دوامة الفوضى في هونج كونج تهدد بانطفاء “لؤلؤة الشرق” وضياع قوتها الاقتصادية

1

موقع الصين بعيون عربية ـ
بكين ـ محمود سعد دياب:
يبدو أنه لا أفق لحل قريب في منطقة هونج كونج الإدارية الخاصة جنوب الصين، فعلى مدار 4 أشهر تستمر المظاهرات حتى الآن ووصلت إلى حد تخريب المنشآت العامة، فيما تصر حكومة البر الرئيسي في بكين على إيجاد حلول سياسية سلمية وإرجاء التدخل العسكري المباشر كحل أخير، لكن ما يدعو للأسف أن تلك المنطقة التي يطلق عليها لقب “لؤلؤة الشرق”، يتجه اقتصادها بشكل حاد إلى حالة الكساد، وهربت استثمارات عديدة وأغلقت محال وتضررت السياحة، في هدم سريع للصعود الاقتصادي الكبير الذي حدث خلال السنوات الماضية منذ انضمامها إلى الصين حتى الآن.

صعود اقتصادي
التنمية الاقتصادية كانت أساس هونج كونج منذ أن انضمت إلى البر الرئيسي “الحكومة المركزية في بكين” عام 1997، وفقًا لسياسة “دولة واحدة ونظامان”، فقد ركزت جهود الأخيرة مع حكومة هونج كونج على رفع قيمتها كمركز مالي واقتصادي عالمي لا يتقيد بالنظام الاقتصادي الصيني الخليط بين الرأسمالية والاشتراكية، ما منح رجال الأعمال الصينيين التنوع لاستثمار أموالهم في ذلك السوق الحر، وشجع رؤوس الأموال الأجنبية على ضخ استثماراتهم هناك، للاستفادة من الضرائب المنخفضة والتجارة الحرة، ما جعل عملتها “الدولار الهونج كونجي” بالمرتبة الثامنة من حيث التداول عالميًا، وانعكس على تطوير البنية التحتية وأصبحت المواصلات العامة هي الأكثر تداولا، فيما قدرت الأمم المتحدة ومنظمة الزراعة والأغذية العالمية متوسّط عمر الإنسان في هونج كونج أنه الأعلى من أي منطقةٍ أخرى على وجه الأرض.

تخريب
أدت عمليات التخريب المصاحبة للمظاهرات في 10 أكتوبر الحالي، إلى تعرض ثلاثة أرباع محطات السكك الحديدية لهجمات من قبل المتظاهرين، وتم تخريب 1200 باب دوار وأغلق 1200 مطعم أبوابه حتى الآن، وزاد عدد العاطلين عن العمل في صناعة خدمات الأغذية والمشروبات، وانخفضت أعداد السياح بنسبة 40% “وفقًا لتقديرات رسمية من حكومة المنطقة في أغسطس ذروة الموسم السياحي”، ما جعل المؤشر الاقتصادي للمنطقة خلال النصف الأول من العام الحالي يهبط لأضعف مستوياته منذ 10 سنوات، ودخل الاقتصاد الكلي في الربع الثالث في فترة ركود، ما يهدد بتعريض مستقبل أسر 7.5 مليون مواطن لعواقب وخيمة.

إسعافات أولية
حكومة هونج كونج، حاولت اتخاذ إجراءات عاجلة بمثابة إسعافات أولية لاقتصادها، تمثلت في إقرار حزمة دعم قدرت بـ 19.1 مليار يوان صيني في أغسطس الماضي، تلتها حزمة أخرى قدرت بـ 2 مليار دولار هونج كونجي، ركزت على الخدمات اللوجستية والسياحة وتجارة التجزئة، ترافقت مع إجراءات أمنية أخرى بموجب قانون الطوارئ، مثل حظر ارتداء قناع الوجه، نظرًا لأن المتظاهرين يهربون من الكاميرات التي تسجل أعمال العنف بارتداء قناع يغطي وجههم كي لا تتعرف عليهم الشرطة وتلقي القبض عليهم.

ووصفت كاري لام ما حدث يوم الجمعة 4 أكتوبر الجاري بأنها “ليلة سوداء على هونج كونج”، وأن أحداث العنف كانت “غير مسبوقة ومروعة”، بعدما أشعل المقنعين الحرائق ودمروا المنشآت العامة، واعتدوا على ضباط الشرطة والمارة، مما أسفر عن تعطل شبكة النقل وأجبر العديد من المتاجر على الإغلاق، مشيرة إلى أن “دولا غربية أصدرت قوانين مماثلة ضد ارتداء الأقنعة لذلك فهو أمر منطقي وطبيعي”.

