شريان الحياة الصيني من شينجيانغ إلى الأردن!

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
علاء ساغه*:

في أواخر فبراير/ شباط الماضي من هذا العام 2019، عُقدت في منطقة شينجيانغ الويغورية ذاتية الحكم، الواقعة في أقصى غرب الصين، ندوة دولية متخصصة بعنوان “السياسات العرقية الصينية والوحدة بين الأعراق – ممارسة منطقة شينجيانغ الويغورية ذاتية الحكم”.

لقد وافقتُ على كتابة هذا المقال لأسباب عديدة، من أهمها، أن منطقة شينجيانغ الصينية الويغورية ستغدو شقيقة للاردن ولعدد أخر من البلدان العربية، من خلال “مبادرة الحزام والطريق” التي سبق وتقدّم بها الأمين العام والرئيس شي جين بينغ، والتي سوف تدشّن عصراً جديداً في العلاقات الأردنية والعربية الصينية، بمرورها في بلدان العالم العربي، وستعمل على تنشيط العلاقات السياحية والاستثمارية والاقتصادية والإنسانية بيننا وبين الصين ومناطقها الغربية، وهي مناطق تشهد في السنوات الاخيرة نقلة حضارية نوعية، تشدُ العالم دولاً وبلداناً إليها، وبخاصة المشرق والمغرب العربيين، ونظراً لعوامل عديدة، منها الإيمان الديني، والسّمات الشرقية القسمات في الروابط الاجتماعية والإنسانية الحميمة بين الناس، والمطبخ والعادات والتقاليد المُتقاربة، والتي تعمل على تعزيز لحُمة علاقاتنا مع الصين عموماً.

هذه المنطقة ومناطق اخرى في الصين، كانت قد سَعت بنجاح قبل ألوف السنين، وخلال طريق الحرير الصيني القديم والانفتاح الصيني السّوقي والبشري على غالبية العرب، إلى احتضان العرب والمسلمين المهاجرين إليها من خلال التبادلات المادية والروحية بين الجانبين، وها هي هذه المنطقة تعود في أيامنا هذه إلى سابق عهدها الناشط، بتمهيد السّبل الى علاقات حميمة مع العالم العربي وشعوب المشرق العربي الآسيوي، أو لنقُل عرب غرب آسيا وشمال أفريقيا الذين طالما تطلعوا بشغف كما يحدثنا التاريخ صوب الصين التي تشتهر بين العرب منذ الماضي السحيق بأنها أرض الفلاسفة والاختراعات وأفكار التقارب العالمي.

وعن شينجيانغ، فوفقاً للأرقام الرسمية فقد شارك في الندوة المذكوره أعلاه، أكثر من 200 شخصية مُقرّرة وبارزة، من قرابة 50 حزباً سياسياً، من نحو 30 دولة، بالإضافة الى مُمثلين عن الصحافة العربية والدولية، التي من بينها “الاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء الصين، ممثلاً بالزميلين مروان سوداح رئيس “الاتحاد” ومحمود ريا أمين سرّه ومدير عام موقع “الصين بعيون عربية” وموقع “الطريق والحزام الصيني”.

سلّطت الصحافة الصينية المقروءة والمرئية والمَسموعة الأضواء على الفعاليات والجولات الميدانية للوفود الدولية في شينجانغ، التي مَثّلت عدداً غير قليل من البلدان العربية وأحزابها، لاسيّما لتوالي تصريحات نشطاء تلك الوفود من حزبيين وإعلاميين، والجولات العديدة التي قاموا بها في ربوع شينجيانغ، حيث شاهدوا بأُم أعينهم وعلى الأرض حياة المسلمين والأئمة والمساجد، ومنها المَبني حديثاً، والخدمات والإضافات التي تقدّمها الدولة إليهم، زد على ذلك تنفيذ الحكومة الصينية المركزية لخطط التنمية الاقتصادية والإجتماعية، والخدمات الأساسية التي تنشرها هذه الدولة بين أفراد الشعب هناك وتُقدّمها لمراكز الخدمات والعناية الإنسانية فيها.

