تعليق: التغلب على الخوف الوهمي في العلاقات الصينية الأمريكية ببصيرة ثاقبة

0

صورة لكتاب “الخوف الوهمي: العلاقات بين الولايات المتحدة والصين”

في الوقت الذي من المقرر أن يدخل فيه اتفاق المرحلة الأولى الاقتصادي والتجاري بين الصين والولايات المتحدة حيز التنفيذ اليوم (الجمعة)، أصبح التطور المستقبلي للعلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم مرة أخرى في بؤرة اهتمام العالم.

    ففي محادثة هاتفية جرت الأسبوع الماضي، تحدث الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، أثناء مناقشة المعركة المستمرة ضد فيروس كورونا، بشكل إيجابي عن الاتفاق التجاري، واتفقا على مواصلة تعزيز العلاقات الثنائية. وأدخل إجماعهما الجديد الإطمئنان إلى نفوس الساسة، وسماسرة البورصة، والمصنعين، ورجل الشارع العادي في أنحاء العالم.

    في الواقع، لم ينظر مراقبون متابعون عن كثب من أنحاء العالم للتفاعل بين الصين والولايات المتحدة باهتمام فقط إلى الاتفاق الذي نزع بشكل مؤقت فتيل تصعيد شهده نزاع تجاري كانت واشنطن البادئة به مع حلول الذكرى الـ40 لإقامة العلاقات الدبلوماسية الثنائية، وإنما سعوا أيضا إلى فهم الاتجاه الذي ستسير فيه العلاقات المعقدة والهامة خلال السنوات الـ40 المقبلة.

   ووسط بحثهم عن إجابات، قد يقدم كتاب، نُشر مؤخرا ويحمل عنوان “الخوف الوهمي: العلاقات بين الولايات المتحدة والصين“، بعض الأدلة المفيدة. فهذا الكتاب الذي ألفه الباحث الصيني شين جي يان، سردا عقلانيا لعرض الجوانب التاريخية والثقافية والاقتصادية للعلاقات الصينية الأمريكية.

   ويأتي هذا الكتاب على النقيض من كتاب “ماراثون المائة عام: إستراتيجية الصين السرية لتحل محل الولايات المتحدة كقوة عظمى عالمية”، وهو عمل مثير للخبير الأمريكي في الشؤون الصينية مايكل بيلسبري يؤجج خوفا لا أساس له بشأن تنمية الصين.

    ورغم التباين الحاد، إلا أن الكتابين يلمحان إلى أهمية العودة في الوقت المناسب إلى التنوير. وبالفعل، فإن التاريخ الحديث يقدم حقا درسا جيدا.

    فعندما ضغط الزعيم الصيني ماو تسي تونغ والرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون على زر التشغيل إيذانا ببدء تطبيع العلاقات الثنائية بين البلدين منذ حوالي خمسة عقود، فإنهما كانا ينظران ويفكران بصورة تتجاوز عصرهما، ونطاق بلديهما.

    واليوم، وسط مرحلة حاسمة جديدة تمر بها العلاقات الثنائية بين الصين والولايات المتحدة في عصر يتزايد فيه الاعتماد المتبادل، ثمة حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى رؤية طويلة الأمد وواسعة فيما يتعلق بوضع واشنطن لإستراتيجيتها تجاه الصين.

    ففي 2 يونيو عام 1971، تلقى نيكسون رسالة سرية من الصين تقول إن ماو يتطلع إلى إجراء محادثات مباشرة. وبعدها، أرسل نيكسون مستشاره للأمن القومي، هنرى كيسنجر، للتحدث مع الصين في مهمة سرية، مهدت الطريق لزيارة نيكسون التي هزت العالم في فبراير 1972 إلى بكين.

    وقال نيكسون خلال اجتماعه مع رئيس مجلس الدولة الصيني آنذاك تشو ان لاى “يجب على قائد الدفة السير مع التيار، وإلا سيغمره المد”.

    فقد تم الحفاظ على زخم الحوار والتفاهم رغم تغيرات القيادة. وفي الأول من يناير 1979، أقامت الصين والولايات المتحدة علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء.

     وكما رصد كيسنجر في كتابه “حول الصين”، عندما بدأت الصين والولايات المتحدة في استعادة العلاقات، فقد كانت أهم مساهمة قدمها الزعيمان في ذلك الوقت هي استعدادهما لرفع رؤيتهما لتتجاوز القضايا الملحة لذلك العصر.