وهي الخطوة التي دخلت حيز التنفيذ 5 أكتوبر، بهدف إنهاء العنف واستعادة النظام، وحصلت على تقدير من خبراء أمنيين خارج الصين مثل هيو إتش مو، النائب السابق لمفوض إدارة شرطة مدينة نيويورك الأمريكية، الذي قال في تصريحات نشرتها وسائل إعلامية صينية، إن “اتخاذ حكومة هونج كونج لخطوة كهذه يعد أمرا ضروريا”، مضيفا أن “هدف العنف هو الدخول في مواجهة مع الشرطة، وليس الاحتجاج بشكل سلمي، وهؤلاء الناس مصيرهم الاعتقال لو كانوا في نيويورك”، مشيرًا إلى أن العديد من الولايات الأمريكية لديها قوانين مماثلة، وكذلك الحال بالنسبة لمدينة نيويورك.

أما المحلل الروسي يوري سفيتوف، فأشار إلى أن “جزءا معينا من المتظاهرين يرتكبون عمدا أعمالا غير مشروعة، وفي مثل هذه الحالة، يكون المفيد لهم أن يظلوا مجهولين”، مضيفًا أنه “إذا قمت بإخفاء وجهك، فأنت تعي جيدا أن ما تقوم به هو شيء غير قانوني، فتغطية الوجوه لإخفاء هوية مثيري أعمال الشغب يجب أن يحظرها القانون”، وقال بيير بيكوار، الخبير في الشئون الصينية بجامعة باريس الثامنة، إن مثيري أعمال الشغب الذين يغطون وجوههم في هونج كونج يستخدمون العنف لمهاجمة الشرطة، وعرقلة النظام الاجتماعي، وإلحاق الفوضى بالأعمال التجارية والمؤسسات والمجتمعات المحلية، لافتًا إلى أنه من الضرورة بمكان دائما في جميع البلدان بأنحاء العالم حماية الأجهزة الحكومية والمواطنين والممتلكات العامة، والحفاظ على النظام العام.

دوامة الفوضى
فيما لم توضح مطالب المتظاهرين أي برنامج للإصلاح الاقتصادي، أو زيادة دخل المواطنين والعمال أو رفع مستوى التعليم والصحة وخلافه، واقتصرت مطالبهم فقط على الحصول على مكاسب سياسية مثل الديمقراطية والحرية والحقوق المدنية، ثم الفوضى بعد ذلك، في مشهد يذكرنا بأحداث الربيع العربي التي جرت في منطقتنا العربية قبل سنوات ونجم عنها أحداث فوضى أضرت باقتصاديات الدول ولم تؤد في النهاية إلى فائدة تعود على المواطن العادي.

دوامة الفوضى المقبلة عليها هونج كونج، تسارعت عجلة دورانها مع إصرار معارضين سياسيين على حل المجلس التشريعي وحل قوات الشرطة وإقالة حكومة كاري لام والدفع بحكومة مؤقتة، مع تحريض على العنف وتخريب المنشآت العامة وتعطيل العمل بالخروج في المظاهرات للاعتراض من أجل الاعتراض، دون قبول حلول الحكومة بالجلوس إلى مائدة المفاوضات وبحث تحقيق مطالبهم بما يخدم مصالح المواطن العادي في هونج كونج.

والمثير للدهشة أن المعارض لوه قوانتسونج الذي تبنى فكرة استقلال هونج كونج عن البر الرئيسي، سافر إلى أمريكا للدراسة مباشرة بعد دفع زملائه إلى تصعيد المظاهرات، ومثلما دعت دول عربية حلف الناتو لضرب ليبيا عام 2011، طالب معارضون أخرون مثل لي تشي يينج، ولي تشومينج، وتشن فانج شنج، الولايات المتحدة بفرض عقوبات على هونج كونج، ما قد يعصف بمستقبلها الاقتصادي ويجعلها تحتاج عشرات السنين لكي تعود كما كانت قوة اقتصادية مهمة ولؤلؤة تلمع في شرق العالم.

قانون الكونجرس
وبينما تتهم الصين دولًا غربية بدعم المظاهرات في هونج كونج، وتصفها بأنها “ثورة ملونة”، أصدر الكونجرس الأمريكي منذ أيام “قانون حقوق الإنسان والديمقراطية في هونج كونج لعام 2019″، ما اعتبره مجلس نواب الشعب الصيني انتهاكًا للقوانين الدولية وتدخلا في الشئون الداخلية للصين، حيث قال تسانج تيه وي المتحدث باسم اللجنة التشريعية، أن ذلك “يعكس عقلية الحرب الباردة لدى الولايات المتحدة وتدخلها في الشؤون الداخلية الصينية على المستوى التشريعي، وهو ما نعارضه بشدة”، مضيفًا أن “ما تقوم به الولايات المتحدة يتعارض كذلك مع القانون الدولي والقواعد الدولية الحاكمة للعلاقات الدولية، وليس إلا محاولة لتعطيل تطبيق دستور جمهورية الصين الشعبية والقانون الأساسي لمنطقة هونج كونج الإدارية الخاصة، والإضرار برخاء المنطقة واستقرارها”.

