاتفاقيات، وفي العام 1983 تمَّ تأسيس اللجنة الصينية التونسية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي. بالاضافة إلى العديد من المؤتمرات والندوات المشتركة التي كان هدفها الأول والأخير تعزيز هذه العلاقة، مثل منتدى التعاون الصيني – التونسي ومنتدى الاستثمار والتجارة التونسي – الصيني لمراجعة الجهود التي يبذلها البلدان لتعزيز العلاقات الثنائية.
إنَّ الأارقام تشير إلى أهمية الصين بالنسبة لتونس بسبب التبادلات التجارية المرتفعة والتي تتزايد كل عام، والدور الصيني الأهم في تونس عن طريق المشاريع التنموية التي تقوم بها الشركات الصينية، خصوصاً في قطاع البناء والعمران. إنَّ التعاون المشترك بين البلدين يشمل كافة القطاعات، فالصين على سبيل المثال ومنذ زمن بعيد تشجع على التبادل الأكاديمي والطبي وإرسال الكفاءات الصينية إلى تونس من أجل التطوير. وقد صرّح نائب وزير الخارجية الصيني تشانغ مينغ علانية باستعداد الصين لتعزيز شراكتها مع تونس في مجال مشاريع التنمية. إن التبادلات لم تقتصر على صعيد مشاريع التنمية، فقد سعت الصين إلى التفاعل مع تونس عن طريق السياحة والاتصالات ووسائل التواصل والأحداث الثقافية مثل قطاع السينما والمسرح.
إنَّ الصين هي دولة عظمى اقتصادياً وثقافياً وحضارياً، وعلاقتها مع تونس واجبة من أجل أن يكتمل الحلم الصيني على أرض الواقع، فتونس الحضارة والتاريخ هي أكثر من موقع جغرافي بالرغم من أنَّ موقعها الجغرافي هو ما يميزها حالياً وهو الجاذب الأول للصينيين إلى الأرض التونسية.
* محمد زريق هو باحث دكتوراه في جامعة الصين الوسطى وعضو مرشح في الاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء الصين “فرع لبنان”، متابع لسياسة الصين الخارجية تجاه منطقة الشرق الاوسط مع اهتمام كبير لمبادرة الحزام والطريق في لبنان.
* امال وسلاتي مهتمة بالشؤون السياسية في تونس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.