الصين… استراتيجية “الحدود الشفافة”

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
د. شاهر إسماعيل الشاهر*:

تشكل العولمة النظام الجيوبوليتيكي الأكثر تطوراً، حيث قاد التطور التكنولوجي وتطور وسائل الاتصال، إلى إلغاء الأهمية التقليدية للحدود وللحروب التقليدية عبر التدخل العسكري المباشر، إلى أشكال مختلفة من مظاهر الصراعات الجيوسياسية، التي أصبحت تتم تحت عناوين وذرائع مختلفة، كالتدخل الإنساني، والشركات متعددة الجنسيات، والحرب ضد الإرهاب، والتي أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تلجأ إليها لتحقيق أهدافها الجيوسياسية في العالم، وبذلك أصبحت الحدود السياسية حدوداً وهمية، حيث يمكن أن تُخترق سيادة الدول دون تجاوز حدودها، التي أصبحت “حدوداً شفافة”، هذا المفهوم الجديد الذي طرحه “بيتر تايلور”، أشهر باحثي الجغرافية السياسية في العقدين الأخيرين، ويقصد “بالحدود الشفافة”، الهيمنة الاقتصادية والعسكرية دون حدود خرائطية للدولة، وهو ما عرف “بجغرافية السيطرة من دون امبراطورية”، وهو أفضل تجسيد لتطوير الأفكار الجيوبوليتيكية بعيداً عن الأطر التقليدية للنمو العضوي للدولة.
لقد امتازت العولمة الصينية بعدة خصائص، أهمها هو اعتمادها نظرية القوة البحرية، هذه النظرية التي وضعها الأدميرال الأمريكي ألفريد ماهان في أواخر القرن التاسع عشر، ففي كتابه “تأثير القوة البحرية على التاريخ” الذي نشر في عام 1890، يؤكد ماهان أن العلاقة وثيقة للغاية بين القوة البحرية والتنمية الاقتصادية، ويرى أن القدرة على حماية القوة التجارية عن طريق البحر هي فقط التي من شأنها أن تعمل على تأمين هذه الرابطة، ووفقاً للنظرية فإن المصالح الاقتصادية تستجلب معها التواجد العسكري فيما بعد.
وقد حدد ماهان الشروط التي تقرر مدى “القوة البحرية”، بما يلي:
– الموقع الجغرافي والبيئة.
– القدرة الإقليمية، وخاصة على الحدود الساحلية.
– تعداد السكان.
– شخصية الأفراد الذين يتولون الحملات البحرية.
– شخصية الحكومة المتلهفة إلى تبني “القوة البحرية”.
لقد كانت هذه الشروط تنطبق على الولايات المتحدة في زمن ماهان، ومن المؤكد أنها تنطبق على الصين اليوم. ويبدو واضحاً انتهاج الصين لنظرية القوة البحرية في تحقيق هدفها الوطني، حيث تدرك بكين أن الحفاظ على أمن الممرات البحرية الاستراتيجية ضروري لحماية أمنها القومي، ولعل “معضلة ملقا” مثالاً على قلق الصين في ضمان حقها في المنافسة مع القوى الأخرى للاستحواذ على الموارد والأسواق العالمية.
إن سلوك الصين في الحصول على قواعد بحرية على طول المضايق والممرات البحرية، لم يكن لخدمة مصالحها الاقتصادية فحسب، بل لتعزيز وجودها الاستراتيجي كقوة عالمية، فمن يتحكم بالمضايق الاستراتيجية يتحكم في تجارة العالم واقتصاده وأمنه، لذلك تسعى الصين إلى بناء القواعد عبر البحار بدلًا من استعمار الدول، من خلال معاهدات الصداقة والشراكة بإحدى الدول المطلة عليه، وكانت البداية من مضيق ملقا، الذي يصل بين المحيط الهادئ، والمحيط الهندي، حيث عززت الصين علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع ماليزيا، التي تشرف على المضيق، إلى جانب إقامة مدينة صينية كاملة به، فقد بدأت شركة «كونتريغاردن» الصينية في ردم أجزاء من البحر لتشييد مدينة جديدة في ولاية جوهور الماليزية، على المدخل الجنوبي لمضيق ملقا، على حدود سنغافورة مباشرة، تسمى “مدينة الغابة” على أربع جزر اصطناعية، تُقدر تكلفتها بنحو 100 مليار دولار، كما حرصت الصين على إنشاء ستة موانئ في مضيق باب المندب انطلاقاً من جيبوتي، حيث تمول المصارف الصينية 14 مشروعاً في البنى التحتية في البلاد، بتكلفة 14.4 مليار دولار.