ولفت إلى أن هونج كونج منطقة إدارية خاصة بالصين، وأن شئونها داخلية صينية، الأمر الذي لا يسمح بأي تدخل من أي بلد أو منظمة، متابعا: ” نحث الولايات المتحدة على التمسك بالقانون الدولي والقواعد الأساسية الحاكمة للعلاقات الدولية، وإظهار الجدية في احترام سيادة الصين ووقف التدخل على أي نحو في شؤون هونج كونج الداخلية”، مشددًا على “الحاجة إلى تبني منهج تدريجي لتطوير نظام للديمقراطية يفضي إلى تحقيق الرخاء والاستقرار في هونج كونج، ويلائم الحقائق القائمة على أرض الواقع”.

سيادة القانون
فيما قال رئيس وزراء مصر الأسبق الدكتور عصام شرف، إن الجميع يجب أن يحترم سيادة القانون في هونج كونج وفقًا لمبدأ “دولة واحدة ونظامان” الذي أثبت نجاحا خلال السنوات الماضية وبات الأكثر ملاءمة لتحقيق الاستقرار، مضيفًا في حوار نشرته وكالة أنباء “شينخوا” الرسمية، أنه “لابد أن يكون الحكم هو سيادة القانون في إطار الدولة الواحدة، وبناء على القانون الأساسي الذي حكم عودة هونج كونج إلى الوطن الأم”، وأن “الدولة الواحدة لها الأولوية وتأتي في البداية، ومن ثم يأتي النظامان”، متهمًا أيادي خفية تقف وراء ذلك.

واعتبر شرف أن تغطية بعض وسائل الإعلام الأجنبية للحدث، غير حيادية أو عادلة، حيال الكثير من الحقائق والوقائع، مؤكدا أنها سعت إلى إثارة المتظاهرين، وأن “المظاهرات استغلت أمورا صغيرة وكبرتها بهدف وضع العقبات في طريق الصين”، داعيا سكان هونج كونج وساستها إلى الاضطلاع بدورهم في تهدئة الأمور، مشددا على أهمية “تطبيق القوانين الدولية التي تنص على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المختلفة”.

تغطية غير حيادية
واتهمت بكين وسائل إعلامية غربية بنشر تغطيات غير حيادية لما يحدث في هونج كونج، بهدف إشعال مزيد من النار وتهييج المتظاهرين وحثهم على الأعمال الفوضوية، وتصوير رجال الشرطة بأنهم يعتدون على المتظاهرين السلميين، حيث انتشرت صورة على مواقع التواصل الاجتماعي الصينية لعدد من الصحفيين الأجانب يحاصرون رجل شرطة تواجد في منطقة كولون التي شهدت أعمال شغب وقتها، ولا يسجلون قيام المتظاهرون أنفسهم بتخريب أعمدة الإنارة الذكية في نفس المكان، فضلا عن قذف رجال الشرطة بالحجارة والتعدي عليهم بالعصي الحديدية.

وقالت صحيفة الشعب اليومية، إن صورة نفس ضابط الشرطة ظهرت في وسائل إعلامية غربية مثل الجارديان، على أنه “ضابط شرطة مكافحة الشغب الذي يستهدف المحتجين”، وقارنت الصحيفة الصينية بين تلك المعالجة الصحفية للأحداث في هونج كونج، وبين معالجات أخرى لما حدث في بورتلاند في الولايات المتحدة 17 أغسطس الماضي، حيث قالت الصحف الغربية إن “الشرطة الأمريكية اعتقلت بعض المتظاهرين، وأن الاحتجاجات أدت إلى عنف متقطع”.

وخلال مقابلة مع صحيفة الشعب، قال مارتن جاك، الباحث في جامعة كامبريدج، إن وسائل الإعلام في المملكة المتحدة كانت مؤيدة للمظاهرات وضد كل من حكومة هونج كونج والحكومة المركزية الصينية، مضيفا أنه يعتقد “أن الموقف الغربي يشجع بالتأكيد على المعارضة، حيث أن المتظاهرين هم جمهورهم بشكل أساسي، ويرون فيه صورة للجمهور الغربي”، مشيرًا إلى أن “عدة احتجاجات في هونج كونج جاءت استجابة لذلك التحيز الإعلامي، فيما قالت صحيفة سينج تاو ديلي الصينية، إن “سكان هونج كونج نظموا مظاهرة يوم 13 أغسطس، نددوا خلالها بانحياز التقارير الإعلامية الزائفة وأكدوا على أن وسائل الإعلام يجب أن تكون محايدة في تقاريرها”.

 

تعليق 1
  1. مادة جيدة ومهنية في كتابتها وتسلسلها ومنطقها.. وتعرض بدقة وموضوعية للعنوان الرئيس.. نحن في امس الحاجة لمقالات من هذا النوع لشرح ما يحدث تجاه الصين من احداث تهدف الى خلخلة وضعها المحلي والاسيوي والعالمي..نتضامن مع الصين ونتآزر معها في محنتها الحالية لرد كيد الاعداء الى نحورهم..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.