قطار الشراكة اللبنانية الصينية ينطلق ولبنان على السكة

0

 

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
محمد زريق:

لفتني البارحة حوار إذاعي يحمل في طيّاته الكثير من بذور التطور والحداثة والتقدم لوطننا لبنان، كان هذا الحوار عبر أثير إذاعة Tawasol FM مع الاعلامية المميزة جاننين أما ضيوف هذه المقابلة الهامّة فهم كل من رئيس جمعية طريق الحوار اللبناني الصيني الأستاذ وارف قميحة وهو رائد في نسج وتمتين علاقات الصداقة بين لبنان والصين، ورئيس جمعية تران تران (Train Train Lebanon) الأستاذ كارلوس نفّاع وبحضور نائب رئيس جمعية تران تران الأستاذ نبيل روماني.

على الصعيد الشخصي لقد اكتسبت الكثير من المعلومات القيّمة بعد متابعتي لتلك المقابلة أما على المستوى الوطني فهي بمثابة اقتراحات لخطط عمل جاهزة لا تحتاج سوى التطبيق على أرض الواقع. يمكن اعتبار هذا المقال كتعقيب على تلك المقابلة، وبما أنني من المهتمين بتعزيز العلاقات اللبنانية الصينية وخصوصاً بمبادرة الحزام والطريق، فهذه المساحة مخصصة لي للتعليق والاضافة على ما جاء في تلك المقابلة.

لقد تطرق الضيوف المختصون للكثير من القضايا المهمة بالنسبة للبنان والمنطقة على أن يكون الهدف المركزي إعادة تفعيل السكك الحديدية وبالتالي ربط لبنان بالدول العربية (دول الجوار وأولها سوريا والأردن والعراق)، ومن الجوار سوف نصل ونكون على تماس مباشر مع الدول الشرقية (وأولها الصين) باغتنام الفرصة والاستفادة من مبادرة الحزام والطريق الصينية والتي بدون أدنى شك ستعمل بفعالية أكثر إذا كانت البنى التحتية اللبنانية مجهّزة وقادرة على استيعاب كمية كبيرة من عمليات التبادل التجاري وهنا ضرورة إعطاء الأولوية لإعادة تفعيل سكك الحديد في لبنان، وأنا من المؤمنين بأنَّ الشراكة مع التنين الصيني والمارد الاقتصادي العالمي سوف تكون بادرة أمل وفاتحة خير للمزيد من التقدم والازدهار، والانفتاح اللبناني لن يكون باتجاه الشرق فقط، لأنَّ البوصلة الشرقية سوف تكون موجّهة نحو الغرب ولبنان سيلعب دور الجسر أو صلة الوصل بين الشرق والغرب بسبب الموقع الجغرافي المميز الذي يشغله على الحوض الشرقي للبحر المتوسط، وهذا الموقع الاستراتيجي للبنان سوف يمنحه أهمية مضاعفة على الخريطة الصينية.

إنَّ العلاقة بين لبنان والصين قديمة جداً وموغلة في التاريخ، فقد وصلت القوافل الصينية إلى لبنان وشواطئ صور في العام 2100 ق.م. ومن لبنان تابعت تلك القوافل المسير عبر السفن لتصل إلى أوروبا، وبما أننا اليوم في عصر الانفتاح والتواصل والترابط الفكري والثقافي والحضاري فقد عمل الرئيس الصيني شي جينبينغ على إعادة إحياء طريق الحرير القديم وذلك بالمبادرة التي أطلقها عام 2013 تحت عنوان “حزام واحد، طريق واحد”. وترتكز هذه المبادرة على التواصل التجاري والحضاري والثقافي عبر خطوط وسكك تعمل الحكومة الصينية على انشائها من أجل ربط الصين بكافة دول المبادرة وبذلك تصبح الصين القلب التجاري للعالم، خصوصاً للدول المنضمة لهذه المبادرة.

أما في ما يخص لبنان وبما أنَّ هذه المبادرة قائمة على التواصل، فأصبح من الضروري واليوم قبل الغد وضع خطة للطرقات البريّة في لبنان وبدء العمل على إعادة تفعيل سكك الحديد (كي لا يكون لبنان من الخاسرين على الصعيدين الاقليمي والدولي)، وعند الحديث عن خطوط نقل فهذا لا يعني بيروت فقط، لأنَّ لبنان متعدد الوجهات ويجب الاستفادة من كافة المرافئ (بيروت وصور وطرابلس)، بالاضافة إلى المطارات في بيروت ورياق والقليعات، خصوصاً أنه من المتوقع أن يلعب لبنان الدور الأهم في إعادة إعمار سوريا والعراق، ومجدداً بسبب موقعه الجغرافي الاستراتيجي.

إنَّ مرفأ طرابلس على سبيل المثال يستوعب اليوم 200 ألف حاوية ولكنه قادر على استيعاب 8 ملايين حاوية، ومرفأ بيروت يستوعب مليون ومائتي ألف حاوية ولكنه قادر على استيعاب أضعاف مضاعفة إذا تمَّ العمل على استراتيجية صحيحة وفعّالة. كما ويجب العمل على المرافئ الجافة والتي تعتبر كمستودع للتجارة الالكترونية (amazon, alibaba) وهكذا تصبح التجارة الالكترونية تجارة اليوم وليس الغد، فالغرض الذي اشتريه اليوم عن طريق الانترنت يصلني اليوم، كما ويصبح لبنان المركز الأول في منطقة الشرق الأوسط الذي يطبق حل المرافئ الجافة.

بالعودة إلى ملف السكك الحديدية، فهذا العمل سوف يربط طرابلس بالعبودية وطرابلس ببيروت وبيروت بالناقورة وبيروت بالبقاع، ومن مرافئ بيروت وطرابلس سوف نصل إلى شواطئ العالم. وبعد توقيع لبنان على اتفاقية باريس أصبح مطالبا من قبل المجتمع الدولي بتخفيض التلوث البيئي وانبعاثات الغازات السامة بنسبة 30% وإذا وصل إلى هذه النسبة فإنَّ المجتمع الدولي سوف يساعد لبنان اقتصادياً ويقدم له قروضاً وهبات في سبيل خفض التلوث والحفاظ على البيئة. ولكن من الصعب أن يصل لبنان إلى تلك النسبة إلا إذا أعاد العمل بالسكك الحديدية التي تخفض من التلوث ومن مشاكل الطرقات.

إننا اليوم ومع الأسف لا نسمع من الدولة والمسؤولين سوى الوعود التي تتكرر ولا تطبق، ولكن الوضع اليوم مختلف لأنَّ هناك شريكاً جدّياً وحقيقياً هو الدولة الصينية، وهذه الدولة هي بحاجة للبنان كما لبنان هو بحاجة لها، فالمصلحة مشتركة كما أن المنفعة ستكون مشتركة، فلم يعد هناك أي سبب يعيق عملية الانفتاح الفعلي بين لبنان والصين، وبالتالي وضع لبنان على سكة الانفتاح والتقدم وبالتأكيد إعادة تفعيل السكك الحديدية.

 

* عضو  في الاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء الصين ـ فرع لبنان. باحث في شؤون الصين ومتابع لملف مراكز الأبحاث والجامعات الصينية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.