“الأهرام التعاوني” تحاور أغلى فلاح في العالم: أبو الأرز الصيني يكشف أسرار الأرز الهجين وكيف حول الصحراء إلى جنة خضراء

0

 

يوان لونج بينج لـ”الأهرام التعاوني”: أحصل على آلاف من الدولارات لكن عظامي القديمة لا تساوي بضعة دولارات

تدشين سهم في البورصة الصينية بإسم يوان لونج بينج لأول مرة في التاريخ .. والصينيون يطالبون بأن يحصل على جائزة نوبل

صحيفة الأهرام التعاوني المصرية ـ
محمود سعد دياب:

في ظل اتجاه المياه العذبة بجميع الأنهار والبحيرات إلى الندرة، أصبح العالم يتطلع إلى وسائل أكثر تطورًا للحفاظ على المياه بأكبر قدر ممكن، خصوصًا في ري الزراعات كثيفة استهلاك المياه مثل الأرز …

وفي حالة مثل مصر ومعظ الدول العربية تسعى الحكومات جاهدة إلى تطبيق سياسات زراعية جديدة باستخدام أصناف الأرز الهجين الأقل استهلاكًا للمياه والأقل بقاءًا في الأرض مما يوفر المياه لأغراض وزراعات أخرى، ويقلل من إجهاد التربة، ومن ناحية أخرى يقلل من استيراد الكميات الضخمة من الأرز سنويًا حتى يتشبع السوق المحلي، ولكن معظم الفلاحين لا يزالون يصرون على زراعة الأرز المصري التقليدي لأنه الأفضل من ناحية الطعم والذي يحظى بإقبال المستهلك المصري، وهي المعضلة التي تواجهها وزارة الزراعة سنويًا وتحاول حلها بتحديد المساحات المنزرعة بالأرز وفرض غرامات قد لا تأتي على هوي الفلاح.

يوان لونج بينج هو خبير صيني في زراعة الأرز، نجح قبل عشرات السنين باستخدام التكنولوجيا في اكتشاف الأرز الهجين ما وفر على الدولة مليارات المكعبات من المياه سنويًا خصوصًا وأن الأرز هو الوجبة الشعبية الأولى التي لا تخلو منها أي مائدة طعام صينية مثلما هو الحال في مصر، ليس ذلك فقط ولكنه أسس أكاديمية لتدريب المهندسين والفنيين في مرزعته بمدينة شانجشا عاصمة محافظة هونان وسط الصين، عمل خلالها بمساعدة الحكومة والحزب الشيوعي الصيني على تعميم تجربة زراعة الأرز الهجين، وذلك رغم أن الصين تمتلك نهرين من أكبر أنهار العالم هما اليانجتشي والنهر الأصفر واللذان يجريان في أراضيها فقط من الغرب إلى الشرق ومن الجنوب إلى الشمال، بخلاف أنهار صغيرة أخرى ومجاري مائية وأراضي تزرع على مياه الأمطار.

ما جعل الصينيون يطلقون عليه لقب “أبو الأرز الصيني”، ويحرص كل رئيس صيني على زيارته في مرزعته وأكاديميته وتقديم الدعم له، خصوصًا في الفترة الأخيرة، حيث زاره الرئيس الصيني شي جين بينج وذلل له كل الصعوبات لكي تستفيد دول العالم من تجربته الملهمة، والتي تأتي في إطار مبادرة الحزام والطريق التي تتبناها الصين، وتعتبر مصر والدول العربية أحد النقاط المهمة فيها.

والرجل الطاعن في السن لايبدو عليه أنه في الثمانينات من عمره، فإذا رأيته لا تعطيه أكثر من 50 سنة، ورغم ذلك فهو لا يرغب في التقاعد، ورغم ما حصده من شهرة وجوائز عالمية إلا أنه لا يزال يعيش في منزل بسيط ويتناول الأطعمة النباتية فقط، ويصر على ممارسة الرياضة البدنية ومراقبة الحقول، كما أنه يجيد العزف على آلة الكمان، وهي أصعب الآلات الموسيقية في الأداء ما يدل على قوة أعصابه، حيث يستمتع بالعزف في حقول الأرز ويجمع بين الفن والطبيعة، ما جعل زملائه الباحثون الدوليون يطلقون على اختراعه لقب “الإنجيل الذي جاء لإنقاذ البشرية جمعاء”، حيث تقول الإحصائيات الصينية أن قرابة ملياري شخص استفادوا من أبحاثه عن الأرز الهجين حول العالم.