    وبفضل هذه الرؤى الإستراتيجية للجانبين وجهودهما الدؤوبة لتعزيز التعاون والتفاهم، شهد البلدان، اللذان يتمتعان بثقل عالمي، على مدى العقود الماضية تحولا من تواصل استكشافي إلى علاقات نشطة، ومن استبعاد متبادل إلى ترابط وثيق.

    وللأسف، فإنه في تناقض حاد مع هذا الزخم التاريخي، تواجه العلاقات بين الصين والولايات المتحدة الآن اضطرابات خطيرة. فقد شهدت الذكرى الـ40 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والولايات المتحدة في العام الماضي دخول البلدين — بدلا من الاحتفاء بهذه اللحظة — في نزاع تجاري اعتبره الكثيرون محاولة من الولايات المتحدة لاحتواء تنمية الصين.

   ويمكن القول إن العلاقات الثنائية الأكثر أهمية في العالم تمر بمنعطف هام جديد. وفي المستقبل، كما يقترح شين في كتابه، يكمن السبيل إلى اتخاذ البلدين لقرار صحيح في إصدار حكم دقيق على النوايا الإستراتيجية للآخر، بدلا من القفز إلى ما يسمي بـ”فخ ثوسيديدس” بعيون مغلقة.

    وتعتبر هذه النصيحة ذات صلة وثيقة على نحو خاص. فعند دراسة جذور الخلاف التجاري، يمكن أن يجد المرء بسهولة علامات تظهر أن واشنطن، التي تشهر هراوة التعريفات الجمركية بطريقة جامحة، تميل الآن إلى رصد مكافآت فورية من أجل تحقيق فوائد طويلة الأجل، وعلى استعداد إلى إلقاء العالم بأسره في حالة من الفوضى من أجلها هي فحسب.   

    وكشفت الاضطرابات المؤثرة التي لحقت بالاقتصادين عن الخطر الذي يشكل سعي قصير النظر كهذا إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل. ومن منظور آخر، أثبتت أيضا مرة أخرى أن التعاون والحوار أفضل من الاحتكاك والمواجهة بالنسبة لكل من الصين والولايات المتحدة.

    علاوة على ذلك، فإن العلاقات بين الدول الكبرى تشكل حجر الزاوية لاستقرار العالم. وفي زمن العولمة، تكتسب العلاقات بين الصين والولايات المتحدة أهمية عالمية أكبر. وعند التفكير في كيفية دفع العلاقات الثنائية إلى الأمام، يحتاج البلدان إلى التفكير بمنظور عالمي. فالخسائر الفادحة التي لحقت بالاقتصاد العالمي جراء النزاع التجاري الذي استهلته الولايات المتحدة مع الصين يعد بمثابة تذكير واقعي.

    وكما أخبر الرئيس شي ترامب خلال المحادثة الهاتفية التي جرت بينهما مؤخرا، فإن توقيع اتفاق المرحلة الأولى التجاري أظهر أن بإمكان البلدين دائما إيجاد حلول يقبلها الجانبان من خلال الحوار والتشاور طالما أنهما يتمسكان بروح المساواة والاحترام المتبادل.

    والآن، على الجانبين العمل بحسن نية على تنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه بشق النفس، والأهم من ذلك، البناء على هذا الزخم الإيجابي ودفع العلاقات الثنائية إلى الأمام على أساس مبادئ التنسيق، والتعاون، والاستقرار ليس من أجل صالحهما فحسب، وإنما أيضا من أجل صالح العالم بأسره.

    وكما أكد الدبلوماسي الأمريكي المخضرم تشاس فريمان، الذي عمل مترجما لنيكسون خلال زيارته إلى الصين في عام 1972، بقوله “نحن مدينون لأنفسنا والأجيال القادمة بأن نبذل قصارى جهدنا لعمل معا من أجل دفع المصالح الإستراتيجية العديدة التي لدينا فيها قواسم مشتركة”.

    إن “الهدفين المئويين” للصين ورؤيتها المتمثلة في بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية أظهرا، من بين أمور أخرى، الفطنة السياسية للقادة الصينيين ذات الفكر بعيد المدى والالتزام بالصالح العالمي.

    لقد حان الوقت لكي يتحلى صناع السياسات في الولايات المتحدة بالبصيرة الثاقبة التي أظهرها أسلافهم قبل حوالي نصف قرن من الزمان، بدلا من التركيز على ما يبدو في صالح بلادهم فحسب في الوقت الراهن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.