القضية الايغورية في عين العاصفة الاعلامية: حملة من الادعاءات الكاذبة والمغرضة

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
محمد زريق:

مرة أخرى تصوّب سهام الاعلام الغربي وبعض وسائل الاعلام العربي على اقليم شينجيانغ، فخلال حملة مبرمجة وممنهجة واضحة الاهداف والغايات بدء الترويج للدفاع عن حقوق الاقلية الايغورية المسلمة، تدعو إلى محاسبة الحكومة الصينية على أفعالها. كانت الشرارة عندما كتب لاعب كرة القدم الالماني مسعود أوزيل صاحب الاصول التركية تغريدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي عبّر فيها عن دعمه لحقوق الاقليات المسلمة في الصين وعن رفضه للسياسة الصينية المتّبعة بحق الايغور. تَبِعَ هذه التغريدة الكثير من المواقف الداعمة لرأيه والمتعاطفة مع مسلمي الصين، والكثير من هؤلاء هم عرب أو مسلمون.

هذه هي ليست المرة الاولى التي يثير فيها اللاعب الالماني هذا الموضوع، وقد دعا سفير الصين بالقاهرة أوزيل لزيارة اقليم شينجيانغ وتفقّد أوضاع المسلمين هناك عن قرب، لأن الحق هو أن تقول رأيت وليس سمعت. إن معظم رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين أبدوا تضامنهم مع مسلمي الصين لم يزوروا مقاطعة شينجيانغ ولا حتى الصين، وحدها العاطفة الدينية كانت الدافع الاكبر وراء هذا التضامن القوي، والغرب يعوّل كثيرا على المشاعر الدينية وعلى هذا التضامن الذي يتم الترويج له.

إنَّ تجربتي الشخصية في الصين تدحض الافتراءات الغربية وجميع ما يتم نشره والترويج له عبر مواقع التواصل الاجتماعي. إنَّ الصين تعمل على سياسة الانفتاح والتعاون بغض النظر عن الانتماء العرقي أو الديني أو القبلي. لقد زرتُ الكثير من المناطق في الصين وقابلت العديد من مسلمي الايغور، وما رأيته هو حياة جيدة وكريمة مع احترام كامل للطقوس الدينية من قبل الدولة. في الحي الذي أسكن فيه على سبيل المثال هناك ثلاثة مساجد، وهي دائما مزدحمة وتعج بالمصلين خصوصا أيام الجمعة وأيام الاعياد، إضافة إلى ذلك تتواجد الشرطة الصينية قرب تلك المساجد ولكن ليس لترويع المصلين أو لقمعهم بل لتأمين الحماية لهم، وهذا هو مثال راقٍ عن المجتمع الذي يحترم الاقليات. في الصين الكثير من المطاعم التي يمكنك أن تقرأ على مدخلها عبارة “حلال” بالحرف العربي ومعظمها تعود للايغور، وتعمل الحكومة الصينية على الترويج للأكل الحلال عبر نشر تلك المطاعم في أنحاء الصين كافة، كي لا يكون المسلم الصيني أو المسلم الاجنبي محروما من أكل الطعام الحلال.

إنَّ الحكومة الصينية تعمل على سياسة تنموية مركّزة في إقليم شينجيانغ، هذه السياسة قائمة على رفع مستوى المعيشة وخفض نسبة البطالة والوصول بنسبة الأمية إلى صفر في المئة، هذه السياسة طبعا هي نقيض لكل ما يشاع عن قمع وانتهاك للحريات. في المنطقة الإيغورية على سبيل المثال يوجد 24450 مسجدا أي ما يعادل مسجد واحد لكل 530 مسلما. لا يمكن حصر المسلمين الصينيين بقومية الايغور، فهناك الكثير من القوميات الأخرى مثل الهوي والقزاق والأوزبيك والقرغيز والسلار والتاتار والطاجيك ودونغسيانغ وبآوان، جميعهم يعيشون بسلام ويعاملون نفس معاملة قومية الهان لا بل يتم تفضيلهم في الكثير من الأحيان. إنَّ الحكومة الصينية تراعي الأقليات عبر السياسة التي تتبعها، ففي الوظائف والجامعات تكون الافضلية للاقليات، وعندما تمَّ سن قانون الولد الواحد لم يشمل الاقليات، وفي الكثير من الاحيان يكون هناك إعفاء ضريبي لهم.