 

وفي دورة الألعاب الأولمبية الصيفية “بكين 2008″، كان يوان لونج بينج أول حامل للشعلة الأوليمبية، والتي عبر بها عن رغبة الصين في مد يد الصداقة والخير إلى العالم أجمع من خلال القضاء على الجوع بزراعة الأرز الهجين كثيف الإنتاج.

الرجل الذي ظل يحرث في الأرض لأكثر من 60 عامًا يزرع الأرز الهجين، نجح في تحويل صحراء جوبي المهجورة “أكبر مساحة صحراء في الصين”، إلى مساحات خضراء مزروعة بالأرز الهجين، الذي يتميز بمقاومة عوامل التصحر، خصوصًا وأن تربتها الملحية الثقيلة لم تستجب لأية زراعات أخرى باستثناء الأعشاب العشوائية وغير المفيدة، واليوم تزرع مساحة تصل لقرابة 300 ألف فدان من تلك الصحراء بالأرز الهجين، وبعد سنوات سوف تكون صالحة لزراعة محاصيل أخرى بجوار الأرز.

وبمرور الوقت استفادت دول من آسيا وإفريقيا والأمريكتين من التجربة، في مقدمتها مصر، وأرسلت عشرات المهندسين والفنيين الزراعيين للحصول على دورات في تلك الأكاديمية، ما جعل دولة مثل مدغشقر جنوب القارة السمراء تجقق الاكتفاء الذاتي من الأرز وتنجح في تصديره فقط بزراعة 50 ألف متر مربع من الأرز الهجين لكي يتخطى حجم الإنتاج 600 ألف طن من تلك المساحة فقط، بعدما كان الإنتاج المحلي لا يتخطى 150 ألف طن فقط، لدرجة أن المدغشقريون زاروه عدة مرات في تشانجشا وأبدو رغبتهم في أن يزور بلدهم وغيروا العملة الوطنية لكي تتضمن سنبلة الأرز الهجين كبيرة الحجم.

وخلال المعرض الصيني الإفريقي الذي شهدته مدينة شانجشا على مدار 3 أيام نهاية شهر يونيو الماضي، استعرض المهندس هو يويه فانج، الخبير في زراعة الأرز الهجين بأكاديمية يوان لونج بينج ، في مدغشقر، حيث قال في تصريحات لـ”الأهرام التعاوني” إنه بدأها قبل 10 سنوات ونجح بعد زيارة جميع مناطق زراعة الأرز هناك حتى توصل إلى نوعية بذور عالية الإنتاج تتلائم مع البيئة والتربة، ما أعاد إلى مدغشقر سمعتها العالمية السابقة في زراعة الأرز.

وأضاف الخبير الصيني لـ “الأهرام التعاوني”، أن عدد كبير من الدول استفادت من تلك التجربة الرائدة، منها مصر حيث استضافت أكاديمية يانج لونج بينج، مهندسين وفنيين زراعيين مصريين، تم تدريبهم على زراعة الأرز الهجين، كما تم إرسال مهندسين صينيين إلى مصر في وقت سابق في إطار التعاون بين البلدين الذي وصل إلى الشراكة الاستراتيجية، بوصف مصر أول دولة عربية وإفريقية تنضم إلى مبادرة طريق الحرير، مضيفًا أن دول العالم بما فيها الولايات المتحدة والبرازيل، تزرع حاليًا قرابة 7 تريليون متر مربع حاليًا من الأرز الهجين.

 

“الأهرام التعاوني” .. زارت أكاديمية ومزرعة أبو الأرز الصيني يوان لونج بينج ، في مدينة شانجشا بمحافظة هونان، ولأن الرجل طاعن في السن “85 عامًا”، فلم يتمكن من الحضور، ولكننا تحدثنا معه عبر الفيديو كونفراس وتابعنا تفاصيل تجربة زراعة الأرز الهجين في الأكاديمية والمرزعة من خلال المهندسين من تلاميذه.