وقد بحثتُ في الصحافة الصينية عن تصريحات أعضاء الوفود، وشعرت بأنها عكست حقيقة الأوضاع في شينجيانغ، ذلك أن تلك الوفود تنتمي الى توجّهات وأفكار وأيديولوجيات مختلفة تكاد تكون متعاكسة وأحياناً متباعدة في البلد الواحد لأصحابها، وهنا تتضح المصداقية في هذه التصريحات عن المشاهدات في تلكم المنطقة القومية التي ترتدي الحُلل القومية والألوان البرّاقة العرقية، وتحافظ على ثقافتها ولغتها الويغورية المنتشرة في كل شارع وزقاق تاريخي وفلكلوري، وتعلو كل مسجد جميل ومرتّب ونظيف ومزود بتقنيات لافتة ومُبهِرة لتسهيل مهمة الصلاة للمؤمنين. اللغة الويغورية منتشرة في شينجيانغ ويتم الحديث بها كما يَشهد على ذلك أعضاء الوفود إيّاها، في المواقع العامة، والساحات، والمراكز الاجتماعية، والمطاعم، والمدارس والجامعات التي تقوم بالتدريس دون مُعيقات في مختلف التخصصات باللغة القومية أيضاً، وترى هناك الوجوه باسمة ومطمئنِّة، فالتأمينات الاجتماعية كاملة وشاملة، ومداخيل السكان المالية في تزايد متواصل، وتُظهر الإحصاءات، أن مستوى الدخل لسكان المدن والقرى في شينجيانغ، نما تباعاً بـ 6.5% و8.5% خلال عام 2018، ويواصل نموّه منذ العام الحالي 2019. وفي مجال السياحة، فقد انتعشت هذه الصناعة بوتائر مُتسارعة، لا سيّما منذ عام 2017، وانعكست على الأوضاع المعيشية اليومية للسكان هناك، حيث سجّلت المنطقة، وفقاً لشوهرات زاكر، رئيس حكومة منطقة شينجيانغ الويغورية في حديثه لوكالة أنباء شينخوا، أكثر من 100 مليون رحلة سياحية من قِبل سياح محليين وأجانب، بارتفاع قدره 32.4 بالمئة على أساس سنوي، وهو رقم مذهل لمنطقة قليلة السكان، ويَشي ذلك الى ضخامة العمل فيها لتطويرها، والأموال الضخمة التي تُضخ في مفاصلها وسواعدها التنموية لجعلها مِثالاً يُحتذى للمناطق القومية في الصين وخارج الصين.

وهكذا نرى، أنه وخلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2018، سجلت شينجيانغ132 مليون رحلة لسياح من داخل الصين وخارجها، بزيادة تبلغ 40 بالمئة على أساس سنوي. ويُنوّه شوهرات زاهر أيضاً، إلى أن شينجيانغ أضحت أكثر جمالاً وأمناً واستقراراً، وبغض النظر عن المكان الذي يتواجدون فيه أو التوقيت، فإن ناسها لم يعودوا خائفين من عمليات الإرهابيين الدوليين، وها هم يخرجون للتسوّق وارتياد المطاعم والسياحة، ذلك أن الوحدة القومية والسّماحة الدينية تشكلان حجر الأساس بالنسبة للتنمية والتقدم والحياة في شينجيانغ المتنوّعة قومياً وعرقياً ودينياً، كما تعبّر عن الإرادة السلمية المشتركة للبلد الأكثر سكاناً على وجه الأرض.

لقد أُعجبت جداً بتعبير السيد أليكسي ليسكين، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي المُشارك في فعاليات شينجيانغ، وهو الشخص، ربما، الأكثر إدراكاً لأهمية الوحدة القومية إنطلاقاً من تجربة وطنه روسيا في هذا المجال، إذ قرأت للسيد ليسكين تنويهه إلى أن وحدة القوميات الصينية شبيهة بقصّة الأب الذي أعطى لكل واحد من أبنائه عوداً ليكسره، فشرع جميعهم الى كسرها بسهولة بالغة، ثم حينما طلب منهم أن يكسروا حزمة الأعواد المجتمعة الى بعضها البعض، فشلوا تماماً في ذلك. وخلُص ليسكين من ذلك إلى القول: “الوحدة تَعني القوة”. ولعمري فإن هذه بالذات هي الخصلة الأهم التي يتمتع بها الشعب الصيني برمّته وقيادته الحكيمة وعلى رأسها الرفيق شي جين بينغ، وكذلك يتمتع بها القسم الحيوي من هذا الشعب في شينجيانغ.

ننتظر إخواننا من شينجيانغ في ضيافتنا في الاردن على ظهر قوافل الحزام والطريق الجديدة، ليعود الشريان الحيوي بيننا الى سابق عهوده، ومن أجل تعزيز بُنيان الصداقة والعلاقات الانسانية والثقافية، وعودةً على التصاهر، وهو الأهم، بين شعبينا في خضم طريق الحرير الصيني القديم، الذي تنقّل آمِناً في أراضي الاردن من جنوبه الى شماله، مارّاً بكل مُدننا وقُرانا وأريافنا وبوادينا وجبالنا، وخلّف وراءه شواهد مادية مَحفوظة الى اليوم، كما نوّه الى ذلك ذات مرة، سعادة سفير جمهورية الصين الشعبية لدى الاردن الأخ “بان ويفانغ”، وهذا يَعني عودة على بدء روح المودّة والتعاون والتصاهر الأعمق ما بين شعبينا الاردني والصيني، ليكون الحاضر طبق الأصل عن الماضي، وعن الصور التاريخية الماثلة في أذهاننا لجنبات طريق الحرير الصيني السابق.

 

#*علاء_ساغه: كاتب #أُردني، ومساعد لرئيس #الاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء #الصين وعضو قديم في الاتحاد الدولي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.