يقول المثل العربي “أهل مكة أدرى بشعابها”، كذلك أهل الصين أدرى ببلادهم، وسياستهم الداخلية قائمة على أسس عقلانية وليست غرائزية، ففي مصر على سبيل المثال لا يمكن أن يقال مسلم مصري وقبطي مصري ولكن يتم استخدام صفة مصري فقط والانتماء الديني لا علاقة له بالانتماء المدني ولا يمكن فصل الأقباط عن مصر لأنهم جزء من البلد؛ هذا الوضع يمكن تطبيقه على الحالة الصينية، لأن انتماء جميع القوميات هو لدولة واحدة.

على كل شخص أن لا ينجر وراء المشاعر الدينية والأخبار المزيفة بل على الإنسان الواعي أن يكون أكثر عقلانية. أنا أدعو كل مهتم بموضوع حقوق الانسان وحقوق المسلمين أن بقوم بزيارة مسلمي الصين ويتعرف على حياتهم التي يعيشونها عن قرب، عندها ستتضح الأمور وستكون مبنية على حقائق وليس على الشائعات والأكاذيب. وقد أثبتت التقارير الصادرة مؤخرا عن الاموال الهائلة التي يتم ضخها من أجل خلق الفتنة بين أبناء الشعب الصيني والتحريض الالكتروني الممنهج والواضح الغايات.

إنَّ الحكومة الصينية تتعامل بحزم من المنظمات الإرهابية والأشخاص الذين تربطهم علاقات مع تنظيمات إرهابية مثل داعش والقاعدة. خلال أحداث الحرب في سوريا تمَّ ثبوت تورط العديد من مقاتلي الايغور مع تنظيم داعش الارهابي، كذلك تمَّ كشف حالات من التعامل مع تنظيم القاعدة الارهابي. في منطقة شينجيانغ توجد منظمة تسمى “تركستان الشرقية”، هدفها الانفصال عن الصين وقد كانت هذه المنظمة وراء العديد من العمليات الارهابية داخل الصين وخارجها.

أعلنت منظمة الامم المتحدة بأن منظمة “تركستان الشرقية” هي ارهابية، وقد تمَّ وضعها على لائحة الإرهاب من قبل الاتحاد الاوروبي والكثير من دول العالم. بناءً على ذلك، تتعامل الصين بحزم مع بعض الأشخاص الخارجين عن القانون في تلك المنطقة وتسعى بشكل دائم إلى توفير الأمن والاستقرار للمواطنين المسالمين والسعي لتأمين السلامة للاراضي الصينية.

للغرب أهداف عديدة وراء حملته الشعواء هذه، أهمها إثارة قضية انفصال اقليم شينجيانغ عن الصين الواحدة، ومن المعروف أن هذه المنطقة تختزن كميات هائلة من الموارد الطبيعية. استهداف اقليم شينجيانغ يعني استهداف مبادرة الحزام والطريق التي تجعل من الصين قوة عظمى منتشرة في كافة أنحاء العالم ومنافساً حقيقياً للولايات المتحدة، لأن المركز الأساسي للمبادرة والرابط الفعلي للصين بباقي الدول يتمحور في إقليم شينجيانغ.

احد الاهداف أيضا خلق نوع من العنصرية داخل الصين والتفرقة بين أبناء البلد الواحد، علما أن الحكومة الصينية ترفض أن تسود هذه الحالة. فما عجزت الولايات المتحدة عن تحقيقه عبر الحرب التجارية والحرب التقنية (شركة هواوي) والتضييق السياسي، تحاول اليوم تحقيقه عبر نشر دعايات مفبركة عن اضطهاد المسلمين، ولكن الشعب الصيني يختلف فكريا عن شعوب الدول الاخرى، وإذا كان الغرب قد نجح في يوم من الأيام وعلى أراضٍ أخرى بخلق فتن ومشاكل بحجج الدين، فهذا الامر غير وارد في الصين لأن العقلية هنا فيها الكثير من التروي والحكمة.

 

*مرشح للدكتوراه في Central China Normal University وعضو اتحاد الكتّاب والصحفيين أصدقاء وحلفاء الصين، مهتم في سياسة الصين الخارجية تجاه المنطقة العربية مع تركيز خاص على مبادرة الحزام والطريق، لديه العديد من الكتابات والمنشورات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.