يقول أبو الأرز الصيني يوان لونج بينج ، إنه بدأ مشروعه البحثي، عام 1984 كإحدى ثمار سياسة الإصلاح والانفتاح التي أطلقها الزعيم دنج شياو بينج عام 1979، وهو المشروع الذي أحدث ثورة في زراعة الأرز، مضيفًا أنه على أساس أكاديمية أبحاث الأرز الهجين في هونان، أسست الحكومة الصينية المركز الصيني القويم لللبحث والتطوير في الأرز عام 1995، وأن أكاديميته ركزت على تربية أصناف بذور ذات إنتاج وفير أعلى من الأرز التقليدي ومقاومة كبيرة لدرجات الملوحة والتغيرات المناخية.

ويضيف أن المساحات المنزرعة بالأرز الهجين بالصين حاليًا تخطت 17 مليون هكتار “الهكتار الواحد يساوي 10 آلاف متر مربع”، وأن متوسط الإنتاج يبلغ 8 آلاف كجم لكل هكتار، موضحًا أن الأكاديمية تركز جهودها حاليًا على الوصول إلى إنتاجية يصل حجمها إلى 18 و20 ألف كجم في كل هكتار واحد، بعد 30 عامًا حيث سيتم الاحتفال وقتها بمرور 100 عام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، وأنه مستعد لمساعدة البلدان النامية التي تعاني من مشاكل في زراعة الأرز مثل مصر، لتطوير أجيال بذور الأرز الهجين بما يتناسب مع ظروف التربة والمناخ وتوافر مياه الري، معربًا عن ثقته في تحقيق هذا الهدف في المستقبل القريب.

وخلال حديثه عقد يوان لونج بينج ، مقارنات بين الأرز الهجين والتقليدي، مؤكدًا أن الأول له مميزات واضحة في الصين، حيث أن الحبة كبيرة مثل الفول السوداني، كما أن السبلة ضخمة الحجم، ما جعله يكفي لإطعام 800 مليون صيني كل عام، مشيرًا إلى أنه وباحثيه بالأكاديمية سوف يستمرون في أبحاثهم بهدف حل مشاكل الأمن الغذائي في الداخل والخارج، موضحًا أن تجربة الأرز الهجين أثبتت نجاحها في 40 دولة من خلال التعاون مع فريقه البحثي، حيث بلغت المساحات المنزرعة به أكثر من 7 مليون هكتار في 10 دول فقط أكبرها الهند وفيتنام وبنجلاديش.

ويكشف خلال حديثه أن الأبحاث المقبلة تنصب على التكنولوجيا الجزيئية للأرز والجينات الوراثية، مؤكدًا أن الأرز الهجين ولد في الصين، لكن الصين تقدمه للبشرية جمعاء، وأن تلك الأبحاث تنشر في دورية شهرية تصدر عن الأكاديمية اسمها “الأرز الهجين”، وأنه نجح خلال السنوات العشرين الماضية في تدريب أكثر من 10 آلاف مهندس وفني زراعي، من قارات إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأوقيانوسيا، بتكليف من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو”، والمعهد الدولي لبحوث الأرز ووزارة الزراعة في الصين ووزارة التجارة في الصين.

ويوضح أن تجربة الأرز الهجين نجحت في مصر وعدة دول إفريقية مثل نيجيريا وغينيا وموزمبيق وليبيريا والسنغال ومدغشقر، وحققت نسبة تزيد عن 20% مبدئيًا زيادة في الإنتاج عن الأرز التقليدي، بواقع 2 طن لكل هكتار.

أبو الأرز الصيني يوان لونج بينج، كشف في حديثه معنا عبر “الفيديوكونفرانس” عن سبب اختياره للعمل في مجال الزراعة، حيث أكد أن حالة الفقر والجوع التي كان عليها الصينيون فترة الأربعينيات والخميسنيات من القرن الماضي، موضحًا أنه يتذكر الجياع وهم يجلسون القرفصاء على قارعة الطريق، ينتظرون الحصول على الطعام، ووقتها قرر أن يساهم في بناء دولة قوية من خلال الزراعة لمحاربة الجوع.