وتشكل المملكة المغربية نقطة ارتكاز محورية في مشروع الحزام والطريق، وتكمن أهميتها الاقتصادية بما توفره من منافع على ثلاث فضاءات، فضاء البحر المتوسط والأطلسي وغرب أفريقيا، لذا فقد تكفلت مجموعة هايت الصينية، ببناء مدينة صناعية بتكلفة 10 مليار دولار على مساحة 2000 هكتار قرب مدخل مضيق جبل طارق، ومن المقرر نقل آلاف الصينيين للعيش والعمل بالمدينة الجديدة.
وكان مبدأ الرئيس الأمريكي مونرو 1823 قد نص على اعتبار أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ أمريكية لا يحق لأي دولة أجنبية أن تتدخل فيها، فمعظم تجارة الولايات المتحدة الأمريكية تمر من قناة بنما، لذلك أولت الصين اهتماماً كبيراً بموقع قناة بنما، وزادت أهمية القناة بعد شراء مجموعة «لاند بريدج» الصينية ميناء جزيرة مارغريتا، على الجانب الأطلسي للقناة، وهو أكبر ميناء في بنما، كما شيدت الصين عدة مشروعات من ضمنها ميناء بتكلفة 900 مليون دولار، ويدير الشركة مسؤولون وعسكريون صينيون، وعلى المدخل الآخر للقناة تقوم شركة هوتشيسون وامبوا الصينية بأعمال توسيع لميناء بالبوا البنمي منذ عام 2015، بتكلفة 110 ملايين دولار، وفي نيكاراجوا إلى الشمال من قناة بنما وعلى بعد أقل من 200 ميل، تتبنى مجموعة هونغ كونغ مشروعاً لحفر قناة ملاحية جديدة أكثر عمقاً واتساعاً وطولاً وذلك بتكلفة تبلغ نحو 50 مليار دولار.
وتعتبر شركة تيدا الصينية أكبر مستثمر في تنمية محور قناة السويس، حيث تجاوزت استثمارات المؤسسات الصينية فى مصر 11.3 مليار دولار، وفيما يتعلق بمضيق هرمز فقد قرر الصينيون إنشاء منطقة صناعية كبرى على الساحل العماني في منطقة الدقم، وستقوم شركة «وان فانج عمان» الصينية بدور المالك ومدير المشروع، بتكلفة أكثر من 10 مليارات دولار، ويتضمن الاتفاق إنشاء مصفاة نفط ومجمع للبتروكيماويات وعدد من المشروعات الصناعية الكبرى، وعلى الضفة الأخرى من بحر العرب يقع ميناء غوادر، الذي سلمته الحكومة الباكستانية للصين.
بالإضافة إلى ما سبق فإن الصين بدأت في تجربة استخدام الطريق البحري الذي يمر بالمحيط المتجمد الشمالي، بالاستعانة بكاسحات الجليد، لنقل بضائعها لغرب أوروبا، وما يثير المخاوف الأمريكية افتتاح القاعدة العسكرية الصينية في مضيق باب المندب، بعد زيارة رئيس الأركان الصيني، الجنرال فانج فينج هوي، في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، وهي أول قاعدة عسكرية صينية خارج الحدود، ويُنظر لهذا الحدث باعتباره إيذاناً ببدء مرحلة الانتشار العسكري للصين المصاحب للنفوذ الاقتصادي، ويقول مدير وكالة المخابرات العسكرية الأميركية السابق ديفيد شييد إن “إنشاء قاعدة صينية في أفريقيا هو رسالة صغيرة من الصين إلى العالم تنذر بصعود أقوى وأخطر”.
وعلى الرغم من ذلك كله، فإن الصين تدرك أنها لن تحقق التكافؤ العسكري مع الغرب إلا إذا حققت التكافؤ الإقتصادي والتكنولوجي معه، وبالتالي فإن مصلحة أمنها القومي الاستراتيجي تتطلب أن تحافظ على علاقات تبادل تجاري وتكنولوجي مع الغرب وأن تتحفظ في ردود أفعالها أمام استفزازاته المستمرة إلى أن تصل إلى المستويات التي ترغب بها لنفسها اقتصادياً وتكنولوجياً ومن ثم عسكرياً.

*بروفيسور في مدرسة الدراسات الدولية
جامعة صن يات سين- الصين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.