ويضيف أنه بعد انطلاق دولة الصين الجديدة، على يد القائد ماوتسي دونج ورفاقه عام 1949، كان قد تخرج من كلية الزراعة قسم علم الوراثة، ووقتها قرر تطوير زراعة الأرز بحيث يزيد حجم الناتج المحلي ويكفي الجميع وينهي أزمة الجوع، حتى توصل عام 1956 إلى فكرة الأرز الهجين، وبدأ مع بعض طلاب الهندسة الزراعية تطوير الفكرة حتى توصل عام 1973 إلى أفضل أجيال بذور الأرز الهجين، والذي حقق نجاحًا كبيرًا وبدأ تعميم التجربة، حتى حصل على جائزة الدولة للاختراعات الفنية من مجلس الدولة “مجلس الوزراء”، عام 1981، حتى غيرت الدولة استراتجيتها الزراعية في الأرز إلى الطريقة التي اعتمدها يوان لونج بينج، أسمتها استراتيجية الأرز السوبر، وأنه خلال عام 1985 نشر دراسة عن الأرز الهجين من خلال منظمة الفاو بكل دول العالم، وأصبحت الكتاب الإرشادي للبحث والإنتاج الهجين للأرز حول العالم، وأنه حصل على جوائز عالمية عديدة أبرزها جائزة العلوم من اليونسكو عامين متتاليين 1986 و1987، الجائزة العالمية في الغذاء من منظمة الفاو عام 2004.

ويضيف أنه تبرع بقيمة أحد الجوائز والبالغ 150 ألف دولار حصل عليها في الثمانينات من القرن الماضي، لإنشاء صندوق للأرز الهجين للإنفاق على صغار الباحثين والعلماء، ومساعدتهم في تطوير أبحاثهم، وأنه استقال من منصبه الرفيع بالمؤتمر الاستشاري لمجلس نواب الشعب الصيني، “هي مجموعة تضم عدد كبير من الخبراء والرموز تعمل كهيئة استشارية للبرلمان الصيني وتمر عبرها القوانين وخطط التنمية والموازنة العامة”، وذلك حتى يتفرغ لأبحاثه.

جدير بالذكر أن الرجل البسيط يوان لونج بينج، رغم أنه لا يبغي المال والشهرة، إلا أنه أصبح أغلى فلاح في العالم، حيث تم تقدير قيمته محليًا وعالميًا بـ 100 مليار يوان صيني تقريبًا، ودشنوا بإسمه سهم في البورصة الصينية وهي أول مرة يحمل سهم بالبورصة اسم عالم، تحت اسم “Longping Hi-Tech”، والذي يمتلك 2.5 مليون سهم، وحاليًا يطالب الصينيون بأن يحصل على جائزة نوبل.

ورغم ذلك يكمل حديثه معنا قائلا : “إن أكثر الأشياء قيمة في البشر هي المعرفة في عقول البشر.. أنا كبير في السن الآن ، ويبلغ طولي 169 سم وأزن 60 كجم.. عظامي القديمة لا تساوي بضعة دولارات.. أجني 1600 دولار شهريًا.. مع إضافة البدلات الأكاديمية والبدلات الأخرى ، هناك أيضًا ثلاثة أو أربعة آلاف كافية للإنفاق”، مضيفًا: “عرفت من أجدادي كيف أكون مقتصدًا، لأنني اكتشفت أنه عندما كانت الصين غير قادرة على تناول ما يكفي ، عاشت أسرتي في فقر مضجع على مقربة من الأكاديمية البحثية التي دشنتها، في منزل صغير ذات فناء والأطفال والأحفاد يعيشون معًا”.

ويتابع قائلًا: ” أحب أن أشتري الملابس الرخيصة وأرتدي أفضلها عندما أذهب إلى الحقل، لأن سعر الشخص ليس بما يرتديه، وقيمته تتحدد بجودة الشخص نفسه”، ويستطرد: “سوف أنفق كل أموالي على الأكاديمية لأن بعض الناس يحتاجون إلى أكثر مما أحتاج، فتطوير البحث العلمي يحتاج إلى إسهامات خاصة من الباحث والأكاديمي، فأنا لا أريد أن أكون غنيًا فقط أصبح مواطنًا شريفًا يقدم إسهامات لمجتمعه والعالم”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.